في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وآله: “مِدادُ العلماء أفضلُ عند الله من دماء الشهداء”، وعن الصادق عليه السلام: “علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا، وعن أن يتسلط عليهم إبليس وشيعته والنواصب، ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف مرة، لأنه يدفع عن أديان محبينا وذلك يدفع عن أبدانهم”.
هلم لننظر في “المداد” الذي فاقَ في الفضل “الدماء”، ونتحرى عن اليراع الذي شرُف على السيف والسلاح، لا استجلاءً لوجه التفاضل وعلَّة التفضيل، فهي جلية في النص الثاني، واضحة لا ريب فيها، بل لمعرفة وتحديد: من هم “العلماء” ومن هم “المتعلمون على سبيل نجاة” ثم مَن هم الهمج الرعاع؟ ونحن نعيش أزمة على هذا الصعيد.. لتسقط إن فعلنا طائفتان، الأولى خارجة تخصصاً، فهم أدعياء، كشفهم أميرالمؤمنين عليه السلام بقوله: “ورجل قمَشَ جهلاً، موضِع (أي مسرع) في جهَّال الأُمة، غارٌّ في أغباش الفتنة، عَمٍ بما في عقد الهدنة، قد سمَّاه أشباه الناس عالماً وليس به، بكَّر فاستكثر من جمْعِ ما قلَّ منه خير مما كثر، حتى إذا ارتوى من ماء آجن، واكتنز من غير طائل، جلس بين الناس قاضياً ضامناً لتخليص ما التبس على غيره. فإن نزلت به إحدى المبهمات هيَّأ لها حشواً رثاً من رأيه، ثم قطع به، فهو من لبس الشبهات في مثل نسج العنكبوت، لا يدري أصاب أم أخطأ، فإن أصاب خاف أن يكون قد أخطأ، وإن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب، جاهل خبَّاط جهالات، عاشٍ ركَّاب عشوات، لم يعضَّ على العلم بضرس قاطع، يذري الروايات إذراء الريح الهشيم، لا لا مليءٌ ـ والله ـ بإصدار ما ورد عليه، ولا هو أهل لما فوِّض إليه، لا يحسب العلم في شيء مما أنكره ، ولا يرى أن من وراء ما بلغ مذهباً لغيره، وإن أظلم عليه أمر اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه، تصرخ من جور قضائه الدماء، وتعجُّ منه المواريث، إلى الله أشكو من معشر يعيشون جهالاً ويموتون ضلالاً… “. وتلحقهم طائفة ثانية، هم “وعاظ السلاطين” و”علماء البلاط”، “عمائم السلطة” و”مشايخ الحكومة والنظام”… وكثيراً ما يجتمع العنوانان ويلتقيان في الأشخاص الذين تُبتلى بهم الساحة، وما زالت تعاني من ضلالهم وانحرافهم، ومن إتجارهم واستئكالهم.
من البلاءات المستجدة، ومَواطن الشكوى والمعاناة في الساحة الدينية المعاصرة، الضبابية والإبهام في قطاع “المعممين”، الخلط والتداخل والفوضى التي تحكم دعاوى العلم والتلبُّس بزي علماء الدين، المشرعة أبوابه لأيٍّ كان، المبذول الميسور لمن شاء وأراد، لا تحكمه ضابطة تنظيمية، ولا يخضع لمحاسبة قانونية… ما أورث الاضطراب والارتباك في تلقي الناس العقائد والأحكام الشرعية والمعارف الإسلامية والمواقف الدينية. وكثيراً ما يُرجع العوام فاسد فكرة يحملها أحدهم، وباطل عمل يمارسه، عند نهيه عنه، والسعي لثنيه عن تبنِّيه، وصرفه عن القول به، يرجعه إلى إفتاء هذا المعمم والأخذ برأيه، وإرشاد ذاك والعمل بقوله! يبرر خطأه باستِقاء الفكرة وأخذها عن “رجل دين” ظهر عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، أو توغَّل إلى بيته عبر قناة فضائية، أو التقاه في مسجد أو حسينية.
