عندما حاورت صديقاً موالياً لإيران حول هذا الموضوع، أذعن وأقر بالحجج والأدلة الناهضة به، لكنه نزَّه القيادة عنه، ونفى وجود أوامر منها بهذا الشأن، وأرجع ما عرضته إلى أيدٍ مشبوهة خائنة تعمل داخل الجمهورية ومؤسساتها… (وساق شاهداً من الأخبار التي تُنقل بين فينة وأخرى حول كشف جاسوس روسي يعمل داخل الإدارة الأمريكية منذ عقود، والعكس، عن عميل أمريكي اخترق القيادة الروسية، فلماذا نستبعد وجود عملاء داخل مؤسسات الجمهورية، وهي تعتبر فتية ناشئة بالنسبة إلى تلك العريقة؟) وقال: هناك وصوليون يتحركون لأهدافهم الخاصة، يسترزقون ويعتاشون على إذكاء هذه النزاعات، ويستأكلون بهذا الخطاب (فهم لا يملكون بضاعة غيره، وهو يكفيهم مؤونة الجهاد وأخطاره، ومشقة طلب العلم وعناءه)، يفتعلون الفتن ويخلقون الأزمات في البيت الشيعي، ويشغلون الساحة، فيخلق لهم موقع، وتصبح لهم قيمة، ومن ثم دور لا ينهض به غيرهم، في إدارة هذه الحروب القذرة. وعدّد الرجل أسماء بعضهم، أُرجئ نشرها إلى مناسبة أخرى… وعلى الرغم من السذاجة وحسن النية في طرحه، إلا أن هذا هو ما تمنيته ورجوته، فلا تكون معركتنا ضد جبهة تمتلك القدرة على هدِّ أركان المذهب، وقوة تستطيع تقويض البيت الشيعي من داخله ولا تبالي… ونحن في جبهة الأصالة الشيعية، الذين لم يشربوا الانحراف ولم يكرعوا في نهر الضلال، نتموضع مع الحوزة والمرجعية، ضد تيار الحداثويين الشيعة.. نحن بين أمرين وفي فريقين، الأول ينادي أن: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، وآخر يشمخ صابراً محتسباً: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله… وعلى أية حال دعنا نرجو أن يصدق تحليل صاحبنا، ونتضرع أن يكفي الله المؤمنين القتال.
مرت العلاقة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والمرجعية في النجف الأشرف، بمراحل ثلاث:
الأولى: عندما تولى المرشد الأعلى المرجعية الدينية، حين أعلن في خطاب تاريخي له النزول عند رغبة الجماهير وقبوله التصدي للمرجعية بعد القيادة السياسية، لكن الغريب أنه قسَّم المرجعية تقسيماً وطنياً أو إقليمياً، وهي سابقة في التشيع، وأمر محدَث في فقه الإمامية. والأخطر الأشنع كان في تعليله وطرحه لفلسفة هذا التقسيم وخلفيته، فقد برَّر تصديه للمرجعية خارج إيران دون داخلها، بوجود مَن به الكفاية في الداخل، دون الخارج! ما تضمَّن طعناً سافراً بمراجع النجف الأشرف، وقولاً صريحاً بعدم جامعيتهم للشرائط. وهذا في حقيقة الأمر يرتكز على مبنى ومعتقد يؤمن به الثوريون ويتداولونه في أوساطهم، وهو مبثوث في أدبياتهم، ويلقِّنونه أتباعهم ويحرصون على نشأتهم عليه، بأن المرجع الذي لا يتصدى للشأن السياسي ليس بجامع للشرائط، ولا مستوف ما يؤهله للإفتاء والرجوع إليه بالتقليد (والشأن السياسي عندهم وفي قاموسهم، يعني نصرة الجمهورية والعمل مع الحكومة والانخراط في النظام)، ويعرف أغلب الطلبة والعلماء، وكذا بعض المثقفين، أن كل ما يطرحه تيار إيران في الساحة من عناوين ويرفعه من شعارات تخالف هذه الحقيقة، هو للاستهلاك الإعلامي، واستغفال العوام، وذر الرماد في العيون.
