طالما عرف الناس ولاية الفقيه على الأمة، ونفوذ المرجعية وسلطتها (على اختلاف سعتها ومداها).. هذه وقفة على الضفة الأخرى، تعرفنا على سلطة الأمة على الفقيه، ودور الناس في تقييم المرجعية سلباً وإيجاباً، حدوثاً وبقاءً…
ترى هل لعامة الناس، من المؤمنين المقلدين، من غير المتخصصين في علوم الشريعة والدين، ولاية أو سلطة على المراجع العظام؟ ما هي طبيعة هذه السلطة، ما هو نطاقها وما هي حدودها؟!
قد يكون السؤال غريباً، والفرضية أو الفكرة مستهجنة بعض الشيء، لفرط غياب أو تغييب الثقافة الدينية الأصيلة عن الساحة، لصالح الحزبية والسياسية… فالتيارات المتبعة لمرجعيات زائفة، تغالي في تعظيم قادتها، وتضخم في شخصياتهم وترفع من مقاماتهم، ما يبلغ بهم الإمامة والعصمة، فينتفي فرض الخطأ، وينعدم احتمال الزلل والشطح، وتلزم طاعة عمياء وانقياد مطلق، وتسليم لا يسمح بسؤال واستفهام، وخضوع لا يفسح لاعتراض واستنكار.
ويقابل هؤلاء ويواجههم “حداثيون” متهتكون، هم في واقعهم علمانيون غير مؤمنين، يتحايلون على الدين باسمه، ويسعون إلى تقويضه من داخله…
وبين إفراط أولئك وتفريط هؤلاء، غاب المفهوم الديني الأصيل، وأصبح يعيش غربة من سطوة الكتلتين، وجور التيارين المنحرفين وعبثهما.
هناك علاقة متبادلة أشبه بعقد بين طرفين، يتضمن التزامات مقابل صلاحيات، وحقوقاً بإزاء واجبات. من هنا فإن الإجابة هي نعم… للعوام سلطة على الفقهاء! ودور في تقييمهم ومحاسبتهم، بل في قيامهم ونهوضهم، ثم في إسقاط مرجعياتهم، وخلعهم عن مقام الافتاء والاقتداء، والزعامة الروحية للأمة!.. وذلك في عدة نطاقات:
الأول: النطاق العقائدي الذي لا تقليد فيه، فلعامة المؤمنين أن يراقبوا العالم والفقيه، فإذا أنكر ضرورياً من الدين كإقامة الحدود، وإخراج الخمس والزكاة، وفرض الحجاب للنساء، على سبيل المثال، وجحَدَ لازماً من لوازم المذهب ومسلّماته كعصمة الأئمة، وراح يتفلسف في فهمها وعرضها بما يخرجه من عقائد الإمامية وقولهم فيها، أو أنكر فضائلهم عليهم السلام وشكك في ظلاماتهم، وحارب شعائر المذهب ومعالمه الأساسية كعزاء سيد الشهداء، وزيارة مراقد الأئمة الأطهار، وما إلى ذلك، بذريعة الحداثة والتطوير في المذهب، والتنزيه والإصلاح في الدين…. فللمؤمنين أن ينكروا عليه ويردعوه، بل يسقطوه عن موقع المرجعية، ويثبتوا عدم جامعيته لشرائطها.
الثاني: تشخيص الموضوعات، والنصح، وإبلاغ الأخبار ورفع التقارير… فلأي مؤمن أن يختلف مع مرجعه في تشخيص الموضوعات، بما فيها ذات الشأن العام الذي يتعلق بالمجتمع والدولة والسياسة (ما خلا حالات حكم الحاكم ونفوذه).. فمعطيات ومتعلقات بناء المواقف في مثل هذه القضايا لا تعود إلى العلوم الدينية حتى يقطع التخصصُ الطريقَ على تدخل العوام، بل ترتكز على أمور وحقائق خارجية، ووقائع معاشة في الحياة، والمرجع، شأنه شأن غيره، يبني الموقف فيها من مجموع ما يصله من أخبار، وتبلغه من معلومات حول هذا الحدث وذاك الشخص، فيتخذ قراره ويحدد رأيه على ضوء ذلك.
فيحكم ـ على سبيل المثال ـ بأن هذه الشعيرة توجب وَهن المذهب، ما يقتضي تحريمها، بناءً على إخبارات كاذبة بلغته، وتقارير مغلوطة رفعت إليه، والحال إن في الشعيرة عزة للمذهب وشوكة للطائفة (أعرف أحد وكلاء هذا “المرجع” يجزم بخطأ هذا التشخيص، ويدين الفتنة التي أحدثها حظر الشعيرة، لكنه يمتنع عن إبلاغ الرجل رأيه، ناهيك بإسداء النصح، “لأنهم سوف يسحقونني، وأكون في خبر كان إن فعلت”، يقول ويبرر!)… وهكذا قد يجيز المرجع شخصاً في قبض الحقوق، أو ينصبه في موقع متقدم في إدارة الأمور الحسبية، كولي على الأيتام، أو ناظر على الأوقاف، أو متصرف في سهم الإمام، وهو فاسق خائن، خفيت ممارساته وسلوكياته التي تسقط عدالته عن المرجع حتى جهل حاله… فحق لعامة المؤمنين إخبار المرجع وإبلاغه، وكشف الحقائق التي تحمله على تغيير رأيه وتصحيح موقفه.
