لا أخال منصفاً يقرأ أدعية الجوشن الكبير وأبي حمزة الثمالي والبهاء والمناجاة الخمس عشرة وتسبيحات السحَر وغيرها من تحف وكنوز مبذولة في “مفاتيح الجنان”، أو يعيش آفاق إحياء ليالي القدر في مساجد الشيعة، ويطَّلع على أجواء محافلهم العطرة بالذكر، المفعمة بنشوة الأنس، العبقة بروعة العشق، الممتزجة برقَّة الدمع ورهافة الحس… ثم لا يقر ويذعن بسمو مراتب التوحيد عندهم، ورُقيّ التنزيه، وكمال نفي التشبيه والتعطيل في عقيدتهم، وعظمة المعارف الإلهية وألقها في مدرستهم، وتفوّقهم في ذلك على جميع الفرق والمذاهب الإسلامية، ناهيك بباقي الملل والنحل، التي تحسدهم على هذه الجواهر، وتتحسر على خلو تراثها من هكذا ودائع خلَّفها لنا أئمتنا صلوات الله عليهم، بينا هم في جدب وإملاق، وقحط وإفلاس، يتمنون عشر معشار ما لدينا، فلا يجدون.
إن بعض التأمل في فقرات مختلف أدعية “مفاتيح الجنان”، هذا السفر النـفيس الذي التزم مؤلفه رحمه الله أن لا يسطر فيه إلَّا ما عمل به وطبَّقه بنفسه، فلم يقل ما لم يفعل، ولا أمر بما لم يأت… يكفي لمعرفة مدى سخف وبطلان الدعاوى التي تقذف الشيعة بالشرك وترميهم بالغلو، ويكشف كم هي مقولة ظالمة ونسبة نكراء وفرية وبهتان عظيم. ولا أريد أتباع الفرق الأخرى المخالفة والمعادية لأهل البيت وشيعتهم، فهؤلاء لهم أسبابهم التي لا يخفونها ومقاصدهم التي لا ينكرونها، فلا عجب، بل أريد المنتسبين لنا والمنتحلين هويتنا. من أضراب فضل الله وتلميذه الوقح، والحيدري وربيبه السمج… هذا يهزأ بالحديث عن أستاذ يرى كلَّ أو جُل تراثنا إسرائيليات، وذاك يهذي اقتداءً بخبط معلِّم لا “يعقل” الروايات؟!
إن الآلية المعتمدة، والفن والصناعة المعمول بها في الأخذ بأحاديث الدعاء واعتبار نصوص المزار، وكذا أغلب المستحبات، تعدُّ أقل تشدداً وصرامة من تلك المعمول بها في الفقه والعقيدة، ما يعني بمفهوم الموافقة وقياس الأولوية، سقوط الأولى من رأسها عند مَن ينفي الثانية ويُسقطها، وهي التي اعتمدت وصارت معتبرة بشرائط أكثر تشدداً وضوابط أكثر صرامة، لذا لا شيء معتبر عندهم من “مفاتيح الجنان”، وكل ما في هذا الكتاب روايات غلاة موضوعة، وإسرائيليات مدسوسة، وأحاديث “صفوية”، وتأليفات رجعية، وجعليات “منعنديَّة”! إذ لا مناص من الالتزام باللوازم ولا مفر من النزول على التبعات.. فلا يمكنك أن تنادي بأمر وترفع الصوت بدعوى، ثم تقفز على نتائجها وتتبرأ مما يترتب عليها، بحجة عدم القصد والإرادة، وذريعة توجّه العناية إلى غيرها بالخصوص. كمن يريد إخراج أو طرد شخص من قاعة، فينظر إليه ويرى أنه يرتدي عباءة صفراء، فيأمر بخروج كل من يرتدي عباءة صفراء، فيخرج المقصود ويتحقق المراد، ولكن يخرج معه كثيرون غيره، يرتدون ما يرتدي، يشملهم الأمر ويلحقهم الحكم، وإن لم يكن الآمر يريدهم، وما كان المخرج الطارد يقصدهم (فرضاً)! إنهم يريدون نفي وإبطال أحاديث الولاية، وجحد فضائل الأئمة، وإسقاط مناقب آل محمد، ولكنهم يسقطون ـ في طريقهم ـ أحاديث ونصوص الأدعية أيضاً، فالشيخ عباس القمي انطلق من أسس علمية ثابتة ومقررة في علم الحديث والأسانيد والرجال والجرح والتعديل، أفضت إلى مبان وأصول وقواعد سمحت له وأفسحت لقبول واعتبار دعاء أبي حمزة الثمالي، ونفس تلك المباني والأصول والقواعد تلزمه بقبول واعتبار زيارة عاشوراء والجامعة الكبيرة ودعاء التوسل… وكما يقال في التعبير العصري: “إنها سلَّة واحدة، خذها أو دعها”، إنه مبنى وقاعدة تفضي إلى نتيجة وثمرة. هذا إذا أرادوا البناء وفق قواعد ومبادئ وأصول علمية، لا الانطلاق من مزاجية وذوقية وشخصانية تستبعد أمراً وتستحسن آخر، حسب ما يروق لها ويطيب، فترحب بما تريد وتذعن لما تهوى، ثم تنفي ما تكره، وترفض ما تشمئز منه و تزهد فيه، لا لشيء يفرضه قانون ويلزم من قاعدة، بل لأهواء تلبس لباس الفكر، ثم يطلق على هذا التفكير السقيم: “عقل”.. فلا “يتعقّله” الأنوَك، فيطرحه، هكذا!
