وفق رؤية بسيطة ساذجة، ومن إيمان عفوي يحمله أحدهم، كان يقيس الأُمور ويعادلها، فيقرِّر أنَّ الإمام الخميني عالم رباني ورجل إلهي مخلص، فلا بد أن تكون ثورته بعين الله، ومن المؤكَّد أن خُطاه برعاية صاحب الزمان، ما يعني أنه مُسدَّد لا يخطئ، وموفق لا يخيب. ومن هنا لم يكن هذا الثوري الغرير يبالي بخطب يعرض، ولا بنازلة تحل، ويذهب في تلقي الحوادث إلى قراءة قدَريَّة، تقود الثورة وتسوقها، نحو نتيجة حتمية هي الظهور الشريف، وتسليم الخميني الراية للمهدي عليه السلام! أُثيرت الفكرة يوماً حين حلَّ أحد معتقي الثورة، “السابقون الأولون” فيها، وهو مهندس تأسيس حزب الله أو عرَّابه، ضيفاً عليَّ في قم، فحاول بخبرته وحنكته أن يشرح لصاحب هذه الرؤية شططه ويبيِّن له خطأه، دون جدوى، وما زال به حتى كشف له، وكان حينها وزيراً للداخلية، أن من بين الوثائق التي عُثر عليها في ملفات السافاك بعد سقوط الشاه، تقارير كان يرفعها الخادم الشخصي “المخلص المتفاني” للسيد الخميني في النجف الأشرف، وفيها تفاصيل حركته ونشاطه، وأسماء الذين يلتقونه، وكل ما يتفطن إليه من معلومات يسترق السمع إليها وهو يدخل لتقديم الشاي! عندها فقط تنبَّه الثوري المندفع، أنَّ السنن والأسباب حاكمة، وأن الخفايا أكثر بكثير من الظواهر، والحقائق أعمق مما تبدو عليها الأمور، ولرُبَّ مقرَّب يفيض همَّة ويجيش حماسة، ورفيق ينضح براءة ويقطر نزاهة، هو خؤون جاسوس، وعميل مدسوس، موكَّل بهذا الدور، حتى تحين ساعة الصفر، فيؤدِّي مهمته ويضرب ضربته.
تداعت لي القصة، ورحت أستعيد فصولها، وأنا أرقب ما يجري على السيد جعفر مرتضى وهو في قبره، وكيف بدأت عملية منظمة لاغتيال الرجل بعد وفاته، وقتله في شخصيته ومصداقيته على يد حاشيته؟!..
هناك مَن يريد قتل السيد جعفر في تراثه، وإصابته في خلاصة حياته، والنيل منه في صفوة نتاجه، وإسقاطه في نزاهته وأصالته، ووعيه وبصيرته، وأنه من اللوث الفكري ما لا يميِّز الأصيل عن اللقيط، والخالص من الهجين!.. فالرجل أحدث حركة شكَّلت ظاهرة فريدة في العقود الثلاثة الأخيرة، يمكن أن تصنَّف نهضة ثقافية غير مسبوقة في عصرنا، تدرج في طليعة الحركات الشيعية المعاصرة، وتلحق بمصاف الوقائع المصيرية التي اختطت سيرة الشيعة ومصيرهم، ورسمت واقعهم في هذا القرن وصاغت مستقبلهم. وهي حركة أتت كصيغة تنفيذية، أو بمثابة مذكرة تفسيرية، وبسط وبيان تفصيلي لموقف الحوزة العلمية، تجاه الحركة الحداثوية الإضلالية، وتلقٍّ عميق لحكم المرجعية الشيعية ـ غير المسبوق ـ بضلال أحد أئمة الضلال، وتحسُّس ثم تعاطٍ متقدِّم في المسؤولية، اتخذ من الحكم مرتكَزاً ومنطلقاً، وأخذه ليكون منعطفاً مفصلياً تجاه المدرسة الحداثوية وحمَلة هذا الفكر، سواء بالقوة أو بالفعل. بصرف النظر عن رمزه وعنصره المعلن فيه، أي محمد حسين فضل الله، الذي طاله حكم المرجعية بالإدانة، فإن شخص الرجل لم يكن يعني السيد جعفر كثيراً، بقدر من يعنيه الفكر الذي يطرح، والستور التي يتعمد ـ وفق نظرية الصدمة ـ أن يهتك، والحمى الذي يستبيح، فيترك الثغر العقائدي دون سواتر وحصون، وجبهة الحقِّ بلا دفاع وقلاع، وباب البيت الإيماني موارباً، بل مشرعاً لمن خلفه من الشياطين…
ولم تكتسب هذه الحركة الثقافية والعلمية موقعها التاريخي اعتباطاً، ولم تحظ بهذه المكانة جزافاً، إنما رفعتها أُمور وأعلتها مقوِّمات، وأورثتها هذه المكانة وأضفت عليها هذا الخطر معالم، ميَّزتها من جهتين، الأولى: حجم الحركة وسعتها، الذي تجاوز مئة كتاب رصين متين! الثانية: مادة الحركة وموضوعها، الذي جاء مواجهاً لزخم خرافي تقف الجمهورية الإسلامية وراءه، سواء في ما يتطلَّع إليه خطابها الثقافي، ويستهدفه فكرها الحداثي من ترسيخ اللامذهبية، أو ما ترميه سياستها الماضية في مبدأ الاحتواء، ووجوب