وهذا ما يأخذنا إلى ضرورة تنقيح الأسس وتحرير الضوابط في تمييز المعممين وتقييم المتلبِّسين بزي أهل العلم، فهي وإن كانت معروفة، تأتي على رأسها العقيدة الصحيحة، ثم العدالة والتقوى، فالتحصيل العلمي والفضيلة… لكن يبدو أننا بحاجة إلى معالجة ظاهرة جديدة برزت، وعامل مستحدث عرَض، شكَّل عنصراً إضافياً في القضية، ينتزع من واقع معطيات الزمان ومواكبة التطورات التي غدت الساحة الإيمانية تعيشها اليوم. عنصر فرض نفسه في هذا العصر حتى غدى متقدماً على كل الشرائط، وسابقاً سائر الضوابط… إنه الانتساب السياسي للمعمم والانتماء الحزبي للعالم الديني!
وهنا سنقف على حقيقة قد تكون صادمة لبعضهم، وهي تسفر وتبين، نظرياً عبر دليل منطقي وفكر مُبرهَن، وعملياً عبر سيرة مشهودة، متمادية في التوظيف والاستغلال، مغرِقة في السقوط والانحدار، أن المعمم الحزبي ورجل الدين الحكومي ساقط عن الوثاقة، فاقد للأهلية والاعتبار. فلا يمكن للمراقب الحصيف وهو يرصد الساحة، ولا يسع الباحث اللبيب وهو يتحرَّى الحقيقة، ولا يصح للمؤمن الفطن وهو يسأل عن موقف الدين وحكم الشرع، أن يثق بشيخ حكومي ويركن إلى معمم حزبي، لا في أخذ العقائد الدينية ولا في استقاء الأحكام الشرعية، ذلك أنه فاقد لأدنى مراتب الوثاقة والأمانة العلمية والعملية. فالمعمم الحزبي غير موثوق ولو كان صحيح العقيدة، مشكوكٌ وإن حظي بقسط من العلم والفضيلة، مريبٌ وإن تمتع بشيء من التقوى والعدالة، لأن ذلك كله لا يوفر له الإستقلالية اللازمة ولا يحقق فيه شرط الحرية المطلوبة، فهو سيبقى تابعاً مرؤوساً لمسؤوله الحزبي، محكِّماً الفقه برؤية زعيمه، مُنزلاً الدين على مقولة قائده، ومُقحماً المصلحة الشرعية والاجتماعية في إطار تنظيمه أو سياسة حكومته. ولك أن تتأمل ـ على سبيل المثال ـ في موقف المعممين الحزبيين من مسألة التقليد، وكم منهم يُرجع إلى غير ولي نعمته ورب عمله! على الرغم من أن جميع المرجعيات الحزبية والزعامات الفئوية تقبع في المراتب الدنيا من سلَّم الأعلمية، بعيداً عن درجاتها الأولى والثانية بل حتى دائرتها الرابعة والخامسة، هذا إن قلنا ـ تنزُّلاً ـ ببلوغها الفقاهة والاجتهاد! وهذه حقائق مسلَّمة يكاد لا يختلف عليها أحد في الأوساط العلمية والحوزوية… فهل لمعمم حزبي يقفز على هذه البديهيات، ويهتك هذه الحقائق الواضحة والمسلَّمات، أن يتمتع بمصداقية تسمح له بالتشكيك في سِفر نفيس كبحار الأنوار؟ أو يسقط رواية في الكافي؟ أو ينال من عقيدة ولائية أو شعيرة حسينية؟ هل لأضراب هؤلاء أن يقيِّموا تراثنا، سواء ما بلغَنا من أئمتنا المعصومين عليهم السلام، أو من عطاء أساطين الطائفة وعلمائنا الأعلام؟!
