في الحديث الشريف: “الفقهاء حصون الإسلام”، و“الفقهاء أُمناء الرسل”…

هناك حصن منيع قام على بنيان مرصوص، نبَتْ أحجاره على الفؤوس وهي تستقلُّ من صلد مقالعها، واستعصت صخوره على المعاول وهي تنتزع من صوَّان جبالها، فلم تقتلع وتنحت ليبنى بها إلا بشِقِّ الأنفس وذهاب الأرواح، يقابله نسج واهٍ من غزل عهن منفوش، كأن أصواف الخراف جُزَّت وكوِّمت، وقد عالجها الحلَّاج بالمندَف أو ضربها بالمِحْلاج، لترقَّ ويزول تلبُّدها، فتكون أخفَّ شيء وأطوع… فظهرت هنا قلاع وحصون، وامتلأت بإزائها جيوب وبطون! وهناك من بعدُ علماء أتقياء مستحفَظون أمناء، يقابلهم أجراء عملاء، دخلوا في الدنيا ولحقوا الرؤساء، واتبعوا السلاطين ووالوا الأمراء، أو هم سذَّج أغبياء، وجهلة لا يميزون ألفاً عن باء… هذا هو الجذر الحق في تقسيم حمَلة الدين، وتمييز الأوفياء الأصيلين عن الخونة المستأكلين.

انتشر قبل أيام تسجيل مصوَّر للسيد محمد باقر نجل المرحوم آية الله العظمى السيد محمد رضا الگلبيگاني قدِّس سره، يروي فيه قصة تُظهر كيف تكون القلاع والحصون، وكيف يتمثَّل في بعض أولياء الله ما أنزل سبحانه من حديد، فيه بأس شديد، وفي المقابل كيف هو كيد الشياطين وما ترمي من فجور وتريد من تضليل وتخسير… القصة عن وفد عربي (من تونس والمغرب) جاء يحمل عرضاً خلص إليه بعد مفاوضات لإعادة بناء مشهد بقيع الغرقد في المدينة المنورة، وأنه حصل على موافقة الحكومة هناك بشرط أن يتشخَّص البناء ويعنوَن المعلَم المنظور على أنه قبر الزهراء عليها السلام، وأنَّ الحكومة علَّقت تنفيذ موافقتها على إمضاء مراجع الشيعة على ذلك! وقد حصل الوفد بالفعل على موافقة أحد المراجع، الذي كتب لهم “هذا عمل حسن”، فلما قصدوا السيد الخميني رحمه الله وعرضوا الأمر عليه، أحالهم إلى السيد الگلبيگاني، وعلَّق موافقته على موقف السيد وما سيكون منه، وأنه سيمضيه مهما كان! وبالفعل قصد الوفد قم متفائلاً أن المشروع في طريقه للنجاح، وأن أُمنية الشيعة (وكذا السنة غير الوهابية) في بناء البقيع ستتحقق. قُدِّم العرض للسيد الگلبيگاني قدِّس سرُّه، وكانت المفاجأة الصاعقة في موقف السيد! الذي لم يرفض الفكرة فحسب، بل قال: “لو وافق جميع مراجع الشيعة على هذا الأمر، فإنني سأخالفهم وأعارضه! ولو اقتضى ذلك وبلغ التضحية بروحي لفعلت”! ثم بيَّن رضوان الله عليه أنهم يرمون شيئاً آخر، يريدون إسقاط وتكذيب حقيقة “المخفي قبرها”، فيقولون إنه بعد ألف وأربعمئة سنة اعترف الشيعة بأن قبرها معلوم، وها هو في البقيع، هكذا هي بقية عقائدهم، كلُّها مزاعم باطلة. واستدرك رحمه الله بأنه مع البناء إذا كان باسم الأئمة الأربعة عليهم السلام، وأنه سينهض بنفسه بالمشروع ولا حاجة لأموالهم، فإنَّ الناس سيتكفَّلون به، أما أن يكون المشهد باسم الزهراء عليها السلام، فهذا ما لن يسمح به أبداً.

وللقصة مداليل وحِكَم، وفيها دروس وعبَر.. ولربما جهل هذا الجيل وخفي عليه مَن يكون هذا السيد الجليل، وغابت عنه مواقف تاريخية تتفجَّر حكمة وخبرة، وتفيض إخلاصاً واستقامة، وتشمخ مجداً وتسمو عظمة… فالگلبيگاني لا حزب يهوِّل له ويضخِّم، ولا جماعة تختلق وتزيِّف، ولا أجهزة مخابرات تسوِّق وتروِّج، ولا ذباب الكتروني يدوي فيُشغل العالم بطنين دعايته وضجيجه! وهذه مقالة وحيدة، لن تغيِّر الحال، لكنها تبحث عن يقظة سعيدٍ، يتطلَّع لحبل ينقذه، وطوق نجاةٍ يُلقى إليه فينتشله، أو هي حجَّة تتم على مدَّع يستأكل بالدين ويتَّجر بالمذهب، وتتحرَّى منتكساً جحَد العهد وانقلب على الميثاق، “أن تقولوا يوم القيامة إنا كنَّا عن هذا غافلين”.

