وكأننا في عالم آخر، يعلو أُفقه على ما يجري الآن من انتخابات نيابية، يتجاوز ميادينها ويتخطَّى صخبها وضجيجها، ولا يعبأ بجبهاتها المحتدمة، ولا بمعاركها، الحقيقية والمسرحية، الجادة والهزلية، ولا يبالي بمعطياتها ونتائجها…

البارحة زارني شهيد، أو ارتقيت، فبلغتُ أُفقاً أطل عليَّ منه الشيخ ياسر، فزرته، زميل دراسة كنت أكبُره عمراً، ويكبرني خُلقاً وورعاً، أفوقه مالاً وثراءً، ويفوقني إخلاصاً وحياء، أعلوه مزاحاً ودعابة، ويعلوني وقاراً ودماثة، أغلبه حماسة وثورية، ويغلبني جداً وعملية. كنا نتباحث في الألفية، فأستفيد من مباحثته وأتلقى منه أكثر مما أفعل من الدرس. وبعد اللغة والأدب، زرع الفتى فيَّ الشغف للبحث والأُنس بالتحقيق العلمي، فما إن يفرغ من دروسه، حتى يقصد مكتبة المرعشي النجفي، وينشغل بجمع المصادر والإعداد لدراسة يقوم بها، غالباً ما يكلفه بها والده، وكان آخرها، إن لم تخني الذاكرة، عن الحروب الصليبية وأثرها في الهوية الطائفية والمذهبية لبلده، لبنان.

قال لي: إن هذا القصر الباذخ الذي ترى، يقع في حيٍّ أسكنني فيه حبي وعشقي، وألحقني بسُكَّانه وأدرجني برتبة قاطنيه معرفتي وعلمي. وأنت تراه لأنني خرجت منه إليك، لذا لا ترى بقية القصور ولا الأنهار والرياض والحور، فما زلت محجوباً عنها، لم ترق إليها!

: كيف هي الحياة هنا؟ ماذا يمكنك أن تخبرني، وعلى أي نعيم عساك أن تطلعني؟

: لن تطَّلع إلا على ما يحملك سعيك إليه، ولن تنال شيئاً حتى تعرف قيمته وتبذل ثمنه، واعلم أن سوق العمل هنا في ركود وكساد، السلعة الأكثر مبيعاً وصرفاً، وطلباً ورواجاً، هي المعرفة والمحبة. نعم، “فوق كل ذي برٍّ برٌّ، حتى يقتل الرجل في سبيل الله”، لكن المعضلة أن البرَّ بشتَّى وُجوهه، والإحسان بكافة أنواعه وأقسامه، يأتي بعد المعرفة والإيمان، وتالي العلم والحب، والولاء والبراء. هذا هو ما يأخذ الناس في مدارج الارتقاء، ويأخذهم في السموِّ ما شاء الله. لعمري، كانت معادلة سهلة بسيطة، أغرقتنا الحركة الإسلامية ودعاوى الإصلاح الديني والحداثة في فلسفاتها، وأضاعتنا في متاهاتها، ولم يُنجني إلا بقائي على ضفافها، فلم ألج غمارها ولا توغلت في أعماقها، وليتني لم أدن منها أصلاً ولا اتصلت بها يوماً!

آثرت أن ألتقيك لأبلغك رسالة، قال لي مَلكٌ، أنها لو نجحت في هدفها وحققت مقصودها، فسترفعني مرتبة وترقى بي درجة، فآثرت لقاءك، على الرغم من أنني كنت موعوداً أن يفسح لي فأزور العلامة المجلسي، بعد أن تشرفت مع جمع من رفاقي الشهداء من قبل بزيارة المقدس الأردبيلي والشهيد الثاني… “المداد” هنا قيمةٌ يا عباس، وأية قيمة! الشهداء هنا في مراتب مختلفة ومقامات متفاوتة، مرتكز التصنيف ومحور التقييم، هو الحب والمعرفة، لذا فإن منَّا مَن ينتظر سنوات حتى يلتقي بعض الفقهاء ويحظى بزيارة أحد العلماء، ومنَّا مَن نال شرف لقاء بعض أصحاب سيد الشهداء!