إن الأصل الأول الذي يحكم الحوزات والمعاهد العلمية الشيعية هو الاستقلالية، والتمتع بالحرية، وعدم الخضوع لمقتضيات انتماء سياسي معيَّن تفرضه دولة أو حزب، والتقيُّد بلوازم مشرب فكري خاص يتبناه قائد أو حاكم أو زعيم… وكل معمم، من أصغر طالب علم، إلى مَن بلغ الفقاهة والاجتهاد، يجب أن يكون حُراً مستقلاً، لا يتلقّى الأوامر والتعليمات من أحد، ولا تفرض عليه المواقف، ولا تملى الأفكار، وإلا سيكون فاقداً للأهلية وساقطاً عن الاعتبار. وهذا ليس شرطاً كمالياً يتعلَّق بآلية العمل ووسائل الحركة والتبليغ الديني، ويرتبط بالتلقي الشعبي فحسب، بل هو مكوِّن أصيل، وعامل داخل في خلق الذهنية العلمية السوية، ورفد الروح الحوزوية بالموضوعية المطلوبة، التي تقود إلى رحاب الحقائق، وتفضي إلى نضج الأفكار واقترابها من الواقع، وتخدم بلورة الآراء في السياق والمسعى الصحيح، وتنتهي بالطالب والعالم إلى الحكم السليم، وتهدي الحركة العلمية إلى وجهتها المطلوبة وتهبها طابعها السوي، حين تعيش المعركة العلمية واصطكاك الأفكار وصراع النقض والإبرام، حتى تجتاز مخاض الأدلة وعسر الاستنباط، بعد مشقة حمل الوجوه وتقليب الرؤى، فيولد الحكم الشرعي ويخرج الفكر الديني متمتعاً بالنضج والتكامل المطلوب، وكذا بالصحة والعافية الكفيلة بإبقائه والضامنة لاستمراره.
هذا هو الأصل والشرط الأكثر إلحاحاً، والنطاق والحاجز الأول، والمعيار الأساس والاختبار الأخطر في هذا الزمان، ويليه ويستتبعه باقي الشروط، من علم وعدالة وسلامة عقيدة. فلا ثقة بالحزبي ولو كان متديناً ملتزماً، بل تقياً ورعاً، ولا اعتبار لرأيه ولو كان عالماً فاضلاً، لأنه ـ ببساطة ـ يلخِّص الإسلام في النظام السياسي الذي يخدم، ويرى عزَّ المذهب وشوكة الدين في شخص القائد الذي يوالي ويناصر، من هنا فكل مخالف للحزب هو عدوٌّ لله والدين، لا حرمة له ولا قيمة! وكل معارض للنظام فاسق فاجر، وكل نشاط منه وفعل وعطاء هو نفاق، ولو كانت منارة ترفع الأذان ومسجداً يقيم الصلاة، فهو “ضرار”، يجب هدمه وتقويضه! لذا ترى المعمم الحزبي والعالم الحكومي لا يتورَّع عن الكذب والتدليس، ولا يتأثم من المراوغة وإخفاء الحقائق والتلبيس، ولا يبالي بكل تحايل وخديعة يمارسها وكأنه إبليس، ما دامت تصب في أهداف الحزب ومصالح النظام “الإسلامي”! من هنا فهو لا يؤتمن، ولا يمكن الركون لنقله والبناء على قوله. فالمتديِّن المتشرع في الحزبيين والحكوميين (وهو قليل)، يُنزل التقوى ويسقطها على مشروعه، فيرى قمة التدين وتمام الإلتزام، في نصرة الحزب وخدمة الحكومة والنظام، بأية وسيلة وكل طريقة، لا يبالي بالكذب والافتراء، ولا يكترث بسحق القيم وامتهان المبادئ، بل يرى ذلك من صميم الدين، فالحزب أو النظام عنده هو مصداق بيضة الإسلام التي يقدم على مذبحها أعزِّ القرابين، ويباع في سبيلها كل غال وثمين!
إن المرجعية لا تستوفي شرائطها، والعمامة الشيعية لا تستجمع كمالاتها، ولا سيما شرفها المهني، إلا في حوزة حرة مستقلة، بعيدة عن الإملاء السياسي والتوجيه الفكري والتلقين المسلكي أو الحركي. ولا يمكنها العطاء الحقيقي وممارسة دورها الإلهي ومسؤوليتها الشرعية إلا بهمم الرجال الأحرار، ونفوس الأعزَّة الأباة، وروحيات الكُمَّل، أو السائرين حقاً في طريق الكمال.. وكيف للحزبية وأنَّى لها ذلك وهي قرينة الخنوع والاستسلام، ولازمة الذلة والهوان، يمضي المنخرط فيها على السمع والطاعة، إمّعة لا يملك إلا التسليم، ولا يسمح له في كثير من الأحيان مجرد الاستفسار والسؤال! ناهيك بحق النقد والاعتراض، أما التخلُّف وعدم الامتثال، فهو في قاموسها زندقة وهرطقة، ومروق وتمرد وعصيان، أدنى عقوباته المحاصرة والتسقيط، والطرد والنفي، والإقصاء والحرمان… ما يُبقي المعمم الحزبي أسيراً، ولا سيما حين يبلغ في الحزبية شأواً ويحظى بشُهرة، ويتمتع بعنوان يُشار به إليه لا يلبث أن يطوَّقه، ووضع قيادي يكبِّله، ومستوى معيشي صار يرتهنه، فلا يمكنه التخلي عن هذا، ولا يسعه فقدان ذاك، فيبقى في القيود والأغلال، يجتر ما يقول القائد ويكرر ما يملي الحزب.