فانظر أين ستنتهي بنا الأسس التي يسعى هذا النهج اللقيط، نهج العصرنة والحداثة البتراء، لإرسائها، ويعمل على تحكيمها في تراثنا، ومم سيحرمنا بعد أن ينسف أحاديث، هي نفائس ودرر وكنوز وثروة، تشكل المادة الأساسية والعنصر الأول والأخطر في بناء وتكوين معارف الدين؟ ثم الباب والسبيل الأعظم لمناجاة الله تعالى ومخاطبته، الذي يعبر عنه بـ “القرآن الصاعد”؟
إنه نهج يريد مراقد أئمتنا مقابر متربة، لا يطيق الزائر أن يمكث فيها لدقائق حتى ينصرف عازماً على عدم العود.. بحجة أن هناك عجوزاً ـ كما يزعم ويتباكى ـ لا تستطيع أن تقيم عودها من فرط الجوع، هي أولى بالأموال التي تصرف على تشييد العتبات المقدسة وتزيينها وتذهيبها، وتبذل لرفادة الزوار وتهيئة الأجواء الأنسب لأدائهم مناسكهم؟ والمفارقة أن هذا الفاجر، شهد وأدرك حتى علم باليقين، ووقف بالحس والدليل حتى رفع اليمين، على النهب والإثراء، والترف والبطر الذي عاشه معلِّمه الهالك، وأورثه أولاده وأصهاره وأعوانه من بعده، واطَّلع عن قرب على حجم التركة المالية والعقارية التي خلَّفها، والإمبراطورية القارونية التي غدت رقماً في السوق يضارب وينافس أعظم رأسماليي المنطقة، بينما المتسولون على أبواب مبراته وجمعياته، يمدون أيدي الاستجداء ويلوون أعناق الاستعطاف، يلتمسون الكفاف من التعليم والطبابة والإعاشة، فلا ينالون شيئاً إلا بالإذلال، وبعد ارتهانهم عبيداً يسخَّرون للدعاية والإعلان، وتحويلهم أبواقاً تحمد الهالك وتمجده. فإذا تجاوزنا هذه الحالة الفردية ونظرنا في العطاء العام لهذا التيار وما قدمته مدرسة الحركية الإسلامية، ومنهج الحداثة والعصرنة، فالعراق ببابك، والفساد المالي الذي مارسه قادة حزب الدعوة، والأموال التي سرقوها من حقوق الشعب الفقير في شهر واحد تعادل كلفة بناء وتذهيب جميع قباب المراقد وأبنية العتبات المقدسة في العالم، وما سطوا عليه وانتهبوه منذ أن وصلوا الحكم وتسلَّطوا على البلاد، يعادل مجموع الأخماس والحقوق الشرعية التي وصلت الحوزات العلمية والمرجعيات الشيعية منذ عصر الشيخ الطوسي إلى يومنا هذا آلاف المرات!
لو علم هذا الغريب عن ديننا، الأجنبي عن مذهبنا، المتطفل على فقهنا وعقائدنا، أن الفقراء هم أكثر الباذلين على تشييد المراقد والعتبات المقدسة، وأن غاية رجاء أحدهم وأقصى مناه أن يغنيه الله ويغدق عليه بثروة تتيح له المساهمة في هذا الخطير… لخرَس وبكُم. ولو عاش الحقائق الإلهية مرَّة وتلمَّس الروحانية لحظة، لانكشفت له قيمة المال مقابل الدين، وعرف الحاجة إلى تشييد معالم وبناء مواقع ومحطات ترشد الناس إليه، وإقامة صروح وعمارة بيوت تجمع الناس حول أئمته، وتجتذبهم إلى ما بعد الحجر وما يلي الجدار ويتعدى البناء ويتجاوز الزينة، وعرف البخس في المقارنة… لصمُت وأبلَم. ولو تدبر في مشهد نحو مليوني هدي تذبح في منى وتنحر ثم تلقى تحت الأقدام في كل عام، والمسلمون في أفريقيا (أو في بيروت كما أدعى) يقاسون المجاعات، في أداء يراه الجهول من أمثاله هدراً وإتلافاً وإسرافاً قل نظيره، وهو منسك إبراهيمي حنيفي محمدي إلهي واجب… لكفاه في وصول رسالة عن قيمة المال وخطبه، وبلاغ عن خطر الغرائز ومحل الشهوات والرغبات في عالم يهدف بناء الأرواح، ورسالة ما جاءت إلا لإعمار القلوب وسمو الأنفس. وكذا لو تأمل في سيرة الأئمة الأطهار، حين يبذل أحدهم أربعة آلاف دينار (ذهب) لشاعر مدحه ونشر فضائله، أو حتى عشرة آلاف لسائل واحد، وهو مبلغ يمكنه أن يعالج مشكلة مئات غيره، ويخرجهم من فقرهم… لعرف أن الدين والعقيدة والإمامة والولاية أهم وأولى وأخطر من المال والطعام والماديات الغارق فيها والمعقد منها. ولو تأمل هذا الجاحد، وتدبر ذاك المعترض، وأحسن الناقد النظر، لرأى أن مقولة “كاد الفقر أن يكون كفراً”، و”لو تمثل لي الفقر رجلاً لقتلته”، تتوجه إلى معلِّمهم الأول الضال المضل، وورثته وبطانته من الوصوليين المستأكلين بالدين، البطرين المفسدين المستكبرين… لا المرجعية الأصيلة والعتبات المقدسة التي تحفظ أصل الدين.
