يختلف الناس فيما بينهم ويتفاوتون في شتى الأمور، وهي سنة كونية وطبيعة بشرية… ومن يتحرك لتحقيق الوحدة دون الالتفات إلى هذه الحقيقة، أو بقصد إرغامها وتطويعها، مخطئ يلاحق سراباً، ومتوهم سيعود بخُفي حُنين.
وهذا القرآن الكريم ينطق بالحق: “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم”، ويؤكد حقيقة الاختلاف العقائدي في قوله تعالى: “ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً”. ما يعني أن الخلف بين الناس في أديانهم واعتقاداتهم، ومللهم ونحلهم، وأفكارهم وآرائهم.. باق ما بقيت الدنيا، حتى يرث الله الأرض ومَن عليها، ويُرغم المعاندين والعصاة، ويقهر أهل النفاق والشقاق، بالقوة والغلبة.
سيبقى الناس مختلفين في الهدى، كما هم متفاوتون في الرزق يسخّر بعضهم بعضاً، وفي الألوان والأعراق والديار والأوطان جعلهم شعوباً وقبائل، وفي الطبقات والدرجات فضل بعضهم على بعض…
إنها سنة تاريخية أخبر عنها النبي صلى الله عليه وآله بأن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة.. وكل سعي تجاه الوحدة، يتجاهل هذه النبوءة، محكوم بالفشل، وعدم الجدوى، مهما كان متقَناً محَكماً. وما زلنا نشهد صدق النبوءة ونعيش تحقق المقولة في كل عصر ومصر، وعهد وجيل، ونرى براهينها تترى حيناً بعد حين…
لذا تحرك المخلصون والعقلاء في إطار الممكن، وبنوا مشاريعهم “الوحدوية” لتلتزم سقفاً يظللهم ويقيهم شرور الاختلاف وسيئات النزاع والشقاق، ويوقفهم عن التطاول والتطلع إلى المحال (العملي)، وما يستتبع هدر الجهد والمال، وضياع السعي وخيبة المنقلب والمآل.. بعد أن علموا أن لا سبيل إلى اجتثاث الخلاف واقتلاعه، فدعوا ـ على سبيل المثال ـ إلى الالتقاء عند المشتركات، والعمل على بلورة مواقع الاتفاق في المذاهب والأديان، والتركيز على ما تلتقي عليه الإنسانية جمعاء.
لتعود الفكرة وتأخذ شكلها الشرعي والعقائدي الصحيح، الذي يتحرك في إطار وتحت عنوان “آداب العشرة”… تعامل بالحسنى مع الآخر: عيادة مرضاهم، حضور جنائزهم، حفظ أماناتهم، وفي العموم التزام قيم ومتطلبات وأُصول العيش المشترك، وما يفضي إلى درء المفاسد وكف الشرور، وإخماد الغلواء وتحييدهم عن العداء.
وبقي السياسيون المخادعون، يعبثون ويتلاعبون، يصرون ويكابرون، يرفعون السقف في شعاراتهم البراقة، ويوهمون العالم ويغررون أتباعهم بمزاعم وحدة وأماني إلغاء المذهبية وتوحيد المسلمين جميعاً تحت راية واحدة… إنهم يتاجرون ويستأكلون!
في هذا السياق يأتي أداء “المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية”… الذي وقع مؤخراً في ما يناقض فلسفة وجوده، وينفي الغرض من تأسيسه، ويخالف جوهر رسالته ودعوته، أي الوحدة والوئام، ودرء الشقاق وقطع النزاع ومنع الاختلاف!
وكانت فكرة “المجمع” قد سبقت إليها “دار التقريب بين المذاهب الإسلامية”، وهي دار تأسست في عهد الشاه، وكان يرأسها الشيخ محمد تقي القمي، وكيل المرجع الديني السيد البروجردي قدس سره… وكانت لا تخلو من ثمرة وبركة، ذلك أنها نجحت في إصدار فتوى الشيخ محمود شلتوت (شيخ الأزهر) التاريخية بجواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية. على العكس من أداء “مجمع التقريب” في عهد الجمهورية الإسلامية، الذي تأسس بعد رحيل السيد الإمام الخميني قدس سره… فالمشروع الجديد لم يقدم شيئاً يذكر، وإخفاقاته أكبر بكثير من نجاحاته، وجل عطائه كان في عقد مؤتمرات وتشكيل لجان موازية تستهلك رواتب وميزانيات وعطايا من بيت المال وهبات، ولا تقدم بالفعل شيئاً، وكان آخر نتاجها “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” الذي نصب الشيخ القرضاوي رئيساً له، حتى انقلب عليهم مع بداية “الربيع العربي” وما لاح في أفقه من مجد يفوق ما مُنحه وأُعطي له هناك.