وأعرف أحد هؤلاء، كان يهمس لي بأن القرار والموقف والفتوى التي أصدرها السيد القائد في موضوع ما، وحكمه على الفكرة والعقيدة والشعيرة، خاطئ باطل، ولعله مدمِّر مُهلك، يبذر الفتنة ويزرع الشقاق والنزاع، فإذا ارتقى نفس هذا الشخص المنصة وصعد المنبر أو خطَّ وكتب، راح يمجِّد الفتوى ويدافع عن القرار، وكأنه وحي موحى وقرآن منزل لا سبيل لمخالفته ولا طريق لتقويمه!
علينا أن نعي أنَّ جميع المدارس والحوزات التابعة لأحزاب دينية أو لحكومات ودول، ولا سيما الجمهورية الإسلامية، هي حوزات ساقطة عن الاعتبار تفتقد الأهلية والصلاحية، غاية جهدها أن تقدم مثقفاً دينياً يشكل عنصر تبليغ وتعبئة للموقف السياسي الذي تمليه الجمهورية الاسلامية، يرفد ويدعم الفكر الديني الذي تتبناه تلك الدولة أو ذاك الحزب. من هنا فإن السؤال الأول الذي ينبغي أن يتوجه إلى أي معمم يتصدى لشأن ديني أو غير ديني، في الحياة العامة أو الخاصة للأفراد، في وسائل التواصل أو في الفضائيات أو المنابر والمحافل: من أية حوزة تخرَّجت؟ وأية مرجعية تتبع؟ فإذا كان المعمم خريج مدارس الجمهورية الإسلامية ومؤسساتها، أو حزب الدعوة، أو الشيرازية، أو فضل الله، أو غيرها من التيارات والأحزاب المنحرفة التي تعظم قادتها وتخدم أهدافها، المنفصلة والمنشقَّة والمبتورة عن الحوزة الأصلية، فلا يمكننا أن نحمل رأي هذا الرجل على الدين، ولا يمكن الركون إلى قوله بحال. مع العلم أن هناك شرفاء لا يعوزهم الإخلاص، يحصلون في جامعة المصطفى أو يعملون فيها، إما عن غفلة عما يعنيه ذلك، أو استسلاماً لواقع فرض نفسه في مخيلة هذا العامل الضعيف، وغلب مدركاته السطحية الساذجة، فاستسلم سريعاً والتحق بالركب، فساهم بنحو وآخر في الجريمة وانخرط عن حُسن نية في المؤامرة، فشارك في صنع مأساة تتهدد كيان الشيعة العلمي وحوزتهم ومرجعيتهم، ولعمري ما زال الحال يتمثل الأموي الذي كان يسلب قرط ابنة للحسين في كربلاء وهو يبكي، ثم علل فعلته بأنه إن لم يفعل فسيأتي غيره ويسلب السيدة المظلومة!
