عندما يغلب سوء السريرة وفساد النية، ويستولي الشرُّ على قلب امرئ ويغمر القبحُ باطنه، يظهر في وجهه خزياً وللملأ فضيحه، وها قد سوَّد الله وجه قصير… وعلى الرغم من العبارة المضحكة والطرفة السمجة التي يسوِّق بها لسيِّده ويستخف بها عقول العوام: “السيدان العليان الحسينيان”، فما إن حكمت الفرصة ليطعن في الظهر، حتى بادر، ولم يترك ما سنح دون توظيف مريض واسخدام مبتذل، فنال من حوزة النجف الأشرف وتطاول على المرجع الأعلى، وراح يعيِّر العراقيين بخيار الدولة المدنية ويشمت بهم لترجيحها على الإسلامية.

هكذا نزى على منبر الوعظ، واستوى على كرسي النصح والإرشاد، وراح ينظِّر للعظماء ويوجِّه الأشراف، وقد قدَّم اسمه ووقَّع على بيانه بـ “سماحة”! ولربما ألقت عاهرة محاضرة في العفة، ودعت راقصة إلى الحياء والحشمة، وردَّدت قين:

“أنا التي أمشي كما يمشي الوجي، يكاد يصرعني تغنجي، من جنة الفردوس كان مخرجي”…

لا يخفى أن الرجل بين غلٍّ يضطرم على المرجعية، وحقد يتفجَّر على الأصالة، وعلى كل ما يَفقد ولا يفتقد، وبين صفاقة وصلافة لا تكون إلا في ميِّت الإحساس ومنعدم الضمير والذمة، مما ملأ بطنه من حرام، وعاقبة سوء من فرط ما أساء، فما عاد يبصر نوراً ولا يعي حقاً أو يرشد صواباً.

بين الدولة الدينية ودولة الهر قصير عموم وخصوص من وجه، يلتقيان في الاسم والعنوان، ويفترقان في كلِّ ما خلا ذلك وعداه (اللهم إلَّا ما يخدم بقاء الإطلاق واستمرار الشبهة في أذهان العوام)، ولولا ذلك لظهر التباين، وحكم به القاصي والداني…

والحق أنك، بعد الإسم، لا تجد في إيران أندية قمار ومواخير بغاء ومرابع ليلية وخمارات علنية، ولا تجد سافرات… ولكن هناك رقص “شرعي”، وموسيقى وغناء “شرعي”، ومتبرجات أشد فتنة من السافرات! وفي إيران تمارس المرأة جميع أنواع الرياضة، فتركض وتهرول وتتدحرج وتستلقي على الأرض، ولكن بثوب ساتر، فبماذا اختلفن عن الراقصات في ملعب محافظة كربلاء؟ غير وجود الحرية التي تسمح بالاعتراض هنا، والبطش والاستبداد الذي يكبت ويقمع هناك؟!

في إيران يحاربون الله ورسوله جهاراً، فالنظام المالي والمصرفي ما زال يرتكز على الربا، ضاربين قوله تعالى “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله” عرض الجدار. وفي إيران تمييز عرقي يقدِّم الفارسي على غيره، والإيراني على “الغريب”، فالأرمني المسيحي أو البلوشي الوهابي الذي يحمل الجنسية الإيرانية هو أشرف وأعز، في نظام الجمهورية الإسلامية، من العراقي والبحراني الشيعي، ولا تسل عن الأفغاني! في إيران اليوم قهر ودكتاتورية تناهز، ما كان في عهد الشاه، فالثورة أكلت أبناءها وما زالت تطارد أصحابها، فهذا الشيخ الكروبي رئيس مجلس الشورى والسيد ميرحسين الموسوي رئيس وزراء الخميني، الذي قاد الجمهورية في أحلك ظروفها، وخرج من السلطة كما دخلها، طاهر الذمة نقي الثوب، عجزوا أن يتهموه بدانق سرقه أو تومان أثرى به… رهين معتقله وإقامته الجبرية، لمجرد طعنه بنتائج الانتخابات وأن فوز خصمه أحمدي نجاد كان بتزوير فاضح! أما الإنجاز الأكبر للدولة الدينية، فهو مكان إيران في جدول الفساد ومؤشر الشفافية العالمية، فقد جاءت الجمهورية الإسلامية في الترتيب الحادي والثلاثين بعد المئة (١٣١) عالمياً من بين 176 دولة!