صهر وإذابة كلِّ حراك شيعي في بوتقتها التنظيمية، وصبِّه في حصادها وجنيها. وكان من الطبيعي أن ينشأ من هذا وذاك تزاحم، ويقوم تنافس وتصادم، فالسيد جعفر مرتضى بصدد ترسيخ الهوية الشيعية في أبناء الطائفة، ودفع الشبهات والطعون عن عقائدها، كما أنه يرفض الحزبية، ويعارض بشدة انضواء المعممين ورجال الدين في أي تنظيم. وهي حركة ضخمة كبيرة، لا مجرَّد مقالة عابرة أو حراك في وسائل التواصل، بل مادة كفيلة بنهضة تعيد بناء الثقافة على أُسسها الأولى، وترفع البيت الشيعي على قواعد أرساها الشهيد الأول والثاني، والمحقق الكركي، والحرُّ العاملي، وصاحب المعالم، والشيخ البهائي، والفتوني وأمثال هؤلاء العظماء، انتهاء بالسيد عبدالحسين شرف الدين والشيخ عبدالحسين صادق… نجوم متلألئة في سماء التشيُّع، طمسها حزب الدعوة، وأمجاد تليدة طمرتها السياسة، ومفاخر باذخة أودى بها عبث وأتلفتها فوضى رفعت الأذناب وهوت بالرؤوس، وأخَّرت الأشراف وقدَّمت الأوباش…
ومن الطبيعي أن تستفزَّ مثل هذه الحركة القوى المقابلة، ولا سيما الحزبية الحداثوية، التي تتحسَّب لأي منافس حقيقي وتهديد جدِّي قد يسحب البساط من تحت أقدامها. ولكن لما كانت مكانة السيد وما يتمتع به من صفات الزهد والتقوى، وأقصى مراتب سلامة النفس والنبل وصفاء الروح، إضافة لأدائه المتوازن، تمنع من قمعه وتحول دون إنهاء وجوده، لذا تقرر معالجة قضيته عبر المراقبة الأمنية والاحتواء السياسي، وذلك من خلال تطويقٍ يقطع الطريق على أي امتداد عملي للحراك، ومظاهر أو صيَغ تنفيذية للفعل والنشاط، ما يبقيه في إطار النظرية، والتدوين القاصر عن التطبيق، على الرغم من النجاح الكاسح في تلقيها، والتلهف في الساحة الشيعية عامة واللبنانية خاصة، الذي جذب القلوب إليها. ولكن يبدو أن الطرفين آثرا التنسيق والتفاهم، فتجنبا المواجهة وتحاشيا بروز الخلاف، الذي ظهر في أوجه أعقاب إصدار كتاب “مأساة الزهراء”، حيث أوفد السيد القائد مبعوثاً خاصّاً هو معاونه الأقرب إليه، السيد حجازي، فكان في منتهى الشدَّة والقسوة مع السيد جعفر، حتى رماه واتهمه بأنه أصدر كتاباً كله سباب وشتائم! ويحضرني كيف أسقط في يده لما طأطأ برأسه وأجاب بالنفي على سؤال السيد جعفر: هل قرأته؟ هكذا انتهى السجال سريعاً وانضبط عن التفلُّت والتفاقم، وللإنصاف فإن ذلك يعود لحكمة أظهرها الطرفان، فالسيد جعفر لم يكن يؤمن بالخصام ولا يريد الصدام، وحزب الله وافق وسمح للسيد بالنشاط العلمي دون العملي بطبيعة الحال… ومن هنا وقع الاختراق المنظم في حاشية السيد، سواء من قِبل الحزب أو من مكتب فضل الله، أو من الإيرانيين مباشرة، وصارت الأُمور وانتهت إلى تحكُّم وسيطرة شبه تامة على الحركة، ما أتاح لمختلف الأطراف وأفسح لها بمراقبةٍ تخفِّف احتقانها وتوترها، وتزيل هواجسها ومخاوفها، ولا سيما على صعيد خطر الاستقطاب الشعبي الذي كان يتهدَّد جميع الأطراف، ويحسب أن السيد سيعمد إليه. هكذا حوصر السيد بحاشية حسبت وحبست عليه الأنفاس، وضيقت عليه الخناق، ومنعته إلا من نشاط محدود لا يساوي عُشر طاقته واستعداده للبذل والعطاء. والحق أن السيد لم يقاوم ذلك، بل كثيراً ما كان يمتثل وينصاع…
رحل السيد رضوان الله عليه إلى ربه، وبدأت من الساعات الأولى لتجهيز جنازته وتنظيم تشييعه، مساعي إطفاء الشعلة الفكرية التي رفع، وإخماد المنارة الثقافية التي أضاء، وطي هذه الصفحة التي ينذر بقاؤها بزوال كيانات القوم، ويتهدد استمرار مشاريعهم الإضلالية… وأخذت تتلاحق هذه المساعي وتتكثف، حتى بدأت مؤخراً إثارات تُلحِق السيد جعفر بمدرسة الضلال! وتقرن بينه وبين فضل الله في إطراء السيد الخامنئي وتملُّقه، وكأنهما وجهان لعملة واحدة، فيسقط من قمته، ويهوي إلى حضيض ترى فيه كلَّ متردية ونطيحة من العمائم التجارية الحزبية.