إنهم يلحظون حجم التضحية والعطاء، ولا سيما خلوص النية وصدق العزم، وجودة العمل وإتقانه، ويقدِّرون الجهاد، ويثمنون الطاعات والعبادات، لكن ما يحكم على كلِّ هذا وذاك، هو معرفة الإمام وحب آل محمد عليهم السلام. هذا هو الإكسير الذي لو ذُرَّ على سيئات الخلق صارت حسنات! نعم، إنه يغيِّر جواهر الأشياء ويقلب حتى الماهيات.. فلا تستكثر أن تمحو دمعة بقدر جناح بعوضة، تترقرق حزناً على سيد الشهداء، ذنوب صاحبها ولو كانت مثل زبد البحر! ولا تحسب القول بأن لزيارته أجر مَن أعتق ألف نَسمة، وكمن حمل على ألف فرَس في سبيل الله، مُسرجة مُلجمة (وفي لغة العصر، قل دبابة أو مجنزرة!)، من الغلو والمبالغة في شيء. إنني أدرك الآن بالعيان والوجدان ماذا أراد الحديث الشريف عن أبي جعفر عليه السلام، قال: “لو يعلم الناس ما في زيارة قبر الحسين عليه السلام من الفضل لماتوا شوقاً وتقطَّعت أنفسهم عليه حسرات”. قال: “مَن أتاه تشوّقاً كتب الله له ألف حجَّة متقبَّلة، وألف عمرة مبرورة، وأجر ألف شهيد مِن شهداء بدر، وأجر ألف صائم، وثواب ألف صدقة مقبولة، وثواب (عتق) ألف نسمة أُريد بها وجه الله”… حتى يقول: “فإن مات سنته حَضَرتْه ملائكةُ الرَّحمة، يحضرون غسله وإكفانه والاستغفار له، ويشيِّعونه إلى قبره بالاستغفار له، ويفسَح له في قبره مدَّ بَصَره، ويؤمنه الله من ضغطة القبر، ومن منكر ونكير أن يروِّعاه، ويُفتح له باب إلى الجنَّة، ويعطى كتابه بيمينه، ويعطى له يوم القيامة نوراً يضيء لنوره ما بين المشرق والمغرب، وينادي مُنادٍ: هذا من زوار الحسين شوقاً إليه، فلا يبقى أحدٌ يوم القيامة إلا تمنَّى يومئذ أنه كان من زُوَّار الحسين عليه السلام”… إياك والمستخفِّين، أو المقرنين بهذه الطاعة غيرها، والمفاضلين بها سواها، ولو كانت جهاد المشركين في بدر وأحد وحنين.

لا شيء يكدِّر صفونا هنا إلا ما ينالنا من أهلنا وقومنا، وهذه رسالتي التي أرجوك نقلها أو نشرها، إنهم يقومون بما يزري بنا ويطأطئ رؤوسنا أمام أقراننا من الشهداء الإيرانيين والأفغان والباكستانيين والعراقيين وغيرهم، بل أمام سادتنا الأئمة الأطهار عليهم السلام! ونحن بين الشهداء قلة قليلة لا نقارَن ولا نقاس، وبين المجاهدين نزرٌ يسير وكأننا لا بالعير ولا بالنفير، ولكنَّ تبجُّح قومنا وتنطُّعهم، والكبر والفخر والزهو فيهم، صوَّر لنا حجماً وادَّعى لنا عطاءً يفوق الحقيقة ويتخطَّى الواقع بأضعاف. وما زالوا في هذا بما تجاوز التوظيف السياسي وضرورات التعبئة والحرب الإعلامية، إلى التطاول على سادة الخلق وأولياء النعم، الذين يدين لهم كل شيء هنا، ويخضع ويذل كل ممكن وكائن، من ملائكة مقربين وأنبياء ومرسلين، وعلماء ربانيين، وشهداء في قمم العلم والمعرفة والإخلاص… حتى أطل الأمين العام ليقول فينا:

