في سلسلة محاضرات قيمة، هي آخر عطاء السيد محمد باقر الصدر رحمه الله قبل استشهاده، تناول فيها السنن التاريخية في القرآن كمورد للتفسير الموضوعي للقرآن الكريم… عرض هناك إلى وجود حشرَين وحسابين في المعاد، أحدهما فردي والآخر جماعي! وهو سبق فكري، والتفاتة أو انتزاع مبتكر، بالنسبة إلى مطالعاتي وتتبعي، فلم أقع على الفكرة من غيره. نعم، ذكرها المفسرون في مواردها القرآنية، كقوله تعالى: “كل أمة تدعى إلى كتابها”، فقال العلامة الطباطبائي فيها: “ويستفاد من ظاهر الآية أن لكل أمة كتاباً خاصاً بهم كما أن لكل إنسان كتاباً خاصاً به”… لكنه وغيره من المفسرين، لم يطيلوا الوقفة هنا، ولم يأسسوا لمفهوم وفكرة، وكنت ممن تلقى المحاضرات سماعاً عن أشرطة مسجَّلة، قبل أن تجمع وتطبع في كتاب سموه “المدرسة القرآنية”. وعلى الرغم من أنني كنت في عنفوان الشباب، وفورة النشاط الحركي والثوري، إلا أن ذلك لم يحل دون وقفة عميقة، وتفكر وتأمل، جاء من أُنسي بالمطالعة وولعي بها، مما نفتقده في هذا الجيل من المؤمنين الحركيين، الذين أنسوا بالصحف عن الكتب، والتهوا بالمجلات عن الدراسات، وانشغلوا بالنشرات الحزبية الضحلة عن المصادر والمراجع والموسوعات! ولعمري، فهي تربية القيادات الجاهلة والزعامات الخاوية والأحزاب الهزيلة، وهذا هو نتاج البعد عن الحوزة والتعرّب عن الحواضر العلمية الأصيلة. وتراهم اليوم لا يطيقون قراءة أكثر من فقرة من جملتين لا تتجاوز حروفها السبعين! فهذا عطاء تويتر، وتبعات الغرق في فيسبوك، حتى تجد الكتاب يسقط من يدي أحدهم، عاجزاً أن يفهم أو يلاحق فكرته ورسالته، فيبقى كما كان: صفر اليدين، ويعود إلى الشطائر واللفائف، بدل الوجبات الغنية والغذاء الذي يسند قوامه ويشيد بنيته!

استوقفني الأمر كثيراً، حيث بلور الشهيد الصدر فكرة الوجود والكيان المجموعي أو الاجتماعي أو الفئوي الذي يجمع أفراداً يلتقون في صلات وعلاقات قائمة على مجموعة من الأفكار والمبادئ المسندة بمجموعة من القوى والقابليات، وأن هذا الجمع الذي يعبِّر عنه القرآن الكريم بالأمة، له أجل، وله حياة وحركة، ثم له حشر وحساب، وهو قوله تعالى “لكلِّ أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون”، و”وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم * ما تسبِقُ من أمة أجَلَها وما يستأخرون”…

هناك حشر فردي، وكتاب وحساب فردي تشير إليه الآية الكريمة: “وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه، ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً”، وهناك حشر جماعي، وكتاب وحساب جماعي يشير إليه قوله تعالى: “وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون * هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون”، إذن هناك استنساخ وتسجيل وتدوين في كتاب، وهذا الكتاب ليس “تاريخ الطبري” (التعبير للشهيد الصدر)، وهو لا يسجل الوقائع الطبيعية، والأحداث الفسيلوجية الفيزيائية، بل يحدِّد ويسجل ما كانت تفعله الأمة كأمة، والمجتمع كمجتمع، والجماعة المتضامنة والفئة المتحازبة، التي تستقي من مشرب ومورد واحد، وتلتقي على فكر وعقيدة ومبدأ مشترك، وتجتمع على موقف وتتحرك تحت راية وتخضع لولاية وقيادة عليا، حركة كتلة وحزب وتيار وجماعة، بصرف النظر عن جزئيات وهامشيات، قد تتخللها متبنيات مختلفة لأحدهم أو لبعض آحاد هذا الجمع، ومذاهب ورؤى متباينة لبعض أفراده، فالملحوظ في الكتاب الجماعي هو سيرة وحركة التيار ككل، وعمل الجماعة ومواقف الفئة، كحزب وفئة، هناك حيث يتنازل الفرد للجماعة، لأي سبب كان، يتخلى عن فكره وعقيدته، وينصاع للمجموع، ويلتحق بالراية ويخضع للولاية.

يقول الشهيد الصدر: هناك إحضاران بين يدي الله سبحانه وتعالى، الإحضار الفردي يأتي فيه كل إنسان فرداً فرداً… وهناك إحضار آخر، إحضار للفرد في وسط الجماعة، إحضار للأمة بين يدي الله، كما يوجد هناك سجلَّان، كذلك يوجد إحضاران. ترى كل أمة جاثية، كل أمة تدعى إلى كتابها.