وقد سمعت من آية الله العظمى الشيخ الفاضل اللنكراني رحمه الله مشافهة بلا واسطة، أن الرئيس السابق للمجمع، الشيخ واعظ زاده الخراساني، عرض عليه تقريراً تناول علل وأسباب إخفاق المجمع في تحقيق أهدافه.. وقد عزا ذلك إلى أمرين أساسيين: الشعائر الحسينية، كونها طقوساً ينفرد بها الشيعة فيمتازون عن بقية الفرق الإسلامية ويفرزون، ثم التبري واللعن الذي يطال بعض الصحابة، مما هو مبثوث في تراثنا ويتلقاه الشيعة كضرورة من مسلّمات مذهبهم… وأنه أبلغه بخطّة لاجتثاث هذين العاملين واقتلاعهما من الوجود الشيعي! فخالفه ودخل معه في حوار، أترك نقله لمواضع ومناسبات أخرى.
والمفاجأة اليوم بعد الطامة التي أرادوها وعملوا لها بالأمس، أن الرئيس الجديد لمجمع “التقريب”، عمد ـ في أداء غير مسبوق ـ إلى خطوات ومواقف، فتحت جبهات داخلية (بعد الخارجية المضطرمة والملتهبة أصلاً) في الصراع والنزاع والاختلاف! ذلك حين انخرط في الحملة التي تُشن على حزب شيعي، تبعاً لخطة وقرار سياسي، ما زال ينفَّذ بوتيرة تصاعدية، وتكتيك مخابراتي، وآلية أمنية مدروسة.
ولو لم يصل قصفه وتطال إساءته شعائر ديننا، وبقيت معركة “المجمع” مع مشروع عائلي يتجر بالدين، وتيار سياسي يتبع مرجعية مزيفة، لما تعرضنا له ولا أوليناه اهتماماً، ووقفنا متفرجين على انشغال الظالمين بالظالمين، ندعو الله أن يجعلنا بينهم سالمين ويخرجنا غانمين… ولكن الرجل أبى إلا أن يطعن في ديننا، ويتطاول على المؤمنين المعزين، وينال من الشعائر الحسينية ولا سيما التطبير. وأي شخص يتطاول على عقائدنا وشعائرنا سيُرد عليه وسيأتيه الجواب، وذلك من المؤمنين الغيارى على دينهم، العاملين بوظيفتهم وتكليفهم الشرعي، دراسات علمية ومقالات واحتجاجات.. فإذا لم يرتدع الجاني ويكف عن شره وإفساده، سيأتيه الرد الثاني من يد الغيب، التي ستقصم ظهره، إن عاجلاً أو آجلاً، “قصير” الذيل كان أم طويله، مبتدع يرعى الضلالات كان، أم خولي تابع وأجير خانع، جاهل خباط جهالات وركّاب عشَوات كان، أم خبيث لعين عادٍ في أغباش الفتنة.
ما دام طبل المزيفين وغاصبي الشرعية يقرع بمقولات الظلم والجور، ويرجع صدى الباطل، وينفخ في بوق الضلال، ويبث السموم وهمزات الشياطين… فسيُقطع منه يوماً الوتين، وسيدفع الثمن من دينه مزيد ضلال سيبلغ به الزندقة بعد حين (وانظر أين بلغ الحيدري، وتأمل في العاقبة!)، كما ندفع نحن من دُنيانا بما نتلقى من افتراء وحصار وتشويه، فتبادر يد الرحمة بجبر الكسور والربط على القلوب. بل سيعود ـ بعد حين ـ العقابُ ليطال الباغي في دنياه أيضاً، في نفسه وماله وولده، نكالاً مضاعفاً… سيأتي دوره ليدفع الثمن من دنياه، ويبدو أن هذا هو ما يوجعه، فهو على أعتاب مجد طالما تحرّق إليه، وأثيل جاه لهث وتهالك ليبلغه، وشهرة استمات ليصل إليها.. ومما يقر أعين المؤمنين ويشفي صدورهم، أن تلك الأوجاع والآلام والعقوبات الدنيوية، ستلحق القوم وتنزل بهم، فيألمون كما نألم، دون أن يرجو من الله ما نرجوه، ومن “ولي الله” ما نتلقاه من رعاية وكلاءة.