وقد اقترن ذلك بموقف صاعق آخر فجره الشيخ أحمد جنتي إمام جمعة طهران وعضو مجلس خبراء القيادة ورئيس مجلس صيانة الدستور، حين عرَّض بالسيد السيستاني قائلاً بأننا لا نقبل أن تعين البي بي سي من بريطانيا المرجعية الشيعية! ما أحدث امتعاضاً شديداً وسخطاً كبيراً في الحوزات، اضطر الرجل إلى أعلان التوبة والاعتذار.
ومما عقَّد المشهد على الإخوة في إيران، الحنكة والأداء السياسي المبهر الذي ظهر به السيد السيستاني، الذي استطاع بحكمته خلق توازن فريد جمع حفظ دماء الشيعة مع عدم التعاون مع المحتل الأجنبي، وذلك في خضم طعون وقحة كانت تتوجه إليه من النواصب (وأعبر بهذا، لأن الحالة التكفيرية والإرهابية لم تكن قد تبلورت بعد، وكان بعض السذج ينعتونهم بمقاومي الاحتلال ويصفون قتلاهم بالشهداء، ولربما أمدوهم بالدعم!)، وكان أتباع إيران، يجترون مقولات النواصب حول موقف المرجع الأعلى من المقاومة المسلحة، ويأخذون عليه عدم فتواه وحكمه بالجهاد ضد المحتل الأمريكي، كما فعل السيد القائد فور دخول الأمريكان المنطقة لإسقاط صدام وتحرير الكويت (وإن لم ينفذ فتواه ويمتثل أمره حتى كويتي واحد من أتباعه)!
ثم تألق الأداء السياسي للسيستاني في مواقف مفصلية أدهشت العالم وأذهلته، فقد قطع رحلة علاجه وعاد يحمل جراحه ليمنع الاقتتال بين حكومة علاوي والصدريين، وجنَّب النجف والحرم الشريف الدماء والدمار. وكان قد عمد إلى سلسلة مواقف صارمة وحازمة أفضت إلى إرغام المحتل على إلغاء مجلس الحكم المعين، والاستفتاء الشعبي على الدستور، ثم إجراء الانتخابات النيابية، ما أرسى دعائم الدولة الجديدة على نحو مؤسساتي، وهذا ـ في الواقع ـ هو ما طوى صفحة النظام السابق وبدد حظوظه في العودة. وهو أداء تم وتحقق في سنين عجاف من الدمار والخراب والفقر والإرهاب، ما قرن المشهد وأعاد الذكريات إلى عهد السيد الإمام الخميني وأدائه في إرساء نظام الجمهورية الإسلامية بعد سقوط الشاه، على الرغم من الأجواء الملتهبة بالإرهاب ثم الحرب، فتكرر المشهد الإيراني في العراق، وأعاد السيستاني ألق الخميني وجدَّد مجده، وظهر كوارثٍ حقيقي له في الزعامة والقيادة الطبيعية للأمة، ما كشف أن المرجعية موقع يحظى برعاية إلهية وعناية مهدوية، لا تستطيع آلاف الوسائل الإعلامية تحقيقه لمدع، ولا آلاف الجند وعناصر المخابرات انتزاعه من أهله وإضفاءه على منتحل.