أول ما يُستخلص هنا، بعد التذكير بأنَّه قدِّس سرُّه هو الذي أدَّى الصلاة على جنازة السيد الخميني، فتأخَّر عنه واصطفَّ خلفه الخامنئي ورفسنجاني وجميع “فقهاء” النظام وعلماؤه… أنَّ السيد الگلبيگاني المصنَّف في الفقهاء التقليديين والمراجع “الرجعيين”، كونه لا يخوض ـ كما يفعلون ـ في السياسة، ويلتزم الأصالة في مناهج الاستنباط، ولا يعبث بالعقائد والأحكام، كان خيار السيد الخميني، أبرز المراجع المجاهدين، والوحيد في تاريخ العلماء الذي شكَّل دولة وأقام حكومة. ومسألة إحالته الوفد المفاوض إلى الگلبيگاني، في تلك القضية الحساسة، والشأن المصيري الذي كان سيشكل منعطفاً في تاريخ الدين والمذهب، مع تعهده بامتثال أمره والتزام رأيه والنزول على قراره… يُسقط مقولة أدعياء وراثته ومنتحلي المضي على نهجه، بأنَّ الفقيه غير الثوري يفتقد أهلية المرجعية، ويُبطِل مزايداتهم الفجة بأنَّ المجتهد لا يكون جامعاً لشرائط الفتوى والتقليد حتى يكون مثلهم وعلى طريقتهم، عابثاً بالأحكام، مفرِّطاً بالمقدسات ومستهيناً بالحرمات، ومسترخصاً الأنفس ومغامراً بالدماء!

من المواقف التاريخية لهذا السيد الجليل، أنه تقدَّم إلى رجال الثورة بعد دفن السيد الخميني مباشرة، برأي ونصيحة مؤدَّاها أن يختاروا من بينهم مَن يشاؤون لإدارة البلاد، حتى يُمضي، من موقع فقاهته، اختيارهم ويحكم بتعيينه، فيخلع عليه المشروعية، ليبقى النظام مشروعاً بعد الخميني، ولا يسقط في القهر والزور، والزيف والتزوير، الذي انجر إليه ووقع فيه… فأبى القوم وكابروا ورفضوا نصيحته، وعمدوا إلى صنع فقيه خاص بهم، وخلق مرجع على مقاس أهوائهم، ما أوقعهم في إشكالية جرَّت الكثير من البلاء والوبال والسفال، الذي ما زالوا يتقلبون فيه، ما خرجوا منه ولن يخرجوا عنه حتى يعودوا إلى ما تركوا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: “ما ولَّت أمةٌ أمرها رجلاً قطُّ وفيهم مَن هو أعلم منه، إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوا”.

وللسيد الگلبيگاني وقفة أخرى مع النظام الإيراني لا تُنسى، لما بلغت تدخلات السلطة، وشخص السيد القائد، في الحوزة العلمية ذروتها، وصارت مساعي سيطرتهم عليها في أوجها، حين عمدوا لتغيير مناهج التحصيل واستحداث مادة هزيلة يستعاض بها عن المتون المتينة والكتب العلمية المعتمدة… انتفض السيد رضوان الله عليه، وهدَّد بالخروج إلى الشارع شاقاً جيبه، اعتراضاً على هذا العبث الذي يتهدَّد سقوط الحوزة ومسخها! فخاف النظام، وتراجع، وأُرجأ عزم الحكومة إلى أن يتوفَّاه الله!