لقد ارتكز رئيس “مجمع التقريب” في إدانة الحزب الذي انبرى لحربه، وعزم على إسقاطه، واختار الصراع معه (بدَل صميم دوره وصُلب عمله، أي تأليف القلوب وجذبها!)… على محورين: التخلف والقصور العلمي لقائد ومرجع ذلك الحزب. ثم العمالة وخدمة العدو والأجنبي…
وهذا من عجائب الزمان وغرائب الحوادث وسخرية القدر، وإن عشت أراك الدهر عجباً… فالأعور يعيب على الأحول، والأكتع يسخر من الأعرج، والمجذوم يهزأ بالأبرص!
أما المحور الأول (العلم): فالسؤال والإشكال يرد عليه ويعود إليه، والعار يطاله ويلحق به، قبل غيره ومعه وبعده!.. فأين دروس سيده؟ أين بحوثه الفقهية والأصولية؟ وأين شواهد تحصيله العلمي وتقريراته لما تلقّاه من أساتذته ومشايخه؟ وأين شهاداته وتزكياته (غير التي انتزعت بالترغيب والترهيب)؟ هل يستطيع أن يدلنا على عالِم واحد تلمّذ على سيده وتلقى علومه عنه؟ وكم دورة “بحث خارج” أنهى حتى الآن وأتم؟ ومتى فرغ من الاستدلال على مسائل الفقه وفروعه من الطهارة إلى الديات؟ وأين كتب رسالته العمَلية، وسطر حاشيته على “العروة”؟… الحقيقة المرّة أن لا رسالة عمَلية في البين، ولا بحث فوق السطح، ولا تلاميذ في الحلقة والفصل!
أما المحور الثاني: فعمدة دليله التسهيلات التي يتلقاها الحزب، والفرَص التي تتاح لأتباعه في بلاد الغرب، ولا سيما بريطانيا!.. وهذا الإشكال أيضاً يرد عليه ويطاله ويعود إليه، قبل غيره ومعه وبعده!
فالرئيس الحالي للمجمع عاش في بريطانيا ومارس نشاطه هناك ردحاً من حياته مبسوط اليد، قرير العين، آمن السرب! فأسس عام ١٩٩٦م “المركز الإسلامي في إنجلترا”، وأتبع ذلك بتأسيس مراكز في كل من: مانتشستر وبرمنگهام ونيوكاسل، وغلاسكو وغيرها.. وكلها في بريطانيا العظمى، العدو الأخبث للثورة الإسلامية! بل قام الرجل بتأسيس حوزة علمية في لندن (معهد الإمام الحسين للدراسات الإسلامية)! وأسس بعدها كلية العلوم الإسلامية (Islamic College for Advanced Studies). واستمر الشيخ (غير العميل!) في نشاطه الحر، ومضت يده مطلَقة، يصول ويجول كما طاب له وأراد (حتى كان الإقصاء والطرد من بريطانيا جزاء كل مَن يعارضه، ونصيب مَن يزاحمه! صدفة وعفواً، لا إسعافاً ونجدة ودعماً من الـ MI6!)… حتى أسس “جماعة علماء المسلمين في بريطانيا” بالتعاون مع ثلة من المعممين المقيمين في أوروبا. هذا بالإضافة إلى إصدار العديد من المجلات الدينية وبلغات مختلفة (منها: “شؤون إسلامية” و”البلاغ” بالعربية، و”صبا” بالفارسية، و”Discourse” وغيرها بالإنجليزية).
إذا كان إطلاق قناة “فدك” (التي لا نختلف في سفَه القائمين عليها، وغرقهم في التيه والنرجسية، وأنها تفسد وتدمّر أضعاف ما تخدم وتصلح) في بريطانيا دليلاً على العمالة، فماذا نسمي هذه النشاطات والتسهيلات والإمكانيات؟ وعلى أي محمل يجب أن نأخذها؟!