المرحلة الثانية: هي مرحلة كمال الحيدري… فما إن تعرض هذا اللكع الدُّون، لحوزة النجف الأشرف ومرجعيتها، في ذلك الشريط الصوتي الشهير، الذي تناول فيه السيد السيستاني والسيد الحكيم بالطعن والتحقير، حتى تلقفته قناة الكوثر واحتضنته، في مشروعه الجديد (بعد الأول الذي بنى له الأرضية الشعبية من خلال محاججة المخالفين)… ومشروع الحيدري غني عن البيان في ضلاله وانحرافه، واستهدافه المرجعية الشيعية وشخص المرجع الأعلى بشكل قذر. ولكن أهم معالم هذا المشروع هو تغيير مناهج التدريس في حوزة النجف والسعي لجعلها تتبع الحكومة الإيرانية، أسوة بقم، وقد شكّل الشيخ الآصفي رقماً صارخاً في هذا الدور، فقد كان رأس الحربة في حمل العروض المفتوحة لأي عالم فاضل (وحتى نصف فاضل!) يرغب في تأسيس مدرسة في حوزة النجف، فيُشترى له أو يستأجر مبنى، وتصرف له ميزانية ورواتب جزيلة بشرط وحيد: أن يلتزم كتب ومناهج ومراحل التدريس المعمول بها في إيران! وكان حتى وفاته يخوض معركة حامية الوطيس على هذا الصعيد، وقد بذل في هذا السبيل الملايين، أنفقها على شراء الذمم والولاءات، ومَن قبض ولم يبع، فقد وَجد مخرجاً شرعياً في عنوان استنقاذ المال، أو غيره من العناوين الشرعية المبيحة، وما ضاع على فقيه مسلك، ولا ضاق مخرج! وهي حرب يعرفها من عايشها وخاضها في النجف الأشرف، من الطلبة والعلماء المخلصين الأحرار، غير المسيسين الحزبيين، وعلى رأسهم زعيم الحوزة السيد السيستاني دام ظله، الذي كان وما زال سداً منيعاً يذود عن الأصالة والاستقلالية التي طالما ميزت حوزة الشيعة ومرجعيتهم.
وقد تواصل دعم إيران ودفاعها المستميت عن الحيدري، حتى سقط في يدها ولم تعد تملك حيلة، حين أخذ يتطاول على أصل المذهب، يزعم أن أكثر تراث الشيعة من حديث وفقه وعقائد مأخوذ من اليهودية والنصرانية والمجوسية! عندها نُحي عن الجانب الرسمي فقط (دون أن يحاكم أو يحاسب ويعاقب)، وأُخلي له في باقي الميادين والساحات، وترك حراً طليقاً، حتى ينهض بوسائل أخرى (لعلها تبلغ قريباً قناة فضائية مخصصة له) تديم مشروعه وتواصل إفساده.
المرحلة الثالثة: هي مرحلة فتوى الجهاد وتشكيل الحشد الشعبي… الموقف الذي رسم السيد السيستاني قائداً سياسياً وزعيما دينياً مطلقاً، إضافة إلى المرجعية الفقهية التي حازها قبل من أعلى أبواب التخصص العلمي، وأرفع درجات التقوى التي طبعته في مسلكه وسيرته، والعدالة المشهودة في معيشته، ولا سيما إعراضه عن الأضواء والشهرة، وزهده في الزعامة والرئاسة، مما غرق فيه غيره حتى هلك وأهلك، ها هي تأتيه طائعة وتلقي إليه القيادة مذعنة.
ولعل المنشور الذي أصدره الشيخ حسن الجواهري مؤخراً حول ولاية الفقيه السيد علي السيستاني وقيادته، يبلور وَجه المعضلة التي صارت فيها إيران، والارتباك الشديد الذي تعيشه على هذا الصعيد، فهي اليوم بين مجاراة هذا المد العظيم، ومسايرة الساحة في توجهاتها الغالبة، والإذعان بالواقع الذي كانت تحذره وتخشاه، وطالما شكل هاجساً مقلقاً لها، وبين السعي لمصادرة الموقع وركوب الموجة، عبر صنع نجوم من ضباط الحرس الثوري المجاهدين الشرفاء، تعزي إليهم الانتصارات والبطولات، وتنسب وقف التمدد التكفيري تجاه بغداد، علَّ ذلك يسرق الأضواء من البطل الحقيقي ويخفف من الاندفاع الشعبي الجارف الذي توج السيستاني مرجعاً دينياً وزعيماً عالمياً للشيعة دون منافس.
