لست أدري هل وقع التعاطي مع الوباء كورونا في الإفراط وطالته المبالغة والمغالاة، ما أدخله في التهويل وبث الهلع والترويع، أم أنه لم يلق حقَّ عنايته والواجب من رعايته، ولحقه من التغافل والتفريط، ما أفسح للتمادي والتفشي والاستفحال. إنَّ الصخب الذي يضجُّ به العالم، وحجم التداول الكبير في هذا الشأن، يخلط الأُمور على المراقبين، ويطيش ألباب الألبَّاء والعقلاء المجربين، ولا سيما مع حصر المعطيات الحقيقية، وحكر الأخبار والمعلومات الصحيحة، وإبقائها خفية في نطاق ذوي الشأن والسلطة.
شخصياً أرجح أنَّ هذا الوباء مؤامرة، وأنَّ حرباً جرثومية وظَّفت سلاحاً مبتكراً من السموم المتطايرة أو الفيروسات الفتاكة المتحايلة، تتوغل في بدن الإنسان فتنزل به المرض أو الموت الزؤام. ولكنها ليست حرباً ضد إيران، ولا مؤامرة تستهدفها، ولا شيئاً مما ينطلق من رؤية ترى في الجمهورية الإسلامية محور الدنيا (والآخرة) وقطب رحى الحركة والصراع بل والوجود! ولعمري، ما قيمة إيران وعبثها السياسي؟ ما خطر الشغب الأمني والإعلامي الذي تثير؟ وما قدر الشيطنة العسكرية التي تقود، مقاومة شريفة وممانعة محقَّة كانت، أم مناورة وضيعة وخدعة باطلة أضحت؟ فإيران ـ على كل حال ـ رقم ملحق بالنظام العالمي، وصفحة في ديوانه وكتابه، منخرطة في المنظومة المهيمنة، وجزء من حكومة العالم الخفية. أما الصعاب التي تلاقيها، وما يظهر حصاراً وحرباً تستهدفها، ومحَناً تنصبُّ عليها، فهي بين إعلامية استعراضية، وأخرى مما يترتب على مساعيها لتحسين موقعها في هذه “المنظومة”، ومن تبعات تطلُّعها لمكانة متقدمة فيها، فصار عليها أن تدفع ثمن ذلك وتنتزعه انتزاعاً. لم تخرج إيران الحركة الإسلامية من “المنظومة” يوماً، ولا خطت في طريق إسقاط النظام العالمي خطوة!
وفي الخطاب الأصيل الذي يتجاوز السائد الحاكم، والقول الحقِّ الذي يخرق أردية الباطل ويزيل الغشاوة المفروضة على الأبصار والبصائر، الذي يصدح بالهدى ويصرِّح بالرشاد، فإنَّ هذا النظام العالمي المهيمن، لا يبالي أن يغلب هذا أو يُهزم ذاك، ولا يكترث إن سقط نظام سياسي قائم وجاء بديل عنه، أو قاوم واستمر، ومضى في استنزاف شعبه، وتقويض بنية بلده، وتبديد ثروته وخيراته. ولا يعبأ ارتفع سعر النفط أم تراجع إنتاج الغاز. قفز الدولار أم سقطت الليرة والتومان. زاد محصول القمح والذرة أم تلف الأرز وفسد التمر! حتى ما يظهر كثوابت، أو أرقام ذهبية، وخطوط حمراء في هذه المعادلة، من قبيل وجود إسرائيل، ومرجعية النظام المصرفي، والتحكُّم بمصادر الطاقة، واحتكار أسرار التكنولوجيا، مما يُصنَّف في أُمهات القضايا ويُدرج في الأساسيات التي دونها الحروب، وفي الدنوِّ منها الإحتراق وقطع الرقاب، فإنَّ ذلك كله لا قيمة حقيقية له! ويمكن استبداله وتغييره، والرجوع عنه لصالح رؤى ومعادلات جديدة. ولك ـ مثلاً ـ أن تتصوَّر ما أرادته الشيوعية العالمية يوماً، والخطاب التغييري والثوري الذي حملته وسعت فيه وبذلت له، وكيف أنها كانت مع كل ذلك التمرد والعصيان، رقماً في “المنظومة”، ووحدة في “المصفوفة”! إن للشذوذ والطيش، والاندفاع والمغالاة، دوائر حسبت لصولاتها، ونطاقات أُفرغت لجولاتها، ومساحات خُصِّصت لاندفاعاتها، فإذا انجابت غمامةٌ يوماً حتى زال ظلُّها، فسيعود في المآل خراجها، فلا تأس على ما فات هنا، ولا تفرح بما أتى وتحقق! إن هذه الأنشطة السياسية، وما يتصورونه جهاداً ونضالاً، وعطاء ومعاناة، وفداءً وتضحية، ليست إلا بيادق وفرساناً وقلاعاً، تتقدم وتتأخر على رقعة شطرنج، وأوراقاً تلقى على مائدة مقامرة الدول الكبرى والقوى العظمى. لذا لا قيمة لها في عالم الحقائق.