والسؤال الخطير الذي ينقدح في الذهن حول هذه الفكرة القرآنية: كيف للعدالة الإلهية أن تؤاخذ الإنسان بعمل قومه وجريرة مجتمعه، وتأخذه بجرم لم يقترفه بنفسه، ولا تزر وازرة وزر أُخرى؟ وما يزال المفكر في هذا حتى يأخذه التدبر والتأمل إلى مواقع دقيقة وتفريعات عميقة، يتبين معها أن الأمر يتجاوز التقاعس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسكوت عن الظلم، والركون إلى الظالمين، ما يُدخِل الساكت في نطاقهم وبالتالي الحساب على ملاكهم والاشتراك في ذنبهم. بل يتجاوز حتى مسألة الرضا والموافقة التي تُلحق الراضي بالفاعل، وتُشرك الفرِح بالمباشر!

إن الأمر في الجمع بين الكتابين، ثم الحشرين والحسابين، الفردي والمجموعي، وما ينتظرنا في المعاد، أكثر عمقاً من هذا وأكثر دقة من ذاك…

إن المؤمنين في غالبيتهم، ولا سيما العاملين منهم، تبعٌ منقادون، يفتقدون الاستقلالية، سواء الفكرية أو العمَلية، لا يتمتعون بالقدرة على تكوين الفكرة ورسم الرأي وتشخيص الموقف، ومن يقدر منهم على ذلك، تراه عاجزاً عن تنفيذ رأيه وتطبيق قناعته، فينساق ـ في مقام العمل ـ مع المجموع ويميل إلى إملاءات العقل الجمعي… هكذا ترتسم صورة واقعنا: غالبية تابعة منقادة، وقلة مستقلَّة، وأقل القلة تضع لنفسها نهجاً وتخطَّ درباً، فالعلم في كساد، والوعي في استلاب، فلا علم يسمح بهذا الألق، ولا فكر يعين على هذا التحرر والإبداع، ثم يأتي أوحدي زمانه ونادرة دهره ليكون “أمة” في نفسه، قادراً، بعد الحرية الفكرية، على تنفيذ مشروعه، ورسم نموذج إبراهيمي يحطم الأصنام ويستنقذ أمته من عبادة الأوثان.

الغالبية تتبع القوى الاجتماعية والسياسية الفاعلة في الساحة، سواء سجلت أسماءها وملأت استمارات انتساب، أو لم تفعل، فهم منتمون إلى أحزاب، منخرطون في منظمات، أي أنهم في واقعهم يتبعون رايات، يستقون منها المواقف، ويأخذون الأفكار والمعتقدات، ويكونون ما يتوهمونه “قناعات”.

وصلني بالأمس تسجيل مرئي لأحد الإخوة الكرام الذي عرفته، وعرفته الساحة الإيمانية، نموذجاً للبساطة والبراءة، والشرف والنزاهة، سليل بيت ما زال في خدمة الدين والمذهب، عبر أكثر الأبواب مشروعية وأصالة، وبُعداً في الفكر عن الالتقاط، وفي السلوك عن الاتجار، أي الحوزة العلمية، ثم الخطابة الحسينية وإقامة مجالس عزاء سيد الشهداء. لم يتلوث والده بحزبية ومصالح سياسية، ولم يستأكل بدين أجداده، كما لم يتنازل عن عقيدته ويفسح للطعن في الموروث المقدس الذي تضمخ عبر عشرات القرون بعبق الأصالة، فخُطَّ بمداد العلماء وتعمَّد بدماء الشهداء. هذا هو عطاء هذا البيت الطيب، وهذا هو واقعه وتاريخه. والرجل شبل من ذاك الأسد، وفحل من ذاك الصلب، نشأ على الأصالة والولاء، ولم يعرف في حياته الالتقاطية والتغريب والتهجين والتحديث، وقد أصر والده رحمه الله على عدم إدخاله المدارس العصرية، ليحافظ على تلك الطهارة وذلك النقاء، حتى أنك لِتقرأ ما يخطُّه بيراعه وينقشه بقلمه، عليك أن تستعين بمحلل شيفرات ومفكك ألغاز! رجل تقليدي أصيل في كل شيء، حتى في بساطة معيشته وروحيته وأخلاقه…

ترى ما الذي أودى بمثل هذا المسكين لينصر ــ وهو في أواخر عمره ــ الضال المضل؟ من أين جاءه الشيطان وأغواه ليسقطه في قعر الضلال ويلحقه بمعسكر الإضلال؟… إنها تبعات الانتساب إلى تيار، لوازم الحزبية والانخراط في جماعة، والعمل تحت راية!