“أيها المضحين الشرفاء، بأبي أنتم وأمي ونفسي، كيف أصف حسن ثنائكم، وأُحصي جميل بلائكم، بكم كشف الله عنا غمرات الكروب، وانقذنا من شفا جرف الهلكات، وبات شعبنا يعيش على امتداد هذه الأرض، آمناً مطمئناً عزيزاً كريماً… بكم أنتم أخرجنا الله من الذل، بدمائكم، بتضحياتكم، بشهدائكم، بجرحاكم… أخرجنا الله من الذل، في كل امرأة وسيدة منكم تسكن روح زينب.. في رجالكم إيثار العباس الذي رفض أن يشرب الماء، وفيكم روح أبي عبدالله الحسين…”. مقتبساً، بل ناقلاً بالنص، مقاطع من الجامعة الكبيرة التي يهتز لها العرش، فيسنُّ أن تقدَّم وتسبق بمئة تكبيرة، حذر الغلو وخوف غلبة المعاني والأوصاف على موجدها، وتفوُّقها على وَاهبها جلَّ وعلا…

ودعنا عن الرؤى والأحلام، أو الإلهامات والمكاشفات، والاتصال بالشهداء أو الأموات..

في الحديث الشريف “لا يكون الرجل منكم فقيهاً حتى يعرف معاريض كلامنا”… ونحن هنا أمام فهم يقفز على ظاهر ألفاظ الزيارة والمدلول المباشر لها، فضلاً عن أعماقها التأويلية، ومراتب الإشارة والربط فيها، و”معارضيها”! فإسقاط “الذل” ـ مثلاً ـ على هذا المعنى الساذج، قراءة بعيدة كل البعد عن قيَم الدين ومعايير السماء، فالذل لا يتحقق بالهزيمة والأسر والعجز وغلبة العدو، كما لا يرتفع بالانتصارات والأسلحة والصواريخ، ولا بعدد المقاعد النيابية والحقائب الوزارية، ولا بالمال والجاه، ولا بالنفوذ والسلطة. وما تراه من آثار ذلك وتشهده، هو من انحطاط هذه الدنيا الدنية، وغلبة الباطل على الحياة فيها، ومن النزول على شرائطها وقوانينها. والإلهيون في دعوتهم ورسالتهم، أول ما يُبطِلون هذا الباطل، فلا يرسخونه ولا يجارونه وينزلون عليه! إنما ينال الإنسان عزه ويحقق نجاته ومجده، ويخرج من الذل وتفرج عنه غمرات الكروب بموالاة آل محمد، بهم هم لا بغيرهم يكون ذلك.

لقد أسقط السيد هنا كلمات نورية ومعان ملكوتية عرشية، على أُفق دنيوي ضيق، وأخذ مخاطبيه وأبقاهم في قيودهم المادية، مكبلين بأصفاد ترتهنهم، بدل أن يحرِّرهم وينقلهم إلى آفاق القيم والمعاني، ثم المعنويات والروحانيات، ويعمل بهدي الأنبياء: “يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال”.. وهذه جريمة، لكنها لا تقاس بالأُخرى، الجريمة الكبرى والكارثة العظمى…

هل الشهداء يا سيدنا الجليل هم الذين أنقذونا من الذل؟ هل يجوز لك أن تستبدل الأئمة المعصومين الأطهار، واسطة الفيض الإلهي، وأصحاب الولاية التكوينية، ببشر عاديين؟! نعم، لستُ ملغياً الأسباب، ولا ناسفاً السير الطبيعي للأُمور، فالشهداء وتضحيات المجاهدين، قد تقع في سلسلة العلل، وتكون في الأسباب والمسببات، ولكن الكلام في توظيف النص وسرقته، في هذه الجرأة على الله ورسوله والأئمة الأطهار، جرأة يهتز لها العرش ويكاد أن يطوى الفرش.

أتعلم إنك فتحت الأبواب للمتملقين وشرعت السبل للمداهنين؟ وأقمت سوقاً للمراء والنفاق، يتنافس فيها المستأكلون، فصاروا يزايدون ويتسابقون في هتك مقامات الأنوار المعصومة وابتذالها، بنسبة عناوينها وأسمائها إلى غيرهم! فصرت أنت “حسين العصر” وصار السيد القائد “إمام الزمان”! وهنا ليندب النادبون وينادون بالويل الثبور وعظائم الأمور.