وبعد العدوِّ الحقيقي للمنظومة الشيطانية المهيمنة على العالم، الوحيد غير المنخرط فيها، الوِتر الخارج عن مؤسساتها ومنظماتها، المفارق لسلطاتها وحكوماتها، الذي لم يدخل فيها ألبتة، ولم تلزِمه أيٌّ منها ببيعة قطُّ، “الرافض” و”المقاوم” و”الحر” و”المجاهد” الوحيد بتمام الكلمة والمعنى، والقول والفعل، أي مولانا الحجة بن الحسن صلوات الله عليه… فإنَّ الصراع الحقيقي يدور في عرصة أخرى، والمعركة الواقعية تحتدم في غير ميدان!
الحرب هناك، والقيمة الحقيقية للمواقف والأنشطة، ولكل شيء، هناك ولا غير. الحرب في تلك العرصة وذلك الميدان فحسب، في التحدي الأزلي الذي وقع عند بدء خلق الإنسان، مع التجلي البشري للنور الأحمدي، وفي الصراع الأبدي الذي جرى ومضى منذ تلك اللحظة، لحظة اعتراض الملائكة على خلق الأشباح الخمسة، وذهولها وانبهارها بالشموس الطالعة من تلك الغرر الساطعة، والأمر الصادر بالسجود لها، “وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة”، وقال “إني خالقٌ بشراً من صلصال من حمئ مسنون، فإذا سوَّيته فقعوا له ساجدين، فسجد الملائكة كلهم أجمعون”، حتى لحظة استكبار إبليس حين “أبى أن يكون من الساجدين”، و”قال أأسجد لمن خلقت طيناً”؟ وإلى أن بلغ في العصيان والكبر المدى، فتحدَّى الله واستمهله “قال أرأيتك هذا الذي كرَّمت عليَّ لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلاً”، وقال: “أنظرني إلى يوم يبعثون، قال إنك من المنظرين، قال فبما أغويتني لأقعُدنَّ لهم صراطك المستقيم، ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم ساجدين”!.. هنا الحرب، وما سوى ذلك وهمٌ وسراب.
القيمة هي في إرغام إبليس، وكلُّ القيمة في هزيمة تحديه التاريخي الممتد والمتواصل. ولا يكون ذلك ـ بطبيعة الحال ـ بالسجود لله سبحانه وتعالى، بل بالسجود لمن أبى واستكبر أن يسجد ويخضع له، أي لمحمد وآل محمد. ولا يخدعنك أولياؤه بتسويلاتهم وزخرف مقولاتهم بأنَّ كل إنسان يؤجر على قناعاته، ويحاسب على ما قامت عليه الحجة عنده، فالله تعالى لا يقبل ديناً ونحلة غير الإسلام، ولا يرتضي فرقة ومذهباً ونهجاً إلا الولاية لآل محمد. هذه هي الحرب الحقيقية. هنا الميدان، وغيره زيف وتغرير وزخرف وتزيين وخداع. والمعركة من الدقة واللطف، ما يوقع كثيرين في الخلط ويأخذهم إلى الخبط، فيحسب أنَّ في صلاته وصيامه وحجِّه وزكاته إرغاماً للشيطان، وانتصاراً لوعد الله وتحديه إبليس. وهذا المعصوم عليه السلام يخبر بأن الأمر هو الولاية لا غير. فعن أبي حمزة الثمالي قال: “قال لنا علي بن الحسين عليه السلام: أي البقاع أفضل؟ فقلنا: الله ورسوله وابن رسوله صلى الله عليهم أعلم. فقال لنا: أفضل البقاع ما بين الركن والمقام، ولو أنَّ رجلاً عمَّر ما عمَّر نوحٌ في قومه، ألف سنة إلاّ خمسين عاماً، يصوم النهار ويقوم الليل في ذلك المكان، ثم لقى الله عز وجل بغير ولايتنا، لم ينفعه ذلك شيئاً”.
إنها الحرب العقائدية، هنا الجهاد وهنا المقاومة، وهنا التضحية والشهادة، في تلقي السيوف التي تهوي على رؤوس حمَلة الحق، والصواريخ التي تقصف أعمدة وركائز الإيمان، والقنابل الفراغية التي تستهدف أعماقاً تدَّخر كنوز معارف آل محمد. المعركة التي تريد أن تهتز عقيدة المؤمن بالإمامة عن طريق المسِّ بآثارها ومقدَّساتها، وبكرامتها على الله، تستميت لتخلو هاتيك البقاع المقدَّسة من مرتاديها، فتتعطل معارج السالكين، وتصفر دور المعتكفين، وتخلو محافل الرثاء والبكاء من المعزين!
