“علي فوق الشبهات”؟!… أ لِعلي يقال هذا يا أكرف؟
أ لِأميرالمؤمنين وقوام الدين وميزان العدل ومنبع الصواب، الذي به يميَّز الحق من الباطل، والشريعة من البدعة، واليقين من الشبهة، يقال هذا يا هذا؟! وإذا كان سلام الله عليه قد عبر في واحدة من مناسبات صراعه المرير مع الباطل بأن الدهر أنزله حتى قيل فلان وعلي، وهدرت شقشقة وارتفعت صرخة ولوعة صكت سمع الملكوت أن صار يقرن إلى تلك النظائر… فماذا عساه أن يقول في “حكم براءة” أصدره حزب منحرف، وشهادة “حسن سير وسلوك” أصدرها بحقِّه منشد أخرق؟!.. ألا قرت العين وطاب الرقاد، فعليٌّ عندهم فوق الشبهات!
ولعمري، من أي التهم برَّأُوا علياً وعن أيها نزَّهوه؟ من التكفير وعنه! أيحتاج مرتكز الإيمان ومحوره، وجوهر الدين وكنهه، لشهادة هذه الأضراب؟ أيفتقر أصل الإسلام وفرعه، وفيصل الحق ومحكِّه، إلى تزكية من هذه الأخلاط والأخناف؟ وهو عنوان القضية وأساسها، وأصل الأمر وصاحبه؟ أيسأل عن الكفر مَن الإيمان حبه والكفر بغضه؟ أيعتري الريب في مَن “المتقدم عنه مارق والمتأخر عنه زاهق واللازم له لاحق”؟
بالله كيف يربي هذا الحزب أتباعه، وبماذا يغذي أعضاءه، وعلى أي المعارف ينشئ أبناءه؟ إلى أي المدارس الفكرية والعقائدية ينتمي هؤلاء؟ ومن أي العلوم يستقون ما يسمح لهم بهذا الهراء؟ وأي الأيديولوجيات والمدارس يتبعون، ولأي المذاهب ينتسبون؟ كيف تهدر القيم وتضيع المعايير وتغيب الأخلاق حتى تخفى أوليات مخاطبة الإمام المعصوم وآداب التعبير عنه في محاورات القوم وثقافتهم؟ فيقحم شاعرهم، يتبعه منشدهم، أعلى حمى الدين، ويهتك أمنع مواقع الخفر في المذهب، ولا يبالي… ألا فليندب النادبون: بأبي من عقيد عز لا يسامى، وأثيل مجد لا يجازى، وتلاد نعم لا تضاهى، ونصيف شرف لا يساوى.
كيف يتجرأ شيعي يزعم العلم والأدب فيفُوه بهذه التعابير عن أميرالمؤمنين ويعسوب الدين؟ وهو يتلو الجامعة الكبيرة، ويزور بأمين الله، ويقرأ: “صاحب السوابق والمناقب، فارس المؤمنين وليث الموحدين، قاتل المشركين ووصي رسول ربِّ العالمين، مَن أيَّده الله بجبرائيل وأعانه بميكائيل، عين الله الناظره ويده الباسطة وأُذنه الواعية وحكمته البالغة ونعمته السابغة ونقمته الدامغة، شجرة طوبى وسدرة المنتهى، حبل الله المتين وجنبه المكين، أخي الرسول وزوج البتول وسيف الله المسلول، صاحب الدَّلالات والآيات الباهرات والمعجزات القاهرات”؟
وإنما بدأت بهذا وقدَّمته استطراداً من سياق وتفريعاً على أصل، وها أنا أعود إلى مكمن المصيبة وقلب الرزية، وأبكي موضع الثلمة ومحل الداء.. فأتوقف هنا وأستدرك، وأعرض فاجعة أعظم وخطباً أفظع ألـمَّ بالقوم ونزل، وأحاط بهم واستحوذ عليهم، حتى صفعوا به ـ من سفَهٍ ـ الدين، ولدموا ـ من ضلال ـ المذهب، بل شجُّوا ـ من تعاسة ـ رأسه، وفلقوا ـ من شقاء ـ هامته!
فاللطمية الرثة المهلهلة، التي يبدو أن شاعرها أكدى وأُرتِج عليه، فأضاع الوجدان وعُدِم الإنصاف، كما أزرى بالذوق وفقد الإحساس، وهو يلبسها أسمالاً بالية ويقدمها شبه عارية… تريد ـ وهي على هذه الحال ـ أن تعيد صياغة أُصول الدين وفروع المذهب، وتُؤسس لهدم البراءة وإلغاء اللعن (من رأسه، ما كأن نزل به قرآن، ولا تواتر حديث)، وتجول وتتنقل بقريحة نكدة وخاطر صلد، بين أحداث تاريخية (مدَّعاة ومفتراة)، تغزل أنكاثاً وتنسج وَهياً وتحوك نقضاً، بوتيرة وطور نشاز ولحن يسقم المزاج، لتنتزع فكرة وتستنبط مفهوماً تنسبه إلى الدين وتدرجه زوراً في شريعة سيد المرسلين، ينفي العداوة ويقتلع البراءة من جذرها، ويقرر في واقعه مقولة: “معاوية رضي الله عنه قتل حجراً رضي الله عنه لأنه يوالي علياً رضي الله عنه”! ويمضي في كذب وتدليس، أين منه كيد إبليس!
أعليٌّ يذود عن الباطل ويقتدي في صلاته بالفاجر؟!… أ لِعلي ينسب هذا وبه يُـلصق يا أكرف؟
أما كفاكم ما وقع في الأمة من مآس وفجائع، وحروب باسم قتل عثمان والمطالبة بدمه، حتى افتريتم واخترعتم وجهاً جديداً للفتنة؟ فزعمتم قتَـلَة جدد لعثمان هم عمومته وصهره من بني مروان؟ ما لم يسبقكم إليه أربعة عشر قرناً من الافتراء!
