بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لوفاة الشيخ هاشمي رفسنجاني، يبدو أن عائلته أو رفاقه، سربوا إلى الإعلام، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فيلماً لجانب من الجلسة التاريخية لمجلس الخبراء، يحكي الدقائق الأخيرة التي سبقت التصويت على انتخاب السيد الخامنئي ولياً وقائداً للجمهورية الإسلامية، وقيل أن المسرِّب هو أحمدي نجاد (الذي كان يقال للناس أنه شعيب بن صالح، فمن استخفَّ بذلك أو رفضه، رمي بالعداء للثورة وخيانة دماء الشهداء!)، ولعله تسرب من غير هؤلاء… وهذه ترجمة لما جاء فيه، مع ملاحظة أن ما ذكرته بين قوسين هو ترجمة أخرى قد تكون أبلغ في إيصال المعنى، أو توضيح ينتظم به السياق، يقول السيد الخامنئي:

“أولاً في الواقع، علينا أن نبكي دماً على الأمة الإسلامية، أن يصبح ترشيح شخص مثلي أنا (للقيادة) أمراً محتملاً، وليس هذا (الجانب من الكارثة هو) ما أريد أن أتحدث عنه، (ذلك أن) الأمر يعاني مشكلة فنية (قانونية، صناعية)، هناك معضلة أساسية (بنيوية)، سبق أن بينتها للشيخ الهاشمي الرفسنجاني قبل أسبوع أو إثنين، حين طرح (معي) هذا الأمر، وأجبته حينها بشكل جدي وقاطع أنني لن أقبل بهذا، ناهيك بأنني حقيقة غير لائق لهذا المنصب، وهذا مما أعلمه في نفسي، ولعل السادة (الحضور) كذلك يعرفونه عني…

أصلاً الأمر سيعاني من الناحية الفنية من إشكال، سيجعل القيادة شكلية وليست واقعية. حسناً، إن قولي (حُكمي)، سواء من الناحية الدستورية، أو من الناحية الشرعية بالنسبة إلى كثير من السادة الحضور، لا يشكل حجة (يكون نافذاً)! أي قائد سيكون هذا؟! الدستور يوجب أن يكون (القائد) مرجعاً، إما أن يكون مرجعاً بالقوة (فقيهاً من شأنه أن يصبح مرجعاً)، أو يكون مرجعاً بالفعل، وهذا منتفٍ ومفقود  (لا شيء منه متحقق). ومن الناحية الشرعية، إنما يكتسب (حُكم) القائد الحجية (الشرعية)، في حالة إذا كان من يريد العمل به يراه فقيهاً صاحب رأي (مجتهداً قادراً على الاستنباط) في أُمور الدين. والحال أننا الآن، وفي هذه الجلسة، تحدَّث عدة أشخاص وصرحوا بأنني لستُ مجتهداً! كيف للشيخ الآذري (القمي)، الذي تحدث (معترضاً) أول ما طرح اسمي في هذا الاجتماع، أتراه سيمتثل أمري إذا حكمت؟ من المسلَّم أنهم لن يقبلوا.

[وهنا يعرض لغط بين الأعضاء، يظهر منه قول أحدهم: نحن لا نريد أن نرجع إليك في التقليد]، فيجيبه السيد: البحث ليس في التقليد، بل في نفاذ الحكم، [ثم يعرض صوت آخر يحاججه أو يحاوره]، فيجيبه السيد: الأمر إذاً ليس ولاية الفقيه، بل ولاية عدول المؤمنين.

انظروا أيها السادة، [يعرض لغط من جديد، ثم صوت أحدهم كأنه الشيخ إمامي كاشاني يقول]: إنه أمر مؤقت، أي بأس في ذلك؟! [ثم يتحدث عن مخرَج فنيٍّ لمعالجة مشكلة فقاهة السيد الخامنئي]، يقول: الذين لا يعتقدون باجتهادكم (يخاطب الخامنئي)، يعتقدون بأن الخبراء هنا هم مجتهدون، وهؤلاء المجتهدون يمنحونك الاستنابة (التوكيل والتفويض) لتولي المنصب.

[يعود الخامنئي للحديث]: على أي حال أنا معارض (لانتخابي)، كنت أريد التحدث حول القيادة الجماعية والشخصية، ما كنت أحسب أن كفة (خيار القيادة) الفردية سترجح.