ولعمري كم هي مساع ساذجة غبية… وحق لهم، فأنّى للغارقين في وحل الحس والمادة، الملطخة وجوههم بسخام الضلال والانحراف، الملوثين بفساد متجذِّر من فرط الغموض والإبهام، وغياب أدنى مراتب الشفافية والمحاسبة، المنشغلين بجمع الأموال وعقد الصفقات، المتهالكين على بريق الشهرة والظهور، المستميتين على الإمرة والرئاسة… أنى لهم أن يفقهوا: “إلهي إن وضعتني فمن ذا الذي يرفعني، وإن رفعتني فمن ذا الذي يضعني”؟ وأن الأمر في الرفعة والشأن والمكانة بين الناس والمحبة في قلوب المؤمنين، إلهيٌّ يخضع لمصالح يقدرها عالم الغيب والخفيات؟
يحسبون أنهم يملكون رفع من يشاؤون وخفض وحطَّ مَن يريدون! ولو اجتمع معهم أضعافهم من الجن والإنس، ولجأوا إلى الأخس الأدنى من أساليبهم الفعلية، ليُسقطوا من أعين الناس مَن يريد الله له العزة والرفعة ما استطاعوا، أو ليُـعِـزّوا من كتب الله عليه الخِزي والهوان ما تمكنوا.. أنه، أيها الضائعون التائهون، أمر إلهي و تدبير رباني، يُعجِز كيد السحرة، وستراهم عن قريب وقد غلبوا وانقلبوا صاغرين، والقوا ساجدين، وما كيد فرعون إلا في تباب.
وبعد، فإن صراع الخير والشر باق لا ينقضي، وهي حرب محتدمة متواصلة لا تنتهي، حتى يرث الله الأرض ومَن عليها… ولكن هناك محطات حسم ومواقع تتدخل فيها الإرادة الإلهية لتنجي الحق وتنصر حمَلَته، وتقوِّم مسيرة البشرية لتوجهها نحو اليوم الموعود، وتوقف التداعي المهلك الذي ينذر باستيلاء الباطل ومحق الحق وزواله.
والسؤال الذي لا أجد له جواباً: ترى، ألا يخشى القوم أن يكونوا أمام محطة قادمة من نقمة تنتظرهم إن لم يرعووا؟! فهذا الحجم المهول من الطغيان والتجبر، مقترناً بهذا الحد الفضيع من المكر والكيد والدجل والزيف: تباك على حرمة العلماء وهم أول وأكثر من يهتكها، تبجح بالدفاع عن المرجعية وهم يجاهدون ويناضلون لتقويضها، تداع للوحدة ونبذ الفرقة، وهم يستميتون في تأجيجها!.. يأذن أن يفتح عليهم أبواب المكر الإلهي، ويستدعي نزول غضب الجبار ونقمته.
فسنن التاريخ التي خلق الله الحياة عليها لا تتخلف، وإن أبطأت طوراً وأمهلت حيناً، لكنها قادمة ومتحققة لا محالة… إن مناصبة المعارف الدينية الحقة، وهتك المرجعية الأصلية بهذا الشكل الجذري الخطير والسعة العرضية العامة الشاملة، والعمل على تقويضها بهدم مباني الاستنباط وإلغاء أسسه، وتشويهها بدس نماذج مزيفة، زوَّروا لها الشهادات وخلقوا التزكيات، حتى ضاعت المعايير وتداخلت وما عاد الناس يميزون ويفرقون، ثم الكيد والمكر بأخبث الأساليب وأدهى الحيل، وما يزين هذا الباطل ويلبسه لباس الدين ورداء الحق، مستعينين بترغيب المال والجاه والشهرة، وترهيب القمع والتسقيط والسلطة… يفتح الباب على تدخل الغيب ويشرع لدور المعجزة، وينذر بحلول السخط ونزول الغضب.
إنني أوجه خطابي ونصيحتي لذوي الآذان الواعية عسى أن تعيها، كما أُتم الحجة على أهل الرين من المتاجرين المتكسبين: فروا عن هذا الباطل، واخرجوا من منظومة الجور واتركوا مدرسة الضلال… فعما قريب سيكون النكال، ولات حين مناص.
ولتعرفن خلائقاً مشمولة * ولتندمن ولات ساعة مندم
التعليقات