المقرَّبون من السيد جعفر والبعيدون عنه على السواء، يعلمون ويعرفون جيداً، بالدليل والشهود والوجدان، بأن ما يُنسب إليه يدور في الكذب والافتراء، والهامش الضئيل والعام بمداليله التي لا ترقى لأدنى ما يرجون، كان تقية ومداراة، أو رعاية لمصالح عليا، لا قناعة ولا عقيدة. وما نحن فيه اليوم شاهد صارخ على الطوق الخانق الذي كان يحيط بعنق السيد رضوان الله عليه في حياته، وما كان يرزح تحت وطأته من الخيانة التي تعشعش في حاشيته، سواء في الذين ـ كانوا وما زالوا ـ يتلقون رواتبهم من حزب الله أو من فضل الله، فمن يسعى لإسقاط شخص السيد ومشروعه اليوم، لم يكن بالأمس صادقاً وهو يتحمَّس للولائيات التي يطرحها، ولا مخلصاً للثقافة التي ينشرها، إنما هي أدوار حانت بعضها، ولم يأن أوان بعضها الآخر.
لم يكن السيد جعفر مرتضى حزبياً، ولا كان يحمل فكر ومشروع السيد الخامنئي، ومن نافلة القول أنه ما كان يُرجع إليه في التقليد… نعم، لم يكن السيد معارضاً للجمهورية الاسلامية، ولا كانت تحدوه رغبة في الاصطفاف ضدها وضد المقاومة وحزب الله، وهذا ما كان يراه تجاه حركة أمل ورموزها أيضاً.. كل ذلك من معطيات سياسية واجتماعية بحتة، تدور في فلك الحرص على الساحة الشيعية والتمسك بوحدة الصف واللحمة الإيمانية التي كان رحمه الله في منتهى الحرص عليها والحذر من المس بها، بعيداً عن أي رافد ديني يغذي هذا التوجه، أو منطلق عقائدي يؤسس لذاك ويدفع باتجاهه. إن عقائد السيد جعفر مرتضى واضحة وجلية في كتبه وأعماله، وهي لا تلتقي بنهج الجمهورية وعقائد السيد الخامنئي البتة، ولكنه كان يؤثر التقية، وهي التي حملته ـ على سبيل المثال ـ على سحب كتابه حول المسجد الأقصى من التداول، لمكانة الفكرة ومحوريتها في خط الجمهورية الإسلامية والمقاومة، وكذا بعض مراسلاته وحواراته العلمية العقائدية مع أقطاب النصارى، حذر إثارات لا يحبذها الحزب، ولو نشرت لقطعت الطريق على تعظيم الشيعة لأيقونات وتماثيل الكنائس، وأيقظت تلك المؤمنة المحجبة ونبهتها إلى حرمة حمل الصليب، وهول الوقوع في الشرك عند التوسل بقديس نصراني وطلب الحاجات بشفاعته.
قيل لي بأن أفراداً سفهاء وعناصر هوجاء تتملق الحزب وتستجدي فضل الله، معدمة في تاريخها من أي جهاد، ومفلسة في ساحات العطاء، هي التي تزايد باسم السيد وتفتعل معارك تُكسبها حظوة هنا وهناك، دون تحريض وتدبير يكيد بالسيد ويستهدف اغتيال شخصيته… نرجو أن يصح منهم القول، وأن تقف القضية عند أهون الشريْن وأقلِّ الضررين.
التعليقات