رفسنجاني: وأنا كنت أيضاً أريد التحدث، وكنت أرجح الشورى (قيادة جماعية، شورى فقهاء)، ولكن الأكثرية مالوا إلى الفردية، فلا محل للكلام في هذا. جناب الشيخ المشكيني، دعني أتحدث بكلمتين، ما دام السيد الخامنئي قال ما عنده. أولاً، أنا في فترة شبابي (شبابنا) كنت مع السيد الخامنئي في المدرسة و(في) البحوث (العلمية)، والآن (في الوقت الحاضر، ما زالت) تطرح المسائل، وبينها قضايا رئيسة كبيرة، أنا واقعاً أرى السيد الخامنئي مجتهداً جاداً في المسائل الفقهية، لا بمعنى أنه أتم استنباط المسائل (مجتهد مطلق)، ولكن لو عرضت الآن للبلاد مسألة اجتماعية، وأراد أن يستنبط لها حكماً، وفقاً للنهج التقليدي (للاستنباط)، لن يشق عليه ذلك ولن يعسر، ولكن بشيء من بذل الجهد، بشيء من الاستعانة بالذين يملكون المصادر، لأنه لا يملك الوقت الكافي، يعينونه في استقصاء المصادر، فهو قادر على بلوغ الرأي الفقهي. ثم يطلب الشيخ هاشمي التصويت ويقول: السادة الموافقون على تولي السيد الخامنئي القيادة، وهذا الانتخاب سيكون مؤقتاً، إلى حين إجراء الاستفتاء الشعبي، (هذا الانتخاب والتعيين) ليس دائماً، (بل) إلى ذلك الحين (أي إجراء الاستفتاء)، ليتفضلوا بالوقوف“.. قال ذلك وفعله، وهو يُعرض عن صوت ارتفع في القاعة ينادي: “ألم يقل السيد الخامنئي نفسه بأنه غير مؤهل (كيف تقترعون عليه)”؟ [انتهى التسجيل].

إن هذا التسجيل المسرَّب والوثيقة الخطيرة تعني أموراً كثيرة، منها:

1/ إن الشيخ هاشمي رفسنجاني والسيد الخامنئي كانا عالمين بطبيعة مرض السيد الخميني وحقيقة حالته الصحية، وأنه عما قريب مفارق الحياة وراحل عن هذه الدنيا، ومن هنا كانا يتداولان في أمر خلافته قبل أسبوعين من وفاته. وهو أمر، وإن بدا ـ في نفسه ـ عادياً وطبيعياً، فهما يشكلان رأس النظام، وقمة المسؤولية في حينها… إلا أن حصر دائرة العارفين بالخبر، والمحيطين بهذه الحقيقة، بل حكرها في أضيق نطاق (لا يتجاوز الموالين للخيار، الموافقين على إسقاط أي خيار آخر)، هو أمر مريب. ولا سيما أنه استثنى شريحة عريضة من قادة النظام وشخصيات الطراز الأول فيه، ناهيك بالشعب الذي كان يلهج في المساجد ويتضرع بالدعاء لشفاء قائده، ويتباشر بأخبار تحسُّن حالته الصحية، أما جماهير الثورة والموالين البسطاء فقد كانوا جازمين أن الإمام الخميني سيتخطى الأزمة الصحية ويتجاوز الخطر، فمَن غيره الذي سيسلم الراية للمهدي المنتظر عليه السلام؟!

2/ بلا تعسُّف ولا تكلُّف، ودون الحاجة إلى خبير ضليع وسياسي محنك يجيد قراءة الأحداث وربطها، فإن السياق يكشف بجلاء وينطق بوضوح أن هناك نوايا مبيَّتة وقرارات معدَّة مسبقاً، وأن ثمة خطة متقنة رُسمت، وحبكة مُحكمة حيكت، بل هناك سيناريو وُضع، وزِّعت فيه المواقع وأُسندت الأدوار، وفصِّلت الأحجام والمهام، ما أخرج المسرحية إلى الواقع، وترجمها قرارات تنفيذية، طُبقت وأُعملت  لتحكم مصير إيران وشعوب المنطقة (عبر المنظمات الموالية لها) لعقود لاحقة، ها نحن نقاسي الثالث منها.

3/ لم يتضمَّن الإعلان الرسمي عن انتخاب القائد الجديد، أية إشارة إلى أنه انتخاب مؤقت، ولا ذكر أن الأمر معلَّق على إجراء استفتاء شعبي عام. فظن الناس أنه قرار نهائي باتٌّ لا رجعة فيه، وأن الأمر حُسم وانتهى واستقر على ولاية السيد الخامنئي.

4/ منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا، لم ينفذ مؤدى الاستفتاء الشعبي المشار إليه! ما يعني أن الشرط لم يُلتزم به، وبالتالي فإن مشروعية ذلك الإنتخاب لم تتحقق، وإن قيل أن الإشكال اندفع بجلسات مجلس الخبراء التالية التي أمضت ولاية السيد الخامنئي ولم تعترض على قيادته، فهذا تحايل والتفاف، لا يلغي بطلان جميع الجلسات اللاحقة، وما نتج عنها وترتَّب عليها، لأنها بُنيت على باطل، هو التخلف عن شرط أو قيد تعيين القائد الأصيل، أي التمتع بالفقاهة والاجتهاد المطلق، فهي باطل.