إنهم يريدون مذهباً بلا شعائر ولا مزارات، ولا ضرائح ولا مقامات، وديناً بلا أدعية تزكي النفس وتنعش الروح، وعبادة بلا نصوص تهز تلاوتها العرش ويقرع صداها ورجعها سمع الملكوت، ودعاء بلا أذكار وتراتيل تتلهف الملائك وتتقطع شوقاً لسماعها… يريدون أن يضيعوا علينا ويفقدونا مفاتيح تتساقط أمامها مغاليق السماء، فلا تشرع للداعين الأبواب، ولا يسبح المسبحون ويرقى السالكون إلى تلك الآفاق والرحاب.
ومن رحمة الله تعالى بأتباع الحق ولطفه بأهل الإيمان، وعناية الحجة عليه السلام برعيته ومواليه، أن مقولات هذه التيارات الإضلالية بقيت رهينة نطاقاتها الحزبية الضيقة، فإذا أرادت أن تتمدد وطمحت أن تتوسع، لم يسعها ذلك ولا أمكنها إلا بالكذب والاحتيال، والتنكر لأفكارها وإخفاء آرائها، ومجاراة الساحة الإيمانية في عقائدها ومحاكاتها في شعائرها، ثم تعمد إلى بث سمومها من خلال هذا التحايل، ودس ضلالاتها عبر هذا التوغل. والبشرى أن محاولات القوم ومساعيهم لم تكن حتى الآن إلا زوبعة في فنجان، وقرقعة جوفاء، وأصواتاً لا يتجاوز نشازها حناجر مطلقيها ولا يبلغ مداها جدران دورهم الخاوية… وإلا فإن الشيعة ماضون في زيارة أئمتهم وتعظيم العتبات المقدسة، مواظبون على إقامة المآتم وإحياء الشعائر الحسينية، بكاءً ولطماً وجزعاً، تماماً كما يلتزمون نشر المصاحف على رؤوسهم في ليالي القدر، والتضرع إلى ربهم في أدعية السحر، والبكاء في المناجاة والاستغفار من الذنوب، والتوبة عن المعاصي، وتلاوة الجوشن ودعاء التوسل، والزيارة بالجامعة الكبيرة… معرضين عن مقولات الإضلاليين صفحاً، وضاربين بها عرض الجدار.
من المعلوم أن الحركات السياسية والتيارات الفكرية تلجأ في تكتيكاتها الحركية إلى تقديم عناصر هوجاء ونماذج رعناء، صارخة في حدتها، متطرفة في مواقفها، تمثل فئران تجارب، وبالونات اختبار لما تريد أن تنشر وتروّج، تصدم بهم الواقع وتقحم السواتر وتثير الزوابع، ولا تلبث هذه العناصر أن تتحول إلى أكباش فداء، وجرذان محترقة، إن هي فشلت، فانفجرت بفرقعة، أودت بها وأعدمتها وأنهت دورها التافه وطوت طورها السخيف… أعرف جيداً أن عودة وصنوه عسر، مجرد عرائس على هذا المسرح، وأن هناك من يديرهم ويحركهم من وراء الستار، تماماً كما كان فضل الله والحيدري، حتى هلك ذاك، ووئد هذا ودفن حيّا! وأنهما أقل من أن يتناولهما أحد بردٍّ، وأهون من أن يقرعهما بجواب… ولكني أردت أن يفتضح الجبان الذي يختبئ وراء إصبعه، ويرسل جراءه تعبث بالساحة العلمية وتشغل الأوساط الإيمانية بشيطنات يمارسها هؤلاء الصبيان..
“والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه، والذي خبث لا يخرج إلا نكداً”…
التعليقات