ودع عنك هراء الاعتذار بالاستعمالات المجازية، وتسويلات الشياطين بمزاعم صيغ البلاغة والاستعارة والكناية، وما إلى ذلك مما تروِّجه عمائم أنت أدرى بقيمتها العلمية، وأعلم بافتقادها أدنى مراتب التخصص والأهلية، فهؤلاء بطانة خبال، وهم أرباب دنيا، يلاحقون مصالحهم ويحرصون على مناصبهم وشهرتهم، لا يبالون بقبرك الذي ستنزل فيه وحيداً، ولا يكترثون لنشرك وحشرك… فالأمر في واقعه وحقيقته فوق ذلك وبعده، ولك أن تتدبر فيه عبر فرض وسؤال: هل يجرؤ أحد هؤلاء المتزلفين أن يقول فيك “محمد العصر”؟! والله ما كانت دار الفتوى لتتركه إلا بتراجع وانسحاب، ثم اعتذار وتوبة، ولا جماهير طريق الجديدة إلا بسبٍّ وهتك لا يبقي له بقية، ولا أهل طرابلس إلا بقصاص شرعي وإعدام…

فما بالنا نبتذل مقدساتنا ونهتكها، ولا تأخذنا الحمية على أئمتنا وولاة أمرنا؟ وعليٌّ عندنا نفس رسول الله، والحسين ذاته في عصمته وولاية ومكانته، وكذا باقي الأئمة الأطهار، فأولهم محمد وأوسطهم محمد وكلهم محمد.

وما دامت الحقائق صارت تعرف بالرجال، ولم يعد الرجال يعرفون بالحق، دعني أُحجك بحديث السيد الخامنئي، مرجعك في دينك ومن تأخذ منه أحكامك، وهو يصف ما يقوم به بعضهم من الغلو في شخصه، ويرسم الحد في هذه ـ التي غدت بسبب رواج الجهل ـ معضلة، وأصبحت مدخلاً للفتنة، يقول:

“إن الرعشة (القشعريرة) لتتملك بدني من أُناس يذكرون الاسم الأقدس لأميرالمؤمنين أو اسم ولي العصر، ثم يعقبون ذلك بذكر اسمي. يرتجف بدني، من اقتران ذكر حقائق النور المطلق بي أنا الغارق في الظلمة. أنا نتاج (نبت) دنيا اليوم الملوثة، أين أنا من أصغر تلاميذهم وأقل أصحابهم، أين أنا من “قنبرهم” (مولى أميرالمؤمنين)، أين أنا من تراب أقدام عبدهم الحبشي (جون) الذي استشهد في كربلاء؟! نحن لا نساوي عبيدهم”!

إنني أدعو أخي العزيز السيد حسن، رحمة به وشفقة عليه، ورأفة بالشيعة الذين يرونه قدوة وما زال يأخذ فيهم موقعه من التأثير، أن يبادر إلى سحب مقولته هذه، واستدراكها بما يصحح هذا الخطأ الجسيم والذنب الشنيع، ويأمر بأن يكف الناعقون عن نعيقهم، ويعيد بناء الركائز العقائدية في الحزب على أُسس ولائية صحيحة، وعقائد إمامية قويمة، تفصل هذا المسار المقدس، وتنزِّهه عن حركة الضلال، وتنأى به عن الحداثيين الهاوين الغاوين.

واعلم سيدنا الجليل، أنك كلما خضعت هنا وتذللت، وأظهرت العبودية والرق، وارتديت لباس المسكنة والفقر، سموت وارتقيت، ونلت من العزة ما لا تنال منه هزيمة، ولا صلح واستسلام، ولا قتل وتشريد، ولا خضوع للعبيد، مما كان وما زالت تدور عليه رحى الأيام في دولة الباطل، ويعاني منه المؤمنون المستضعفون في كل مكان، وعلى مدى الزمان… ستكون عزيزاً، لا في نظر العروبيين وقضية فلسطين، بل عند الأولياء وسكّان السماء، فالعزة لله ولرسوله وللمؤمنين، لا لغيرهم، وإن كانوا حكاماً وسلاطين، وأقوياء مسلَّحين، تنفذ أوامرهم وتجري قراراتهم على الدول وتقهر الشعوب.

اللهم كفَّ عنَّا بأس الذين كفروا فإنك أشد بأساً وأشد تنكيلاً

————-

ملحوظة: إنما أنشأت هذه المدونة على الرغم من تحفظي على العالم الافتراضي وعزوفي عن ميادين الفضاء الألكتروني، حتى أحفظ ما أكتب من العبث والتحريف، وأن ينسب إليّ ما لا أقول أو أتبنى… فكل مقالة لم تدرج وتنشر في هذه المدونة، خارجة عن الاعتبار والمسؤولية.

Posted in

التعليقات