وبعد، فمن نافلة القول أن الحوزة العلمية الأصيلة والمرجعية الحقة ليست ضد الجمهورية الإسلامية، ولا هي ضد أحزاب سياسية بعينها، اللهم إلا بمقدار ما تتدخل وتنال من ديننا وعقائدنا، فإذا انسجم الحزب أو السلطة مع الدين الأصيل والشريعة الحقة، فستحظى بمباركة الحوزة ورضا المرجعية، ناهيك بعدم مخالفتها والتصادم معها. كل ما هناك أن السلطة السياسية الحاكمة اليوم تعيش قصوراً شديداً وأُفقاً ضيقاً قادها إلى معركة باطلة توهمت فيها تطوير الحوزة ومناهجها، وأرادت منها “إصلاح” الشعائر الحسينية وتنزيهها، وتهذيب العقائد الولائية ونفي الغلو عنها، وهذه كلها موارد وقضايا في غاية الحساسية والتعقيد، تتطلب بعد التخصص المعمَّق، نزاهة وحياداً وموضوعية لا تتمتع الجمهورية الاسلامية ولا أية دولة في العالم بها، فالبديهة تحكم هنا أن الدول تراعي مصالحها ليس إلا… ولو رجعت الأُمور إلى نصابها وعرف كلٌّ حجمه ومكانته وبالتالي دوره، لقنع بأن يسترشد برأي المراجع العظام ومواقفهم، دون أن يضغط ويملي عليهم، ويتدخل في الحوزة بما يفقدها استقلاليتها ويسقطها عن موقعها في الأمة.
الجمهورية الإسلامية نظام سياسي، يكتسب الاحترام ولربما القداسة بمقدار ما يخدم الدين وينصر المذهب، ويفقد الاعتبار والمكانة بمقدار ما يسيء إلى الدين ويحارب المذهب (وزخم الانتصارات وضجيج الشعارات لا يغري الأكياس ولا يغوي الفطنين!). ولربما يبلغ في الانحطاط ما يقتضي إسقاطه، كما قد يسمو في القيمة والشأن ما يبلغ وجوب الدفاع والجهاد دونه… كل هذا يدور مدار التزامه بالعقيدة والشريعة، وهو أمر تحدد المرجعية الدينية والحوزة العلمية مصداقيته، وهي التي ترسم معالمه وتبيِّن حدوده (لا الحكومة بما يخدم مصالحها)، يلاحظه ويتابعه أعلام الطائفة، وتراقبه الأمة بأسرها (لا أعضاء الحزب المسيَّرين كآلات)، ترصده وتقيِّمه، فلا ينطلي عليها الزيف والقلب والذي يهتك مسلمات المذهب، وينتهك مقدساته، ويبتذل أعز معالمه، ويبدد أثمن كنوزه، باسم الحداثة والتطوير، والإصلاح والتجديد.
إن استقلال الحوزة الشيعية عن الحكومات معلم أساس في هذا المذهب، لازَمه على مدى تاريخه ولم ينفك عنه يوماً، وقد دفع علماء الطائفة الأجلاء ثمنه غالياً، سواء من شهداء الفضيلة، أو من الصبر على الملاحقة والتنكيل والاضطهاد، وكذا تحمُّل الفقر المدقع وشح الإمكانيات، لكنهم لم يمدوا أيديهم لسلطة ونظام، ولا باعوا أصول مذهبهم وكنوزه ببخس حطام، مما يتهالك عليه الأدعياء اليوم… حتى في المراحل التي ظهرت فيها حكومات ودول شيعية كالفاطمية، بل إمامية كالحمدانية والبويهية والصفوية والقاجارية، بقيت الحوزات محافظة على استقلالها، ومَن تعاون معها من الدول، استجابت له في حدود تسخير طاقات وإمكانيات الدولة لصالح العلم ونشر المذهب الحق، لا العكس… كان الشاه طهماسب موظفاً عند المحقق الكركي ولم يكن المحقق عميلاً وأجيراً في بلاطه، وكان الصفوية والقاجارية في الحقيقة والواقع يتسابقون لخدمة الحوزة والمرجعية، دون أن تضفي الحوزة عليهم المشروعية، ولا أن تسمح بتسخير الفقه والدين لصالح حكوماتهم وملكهم.
ما أكثر المعممين الحزبيين وصخبهم، يهذرون ويهرفون ويملؤون الإعلام ضجيجاً، وما أقل نداءات الصدق ومواقف الحق التي يطلقها العلماء الربانيون، والفقهاء المخلصون…
ويبقى الرهان على آذان واعية تعيها، ومؤمنون أكياس ينظرون ويتدبرون في طعامهم، ممن يأخذونه وعمن يتلقونه… الأمل في هؤلاء، والرهان عليهم.
التعليقات