لهذه المعركة فحسب، أعدَّ الشيطان مليارات الجند الإنتحاريين، امتطوا جراثيم صنعوها وأعدُّوها، وراحوا يقتحمون الأبدان فيُنزلون بها مرضاً لا دواء له ولا علاج منه، ومليارات أُخرى تقحم الأذهان وتسكن في النفوس، تزرع فيها الهلع، وتوسوس بالشك في الدين وزعزعة اليقين!
وما أسهل عقد مقارنات ساقطة، وخلق مقايسات باطلة، تخلط بين القدرة والعظمة، وبين قواعد الطبيعة وقوانينها الحاكمة المطردة، وتربط بين عدم الفعل والعجز! وتهمل أصل الحكمة الحاكم على فعل المعصوم، كما على الحكيم المتعال. وكأن الله سبحانه الذي تُنتهك أحكامه في كلِّ لحظة، ويُستخفُّ بسلطانه في كلِّ آن، عاجز عن إنزال العقوبة بالعصاة والنكال والنقمة بالطاغين! أو غير قادر على تخليص المظلومين وفرض دينه وتطبيق شرعه ولو كره الكافرون.
في أجواء هذه الحرب ـ الوباء الذي أعدَّه إبليس، يرسل جنوده من أمثال ميثاق والبطريق ومومس الأحساء، يلبسون على المؤمنين ويغالطون في فهم الدين، فتخلوا العتبات المقدسة من الزائرين، وتتعطَّل المجالس، وتتفرَّق جماعات المصلين، وهنا ينتشي الشيطان الرجيم وينتصر أعداء الحق والدين.
هذا هو الهدف وهذا هو المستهدف، أن يدخل المؤمنَ الشكُّ في قدرة إمامه، لغلبة جرثومة وداء! ثم يحرم أداء أركانه حذراً من المرض والوباء، ثم عجز البصراء والعلماء الحكماء، أو قُل غلبة الجهالة وسطوة الإعلام، التي تحول دون إبلاغ الرسالة العلمية الصحيحة، وبث العقيدة الإيمانية السويَّة التي تفرز وتفصل، وتقطع الطريق على هذا الزيف والخلط والدغل والدجل.
إنَّ ما يهم الشيطان هو تعطيل المجالس الحسينية وإضعاف إحياء عاشوراء وتجميد زيارة الأربعين، ولن يتوانى عن حشد جنده واستنهاض أوليائه، ليحقِّق هذا الغرض، وإنْ لأيام معدودات وموسم عابر، ثم لغرسٍ وبذرٍ وزرع يلقيه في النفوس الضعيفة، ويشحن به الأجواء المريضة، سيرعاه ويتعاهده فيما بعد، ليثمر ضلالاً وينتج حصاداً يغذيه الحبتري وحبُّ الشيطان وورثة فضلته. وكما أنَّ سجدة واحدة يخرُّ بها المؤمن لربِّه على نهج وليِّه، ترفع صوت الرجيم بصرخة توَجُّع تملأ السماوات، وتصكَّ مسامع أتباعه وتذهلهم حسرة وتقطِّعهم ألماً، كذلك العكس، كل مجلس حسيني يغلق بابه، وكل وفد زائر يُصدُّ ويُمنع، وكل صلاة جماعة وشعيرة من شعائر الله تتعطَّل، تورث الشيطان البهجة والفرح والرقص والطرب.
غرقت الكعبة ورُميت بالمنجنيق، وغُزيت النجف وانتهبت نفائس الحرم العلوي بما فيها الضريح الشريف، وقُصفت قبة الرضا بالمدفعية في الحرب العالمية الأولى، وقُتل الحجاجُ بمكة والزوَّار بكربلاء في التدافع والزحام، وتفشَّت الأمراض والأوبئة بين المعتمرين والزائرين… وبقيت العقيدة في حُرمة المقدسات راسخة وكرامة أصحابها ثابتة، وهذه رمية شيطانية جديدة مدعومة بخطاب حداثوي وغطاء وإسناد عصري غير مسبوق… لكنها ستلقى مصير السابقات، وسينتصر الحق ومن يرعاه.
لن يخلي الموالون المشاهد، ولن يعطلوا المجالس، سيلتزمون توجيهات المرجعية والتكاليف الشرعية بوجوب حفظ النفس، ومراعاة الشؤون الطبية والأخذ بالأسباب الطبيعية، ولكنهم سيمارسون شعائرهم الدينية ويرغمون إبليس وجنوده.. والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين.
التعليقات