وهذا مما يمارسه المؤمنون فعلاً، ولا سيما وكلاء المراجع، وأنا شخصياً قمت بذلك مراراً، ونقلت إلى عدة منهم وأبلغتهم أخباراً، وصوّرت لهم حقيقة بعض الأوضاع، وقد ترتب الأثر أحياناً ووقع التغيير.
لكنها حالة منتفية ومعدومة في أوساط المرجعيات السياسية والحزبية، فالحزبي يخشى المسؤول الأعلى، ويمتنع عن نقده، ويسعى لاستمالته وكسب وده، حذراً من العقاب التنظيمي، وطمعاً في الترقي الوظيفي. وهناك واقعة اشتهرت وتواتر نقلها في أوساط الطلبة القطيفيين عندما تخطى أحدهم هذا الحاجز، وتجرأ فذهب وحظي (بعد جهد وعناء) بلقاء “مرجعه”، ولكن ما إن بدأ بعرض النقد ونقل الصورة، حتى دخل مدير المكتب وأخذ بتلابيبه، في محضر “المرجع” وعلى مرأىً منه، وجرّه حتى قذف به خارج الغرفة قذفاً… هكذا دفعه دفعاً حتى كاد أن يلقيه ويطرحه، بل يجلد به الأرض! والمدير هذا طويل القامة قوي البنية، معروف بسلوكه العنيف في شبابه، حين كان يقود مجموعة تثير الشغب والفوضى في تجمعات الثوريين من معارضي الشاه في الحوزة! والضحية هزيل نحيف، وقد قهر بالسلطة والسطوة، قبل أن يُغلب على أمره في بدنه وبُنيته!
الثالث: وهو الأخطر في الباب.. مراقبة بقاء التقوى وعدم زوال العدالة في المرجع، وممارسة نظارة دائمة على هذا الشرط… فإذا ظهر عليه ما يبعث الشك والريبة، كالترف والرفاهية في المسكن والمأكل والملبس وعموم المعاش، كان للعامي أن يسأل ويحقق؟! من أين له هذا؟ ولا يكفي انكشاف أن ذلك ليس من الحقوق الشرعية، وأنه يصرف من حُر ماله الذي وصله من إرث مثلاً أو هدية أو غير ذلك.. فالأمر ينتقل إلى تحري حالة: “مخالفاً لهواه”، والنظر في مصداقية: “إذا رأيتم العالم محباً لدنياه فاتهموه على دينكم”، ومدى تحقق وانطباق: “صائناً لنفسه، حافظاً لدينه”..
ولا يقف الأمر عند الصرف المالي والسقوط في هذه الفتنة أو النجاة منها فحسب، فهناك باقي اللذات والآفات والابتلاءات، من حب الجاه وطلب الرئاسة والسعي للشهرة. إن من يتهالك على نشر صوره في المحافل العامة ونصبها في الحسينيات، ويستميت على جذب الأضواء وتصدّر الأخبار، ويجاهد لاقتحام الساحة، والزج بنفسه في أي معترك يجعله في الواجهة، وبأي ثمن، ولو بتشويه المذهب وتشكيك الناس بعقيدتهم… هو ساقط العدالة، وهذا مما يشخصه الناس ويقضون به على العلماء والفقهاء، ويقومون به عبر رقابة ومتابعة تتحرى وتتفحص، ولا تسمح لمنحرف وضال، ولا لملوث بالمطامع الدنيوية، أن يتبوأ هذا المقام الخطير..
ليس لفقيه ومرجع (حقيقي، فكيف بالمدعي المزيف؟) أن يتحصن خلف عنوانه، وهو ملوث بممارسات ظالمة جائرة، فلا تطاله المحاسبة لتسقطه عن الأهلية والاعتبار، حين يزج مظلوماً في حبسه أو يحصره في الإقامة الجبرية، ثم يبقى متمتعاً بعنوان العدالة والنزاهة! كما كانت “الخالصية” تفعل باسم النهي عن المنكر (في أواسط القرن الماضي)، ويفعل من يمضون على خطاها اليوم… وإن كان في بعض ضحايا هؤلاء رأي ونظر حتى التصق بهم ما قذفوا به، فإن في سجونهم ما تضج من ظلامته الأرض وتبكي السماوات! وعلى سبيل المثال، يعرف كل الناس شيخاً من الأعلام، مشهود له بالنزاهة والاستقامة، أودع السجن لخمس سنوات بسبب رأي سياسي طرحه، لم يقترف جنائية ولا ارتكب جريمة، لا مالية ولا أخلاقية… وعندما أسقط في أيدي القوم ودوت أصداء الفضيحة، صدر أمر الإفراج عنه معلَّقاً على اعتذار يقدمه وارسترحام يرفعه لـ “المرجع”، فاستمر حبسه حين أبى كبرياؤه الذل ورفضت عزة نفسه الإذعان، حتى نزل به مرض عضال أقعده وألزمه الفراش حتى الآن!.. هل تبقى “عدالة” هنا لهذا الجائر الآمر بالسجن والتنكيل؟!
المرجعية هي حصن الإسلام وجُنته الواقية وقلعته المنيعة… وقد سنّ الشارع المقدس آلية فعالة للمحافظة على موقعها ودورها، هي: بسط أيدي المؤمنين، وإطلاق دورهم في مراقبة المرجع، ونظارة الناس على قادتهم وزعمائهم الروحيين، أن لا يتلوثوا بالدنيا ولا يزلوا في انحراف وضلال، فإن فعلوا، أُسقطوا وعُزلوا…
التعليقات