إنني شخصياً مع فتح الحوار والسجال، وإقامة المناظرات والاحتجاجات، بين التيارات الشيعية والمدارس الفكرية والعقائدية المختلفة، وأرى أن ذلك ـ في أقله وأدناه ـ يُتِم الحجة، ويخلق الوعي ويذكي البصيرة، ويقطع الطريق على حركات الإضلال والانقياد الأعمى للتيارات المنحرفة والشخصيات الخاوية، ويعيق ـ بعض الشيء ـ تفشي الحزبية والإمعية، ويحد من هيمنة العقل الجمعي، الذي نرى ونشهد كيف جمّد وأحال إسلاميين “كباراً” (كنّا نعرفهم بالصلاح) إلى التقاعد الذهني، وركنهم جانباً عن جادة التعقل والوعي (وهم في عمر حصاد الخبرة وجني التجربة، وينبغي أن يكونوا في ذروة العطاء والإفادة)، وأزرى بهم، فجعلهم عرائس ودمى متحركة، بدل أن يكونوا قادة وعي، وطلائع نصح وتقويم وإرشاد… وأمقت انتظام الساحة ونزعة “الشمولية” التي تحكم التيارات المختلفة حين تدخل في تحالفات تتواطأ على السكوت عن الحق، وإمضاء الباطل، والركون إلى الظلم والظالمين! ولا سيما في الأداء المنافق الذي يسجل الصفقة باسم الوحدة ومنع الشقاق في البيت الشيعي! فإذا اختل الميزان بعض الشيء ورجحت كفة أحدهم فاستغنى عن الحلف، داس بحذائه على شعاراته، وبال على مقولات الوحدة والوئام بول الأباعر (من الخلف، بعد أن يتجاوزها) ومضى دون استنجاء!
لكن الحوار والمناظرة حالة علمية، ونزعة فكرية يجب أن تخضع لمعايير وضوابط تُجنِّبها الفوضى، وأن تتبع شروط أمن وسلامة تقيها المهالك والمفاسد.. أولها التقيد بأحكام الشرع ومعطيات الأخلاق، فلا افتراء ولا تقوّل ولا قذف، ولا اتهام وإدانة دون دليل وبينة، كما لا بد من فهم طبيعة البيت الشيعي وبُنيته ونزعته الحرة، وهضم التعدد والتنوع والاجتهاد، ومنع التسلط والإكراه والاستبداد، وكذا مراعاة أصول الفن، كالموضوعية، وأدب الحوار… ومن الشروط الفنية: مناسبة العنوان مع الأداء. فكيان أُسس للوحدة وأُوكل به التقريب (كالمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية) لا يصح أن يخوض في هذا الصراع، وليس من شأنه دخول هذه المعركة، ولا سيما بأداء متهتك يرسل التهم جزافاً، ويرمي بها خصمه ويقذفه دون أي ورع واحتياط…
إن لكل عملٍ ووظيفة ما يناسبها من عناوين، ولكل عنوان ودوْر، نمط وأداء يجب أن يتوافق مع رسالته وطبيعة مهمته. فلا يُنتخب ـ على سبيل المثال ـ عنوان واسم “ابن سينا” لمحل جزارة (ملحمة)، واسم “الشيخ المفيد” لمطعم، و”النمرود” لصيدلية، و”صدام” لمدرسة، و”يزيد بن معاوية” لملجأ أيتام! و”دار التقريب” لإثارة نزاع وشقاق وفرقة! ولعلي أتوسع وأكون أكثر طموحاً فأقول: ليس من شأن الجمهورية الإسلامية ولا يليق بها، وهي التي يتطلع إليها الشيعة ككل بنظرة أمل وعشم، أن تنجر إلى نزاعات وصراعات، وتتخندق في جبهات، تنحدر بها وتهوي، تحط من قدرها، وتسيء إلى مقامها، وتنال من مكانتها…
حزب صغير يشاغب.. أشغِلوه بصبيانكم وألهوه بسفهائكم، يكفونكم. أو استميلوه بدَوْر، واخترقوه بمال (كما فعلتم مع غيره)، فأغلبهم للبيع… ولا تجعلوها معركة وفتنة، تولد نتائج عكسية، والشعائر التي حاربتموها طويلاً شاهد ناطق، وما زال يهتف وينادي بأن ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع.
بعض الحكمة يا قوم، فإن: “مَن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا أولوا الألباب”…
———–
🔵 هذه مقالة كانت من جزئين دمجتهما بعد أن تأجل نشر الجزء الأول الأسبوع الماضي الذي وافق أيام الفاطمية، فلا ينشغل المؤمنون عن واجب العزاء بشيء.
التعليقات