5/ قد يتبادر إلى ذهن بعضهم لغلبة العاطفة وحسن الظن عليهم، أن عبارات السيد الخامنئي بحق نفسه، هي ضرب من التواضع وإنكار الذات الذي دأب عليه علماء الشيعة، وترسخ فيهم كخُلق… لكن القسم التالي من الشريط المصوَّر، وما عمد إليه السيد من تفصيل دقيق، يكشف أنه كان صادقاً لا مجاملاً أو متواضعاً، وصريحاً لا موارياً أو مُكنِّياً، فقد شرح بالتفصيل سبب عدم لياقته وأهليته، وبيَّن ماذا يعني بعدم استحقاقه وكفايته، وصرح أنه يفتقد أول عناصر القيادة والمرجعية، أي الفقاهة والاجتهاد، وأنه لا يتمتع بها لا بالفعل، ولا حتى بالقوة. (وبتعبيره هو: المرجعية الشأنية والفعلية).

6/ شهادة رفسنجاني للخامنئي جاءت في أدنى مراتب الاجتهاد وأقل سطوحه، وقد علَّقه وجعله متوقفاً على تلقي المساعدة والأخذ بيده. وهي مرتبة أدنى حتى من بلوغ الاجتهاد المتجزئ، ولا تتجاوز دعوى التمتع بالملكة فحسب، وأنَّ إخراجها إلى الفعلية يفتقر مزيداً من العمل والاستعانة بآخرين… وهو مستوى وسطح مبذول، يتمتع به آلاف الطلبة في الحوزات العلمية.

7/ التسجيل يفضح أكذوبة الشهادات التي صدرت أو انتُزعت بعد ذلك، ويعلن بطلان مهرجان المنشورات ومهزلة تأليف الكتب التي جمعت تلك الشهادات، وسطرت سيرة من صنع الوهم ونسج الخيال، رفعت السيد الخامنئي إلى مصاف الفقهاء العظماء، ونشرتها بين الناس، وتداولتها وتلقتها كمسلَّمات، كنت قد سمعت مشافهة من أصحاب بعضها ما ينقضها ويسقطها، وهم بين متوهم أنه سبيل الحفاظ على الجمهورية الإسلامية، أو مُكره أُجبر تحت التهديد والوعيد على شهادة الزور… وها قد حصحص الحق وظهر، وبان أن الرجل نفسه معترف بقصوره، مذعن بأن ترشيحه للأمر كارثة تستوجب أن يُبكى لها بدل الدموع دماً.

8/ كنت قد كتبت مقالة نشرتها صحيفة القبس الكويتية في 8/9/2000 بعنوان “مشروعية ولاية الخامنئي بين العقل والنقل” (تجدها في كتاب ريح يوسف ص 49)، تناوشتني بعدها سهام رمتني بالكذب والافتراء، وطالبتني بالأدلة والإثباتات، وكيف للغالبية الساحقة، والسواد الأعظم أن يكون على باطل، وأنت وشرذمة قليلة على الحق!؟ وكان النظام قد حظر نشر مضبطة تلك الجلسة، وأنا متيقن من أحداثها بنقل متواتر، فاق سبعة أعضاء من الحضور في الجلسة… ولكني لم أملك الدليل المفحم، وإلا فالدليل المقنع كان مبذولاً، وقد عرضته لهم باستدلال منطقي متين، إلا أنهم أعرضوا مستكبرين. فسكتُّ من بعدها والتزمت الصمت، ولزمت داري وأعرضت، فقد نهضت بدوري وأتممت الحجة على مساكين مخدوعين، وأشقياء مستأكلين، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

أمام لحظة ظهور بصيص من نور الحقيقة، وحزمة ضوء صغيرة تقشع عن بقعة محدودة ظلمات الإعلام وقهر السلطان، لا يسعني إلا التفجُّع على المولى الأعظم، أول مظلوم غصب حقه، وأنا أستحضر السابقة التآمرية الأولى على الحكم في الإسلام… والبشرية تسمع على مدى التاريخ محتجين سخفاء، ومستأكلين أشقياء، وسواد من فراش النار، يرددون: هل يمكن أن يُعرِض أغلب الناس عن الحق؟ هل يمكن أن لا يكتشف الحقيقة إلا ستة؟! هل يعقل أن البطانة الأولى المقربة بالصحبة والمصاهرة تكون متآمرة، ومنقلبة على الحق ومزيفة للحقيقة؟!

وبعد، فهناك مَن سيصرُّ أنها عنزة وإن طارت، وهناك مَن حكت عن حالهم الآية: “جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا”.

(فيديو) انتخابالخامنئي

Posted in

التعليقات