وقد يتوهم هو أو غيره، بأنه استدرك وقدَّم بأنه يعتقد بظلامة الزهراء وكسر ضلعها وإسقاط جنينها (فكأنه نجى في كتابه الفردي)، لكنه عاد وانتصر للضال المضل واحتال، وعمد إلى الكذب والتزوير ليدافع عن منكِر ظلامة الزهراء وجاحد فضائلها! لقد كذب، وهو يعلم أنه كاذب، حين عدَّ السيد السيستاني مرجعاً أعلى، بينما هو يطعن به في مجالسه الخاصة ولا يبقي له بقية! ودلَّس حين استشهد بموقفه، ونسب إليه الحياد في قضية الزهراء، وهو يعلم حقيقة رأيه وفلسفة سكوته! تدثر بالحرص على وحدة الساحة وتجنيبها المهاترات، وهو يعلم في قرارة نفسه أن باعثه على هذا الخطاب ليس ما ادَّعاه، كيف وهو الذي أودى بالساحة ومزَّقها شر ممزق وجعلها أضحوكة المخالفين ومحل تندر غير المتدينين في قضية سيادة آل النمر!

سقط المسكين في كتابه الجماعي وسيخزى في حشره مع هذه المجموعة الملعونة… نفث الشيطان على لسانه، فألحقه بفضل الله والراضي وقصير والحيدري والسلمان والمالكي واليعقوبي، والمتردية والنطيحة، وما عفَّ السبُع عن نتن جيفته ولفظته الضباع حذر سمومه! أقرَّ بذلك أم أنكره، رضي به أم أباه.

وفكرة الكتاب والحشر والعقاب الجماعي (التي طرحها الشهيد الصدر) وملازمتها العدالة الإلهية تتجلى هنا، فهؤلاء، المنخرطون في الجماعات والمنتسبون للتيارات، سوف يسقطون، إن عاجلاً أو آجلاً في حفرة الراية التي يحفون بها ويعدون خلفها ويطفرون تحتها، سوف يتبنون نفس الأفكار وينخرطون في نفس الجبهات التي يدفعهم إليها صاحب الراية. لن يكتفوا بالرضا القلبي وتبعة السكوت عن الباطل والإغضاء عن الفساد، حتى يدخلوا فيه، يلبسهم ويتقمصهم، فيتبنونه وينادون به… سوف تنعدم الغيرة والحمية فيهم، وتزول العزة والكرامة، ويسقط الشرف وتضيع النزاهة، سوف يتحولون إلى عبيد خانعين، يفتقدون رجولة النقد وفروسية الاعتراض وشيمة الحرية وطبع الأحرار، وسوف يتهاونون في المقدسات التي يهتز لها العرش، ولا يبالون بالعظائم التي تندك لهولها الجبال، ولا يكترثون بالحق والصدق، والقيم والمبادئ، ويستخفون بعلة الإيجاد، الذين ما خلق الله العوالم إلا لهم وفي محبتهم، ثم يقيمون الدنيا على كلمة مسَّت زعيمهم، ويملؤون الساحة صخباً وضجيجاً على أمر حقير تافه… هكذا يرتسم الشقاء، ويستحق القوم الجزاء.

إنه أمر في غاية الأهمية ومنتهى الخطورة، أن نعرف ونتثبت ونحسن اختيار الجماعة التي ننتسب إليها، التيار الذي نحسب عليه، الحزب الذي ننتمي إليه، المرجع الذي نقلده، المسجد الذي نصلي فيه، الحسينية التي نعزي فيها، الصندوق الخيري الذي نساهم فيه، الأصحاب الذين نعاشرهم… والبلاء والطامة أن أغلب الناس يحسبون أنهم مستقلون، لا ينتسبون إلى تيارات ولا يتحزبون في جماعات، والحال إنهم غارقون في الانتماء، منغمسون في الاتباع، مندفعون في الولاء، ينصرون الباطل، ويدافعون عن الضلال، ويجرحون قلب إمام الزمان وهم يصطفون في جبهة غاصبي حقه ومنتحلي نيابته، وأدعياء ولايته!

والساحة، على سعتها وهرج منابرها، لا تسمح بكلمة صواب تسدِّد، ولا تطيق قولة حق ترشِد، أو صعقة تُحيي، وصفعة توقِظ، وصيحة تنبِّـه… فيمضي القوم في غيهم، ويرتكسون في ضلالهم، حتى يسقطوا في هذه الحفرة الشيطانية، لا يعون المأساة التي يعيشون إلا عندما تأتي سكرة الموت، وهناك لا جدال ولا مراء، تبلى السرائر وتنطق بأنهم كانوا يعرفون الحقيقة في شروط الانقياد والاتباع، وبطلان الشهدات، وأنهم كانوا يدلسون وما زالوا يزيفون، حتى تلبسهم الباطل وانخرطوا في الضلال. وينشر أمام كل منهم كتاب جماعته وما سجل فيه الرقيب العتيد، فينادي: وما شأني أنا حتى أؤاخذ وأُحاسب؟! فإذا تمت الحجة، يعقبها بحسرة: يا ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً…

Posted in

التعليقات