وبعد، فالدولة الدينية التقت مع الاستكبار العالمي في إنهاء استقلالية الحوزة العلمية الشيعية وجعلها تابعة للنظام الحاكم، في خطوة عجزت عنها الملكيات الصفوية والقاجارية والبهلوية! وهي تمارس تضييقاً غير مسبوق على المرجعيات، وتقوم بالتنكيل بأيِّ طالب علم يأبى سيطرة الدولة على الحوزة وإخضاعها لإرادتها وإدارتها.

والدولة الدينية التقت مع العلمانية الكافرة، أي حزب البعث العربي الإشتراكي في محاربة الشعائر الحسينية، وقد قمعت المطبرين بوحشية، وما زالت تضيِّق على المعزين، وتعمل على توغل المخابرات في الهيئات والحسينيات، تسعى من خلال ذلك لتشويهها والإساءة إلى الشعائر، تمهيداً لإنهائها بجميع أشكالها.

والدولة الدينية جنَّدت الحبتري وحب الله وعشرات الفرق والمجاميع ومراكز البحوث والدراسات التي ترعاها وتمولها، وجيشاً خفياً وذباباً ألكترونياً، زودته براجمات وقذائف وصواريخ ومعاول، ليهد البنية العلمية الشيعية ويقوِّض قواعد استنباط المعارف الدينية، لصالح نهج هجين ومدرسة لقيطة وضع أساسها سيد قطب وحسن البنا.

هذا في الدفع بالنقض، أما في الحل… فإن الشعب العراقي لم يطلب الدولة المدنية بقدر ما رفض ولاية الفقيه المزوَّرة، ولم يتبنَّ النظام العلماني بقدر ما كان عاقلاً في إدارة معركته، حكيماً في تدوير زوايا صراعه مع أعدائه، حين أجاد قراءة إمكانياته، وأحسن تقدير قوة أعدائه، فنظَّم الجبهات، وتراجع عن الدنيوية (المنهوبة المستلبة على أية حال) لصالح الدينية التي دونها الدفاع والجهاد، عسى أن يكسب حسنات الدولة المدنية ويوظفها لإنعاش الشعب وإخراجه من ظلم واضطهاد تراكم عليه أربعة عشر قرناً. ولا يعنيه، بعد هذا أن يتنطَّع فاسق حاقد ويعيب عليه خياره..

وطالما كانت حركة الدجال عوراء، تطرح نصف الحقيقة…

ولو أنصف لعاب حزب الله، أم تراه لا يدري لأيِّ أنظمة الحكم يدعو الحزب؟! هل لحكومة دينية أم مدنية؟ وهل هو في طور الدعوة والفكرة أم تجاوز ذلك إلى العمل والانخراط الفعلي في الدولة المدنية؟! ولو كان من “السابقين” لسجَّل المفارقة وعاش تراجع الحزب، في أدبياته كما في واقعه، عن مقولة الدولة الإسلامية، وعن “لبانستان” منذ أمد بعيد! حتى أنه خذل حراكاً شعبياً عفوياً للنهي عن المنكر وقع منذ أشهر في “البازورية”، مسقط رأس أمينه العام، حين نهض أحدهم لمنع بيع الخمور وترويجها، فوقف حزب الله على الحياد، بل فيه من أدان الحراك على تجاوزه القانون وتعديه على الحريات!

وقد بلغ الحزب من “المدنية” أن جمَّد نشاط أو عضوية أحد نوابه (نواف الموسوي) لأنه تطاول على نائب حزب الكتائب اللبنانية، ابن بشير الجميل، فكأنه استعاد ذكريات التموضع الديني والإسلامي، فعوقب لصالح الوطني والمدني!

كما كان الذباب الألكتروني في جيش الدولة الدينية يرمي المرجع الأعلى بالقعود عن الجهاد والخيانة والعمالة للإنكليز والأمريكان في عدم الاصطفاف مع المقاومة المسلحة… فخمد وخرس بفتوى الجهاد حين حان أوانه الحقيقي وجاء مورده الصحيح، كذلك سيخرسون وتخمد أنفاسهم لما تعلو صرخة الشعب الإيراني الذي يتمنى وقف الإتجار بالدين وإنهاء تشويه المذهب، ويحلم بإنهاء الاستبداد الديني الذي سلَّط عليه هذه الحثالات، من سماسرة البلاط وعملاء المخابرات.

Posted in

التعليقات