ولست أدري أ تلك الوقاحة هي أخطر ما في القصيدة أم هذا التدليس العقائدي؟
ولا يكاد ينقضي العجب من إصرار القوم على اللطم الموسيقي! واللطم مظهر تلقائي لحالة الجزع التي يعيشها الانسان، وطور متقدم للحزن الذي يبدأ بالتجهم، ثم البكاء، فإذا بلغ مداه انعكس لطماً وخمشاً للوجوه وشقاً للجيوب، وقد دخل مفردة ثابتة في الشعائر، وصار أداؤه الجماعي (المصاحب للمراثي والندبيات) من أبرز عناوين وطقوس العزاء الحسيني… والقوم قلبوه ووظّفوه ضابط إيقاع لأُنشودة سياسية، واستخدموه منظِّم وتيرة ولحن لإلقاء قصيدة تجارية! فهل من ثمرة وعاقبة لهذا الأداء غير تشويه الشعيرة؟ تراهم يلطمون على محتوى سياسي كإدانة الإرهاب ونصرة فلسطين، أو أخلاقي تربوي كالحث على الحجاب وتقبيح ارتداء الأزياء الخليعة وصرعات تسريح الشعر الغربية.. بالله هل هذا مما يلطم عليه ويجزع؟! وكان من دأب الرواديد الحسينيين الأصيلين (أمثال المرحوم حمزة صغير وملا وطن النجفي) وسيرتهم أن يمتنعوا عن اللطم إذا أنشدوا نصاً في المديح، أو ألقوا قصيدة تعالج قضية اجتماعية وأخلاقية… فينأون بشعيرة اللطم عن هذا الإسفاف، وينزهونها من السماجة والتحايل في الأداء.
لكن القوم أبناء حزب الدعوة الذي نشأ وترعرع على عداء الشعائر الحسينية، وجعل حربها قضيته الأولى، واتخذها هدفاً ومغرماً في مكافحة ما يعتبره تخلفاً ورجعية في الوسط الشيعي التقليدي، ومن أدهى المكائد في صراع الأفكار وحرب العقائد، التلبس بزي حمَلَتها، ثم تشويهها والإساءة إليها (كما فعلوا بالمرجعية عبر الأدعياء)!
إن من يعجز عن إدراك كنه المذهب وجوهر الدين وعمق الولاء، ويخلط في فهم أحداث ترقى إلى البديهة في تلقي الشيعة وتسالمهم جيلاً بعد جيل، ويخفى عليه المراد الجدي من فعل المعصوم ومواقفه مع أعدائه وغاصبي حقه (إن قلنا بوقوعها تنزلاً وجدلاً)، وهو يزعم الوعي والحركية السياسية، بل ويمارس البراغماتية ويعيشها بأقبح صورها!؟ وكذا من لا يحسن التعبير عن أميرالمؤمنين وينزله منزلة غيره من سائر الناس… لا يجوز أن يرفد الساحة ويقود حراكها الثقافي والأدبي، ولا أن يتصدى لأي موقع وشأن تربوي يطرح المفاهيم الدينية ويغرسها في الشباب.
ولن أتجنى إن قلت: ألا شاهت الوجوه وكلحت… أهذا عطاء البحرين، بلد المعاناة والصمود، والتضحيات والإباء؟! وقد كانت يوماً معقل الولاء وفخر شعائر العزاء وثاني كربلاء؟!
ألا خاب السعي وتربت الأيدي وخسرت الصفقة… وفي أمثلة العرب: أوقح من بغِي، وهو يضرب لمن خلع الحياء وبلغ الغاية في الصلافة والوقاحة. فحتى يقدم أحد على إلقاء هذا القول المنكر في ولي الله الأعظم، واجتراح هذا الإفك على المذهب الحق، ينبغي أن يكون من الوقاحة في النهاية، وإلا فهو الجهل المستحكم والخواء المطبق.
وبعد، كونوا أشياع من شئتم وأنصار من ارتضيتم، انهضوا باحتجاجهم وقاتلوا تحت راياتهم، فسنعلم وتعلمون، وارتقبوا إنا مرتقبون… انتفضوا للآصفي، وابكوا حزب الدعوة، نافحوا عن فضل الله، واحتضنوا الحيدري، فما هو إلا فحيح الأفاعي، وسحر النفاثات في العقد، لن يلبث أن ينقلب عليكم، وإن رجالاً من الإنس استعاذوا برجال من الجن فما زادوهم إلا رهقاً.
أما نحن فشيعة علي، ننتفض إذا مُسَّ إمامنا أو انتُقِص، وننهض إذا دهم مذهبنا ما يشينه ويريبه، لا نوالي إلا آل محمد، نغضب وننتصر لهم، ولا نستقي ديننا من غيرهم، لا من دول وحكومات، ولا تحدد مواقفنا أحزاب ومنظمات.
تُب يا أكرف إلى الله، واجعل صوتك وحنجرتك وقفاً على آل محمد وحكراً على سيد الشهداء، اخرج من هذا الوسط الموبوء، لا تخف إرهابهم ولا تخش حصارهم، لا تكترث بإغراءاتهم، ولا تبال بقطع إمداداتهم، ولا تركن إلى تسويل شيطانهم، وسترى إعزاز الله وبركة الحسين، كيف ستغنيك عن كل حاجة، وتكفيك كل شر، وتدفع عنك كل سوء وكيد وبلاء.
اللهم اجعلني وجيهاً عندك بالحسين عليه السلام.
التعليقات