ومن المداليل الخطيرة لواقعة رفض بناء البقيع، انكشاف عمق الرؤية والوعي والبصيرة التي يتمتع بها هؤلاء العظماء، وكفايتهم المستمدَّة من العلم والفقاهة الحقيقية، والعدالة والنور الإلهي، ثم العناية والتسديد المهدوي، الذي ما انفكَّ يرعى “الحصون” الأصيلة ويحفظ “القلاع” النزيهة، منذ الطوسي والمفيد، وحتى السيستاني والوحيد، ما يؤهل هذه الطبقة ـ حصراً ـ لقيادة الأمة، ويجعلهم أقطاب النهضة ورعاة الحق، الذي يحفظ المذهب ويصونه ويحوطه ويدفع عنه، ويقوده ليوفَّق في إصابة مواقع البرِّ والصلاح، مما طاشت عنه سهام نظامٍ انقطع عن قناة الفيض، واستقلَّ عن السبب المتصل بين الأرض والسماء، فخُلِّي والسبيل الذي اختار، فراح في التيه، وسقط في حبائل الضياع والضلال، حتى مرق وبات على شفا جرف العلمنة وشفير الزندقة، وأصبح أسير نهج أخرجه عن الولاء لأهل بيت الوحي، وأضحى راية تدعو إلى غير الهدى وسبيل الرشاد، مهما زعمت الانتساب إلى علي، وادَّعت الرضا من آل محمد… إن هؤلاء المراجع العظام، بشيباتهم المقدَّسة، وانقطاعهم عن الدنيا وأهلها، وانزوائهم عن السياسة الشيطانية، وتنزُّههم عن الخوض فيها، يمثِّلون كنوزاً مدَّخرة، وثروات لا نظير لها ولا بديل عنها، فلا يفرِّط فيها إلا جاهل أرعن، يرى ظاهراً يحسب كلَّ شيء فيه، ومشهداً لا شيء بعده ووراءه، أو هو شيطان خبيث، يزويهم عن مواقعهم بحُجج تنطلي على العوام، ترويهم من آسن الشراب وتغذيهم بفاسد الطعام، تصوِّر أنَّ هؤلاء “الشيبة” لا يعرفون ما يدور في العالم، لا يتابعون أخبار الأزمات والحروب، ولا يفقهون شيئاً عن تقلب مؤشرات المال والأعمال، ودورة الصناعة وحركة التجارة والاقتصاد. لم يقرأوا سيرة جيفارا وماو، ولا يعرفون تاريخ البلاشفة والبوليفارية، ولا يميزون بين ثوار الباسك والجيش الجمهوري الإيرلندي والجيش الأحمر في اليابان… بهذه الترهات غسلوا عقول شبابنا فزووهم عن هذه القمم الإلهية المقدَّسة، وغرَّروا بهم بالحماسة والشجاعة، فأخذوهم إلى التهوُّر والاندفاع، حتى استلبوا عقولهم وأخضعوهم لمآربهم وروَّضوهم، ثم عادوا فكبلوهم بأغلال “المصلحة” التي تفرض الهدنة حيناً، وترك الثورة والتخلِّي عن الجهاد طوراً، فيُؤمرون عندها بتناسي مانديلا وتجاهل بوبي ساندز، وترتفع أسهم الدلاي لاما، ويمجَّد غاندي وتطلق حمامة السلام!..

وهذا يقود إلى المدلول الأخطر، وهو بشاعة وشناعة الجريمة التي ارتكبها محمد حسين فضل الله، ووقاحة وخسران الصفقة التي عقدها مع الشيطان حول مصائب الزهراء، قضية التشيُّع الأولى ومرتكز المذهب الأعمق… صفقة تراوحت سعتها بين نفي بعض فصول الجريمة، من قبيل كسر الضلع وإسقاط الجنين وإحراق الباب، وبين مزاعم الصلح وطي صفحة الخلاف على الأخرى الثابتة عنده، ثم إعلان العفو والمصالحة، ما انتهى إلى زعمه معلومية موضع القبر وإنهاء خفائه…

التسجيل المصوَّر للسيد الگلبيگاني، يثبت أن “المرجعية” الحركية، والقيادة الأبرز في ساحة الحداثوية الشيعية، كانت ـ وما زالت ـ تعيش انحطاطاً غير مسبوق في تضييع المسؤولية، وحضيضاً سحيقاً من تردي الوعي، وإفراطاً فاحشاً في تاريخ الشيعة، في الطيش والرعونة، هذا إن نفينا الخيانة والعمالة، وفي الفرضين هي جريمة عظمى، وتفريط بحقٍّ وأصل يمثل عمود خيمة المذهب، وركنه الركين، الذي يهوي السقف ويتقوَّض البيت بهزِّه، فكيف بهدمه وإزالته!؟

وممن يفتضح هنا بعد شخص الرجس وبؤرة الخيانة، جملة الإسلاميين الغارقين في اللوث والعبث، والسفه والإتجار بالدين، واستغفال المؤمنين، وهم يزعمون أو يرون أنفسهم في قمة النباهة والبصيرة، ويحسبون أنهم طلائع الوعي وقادة الأمة… الذين شيَّعوا جنازته وأحيوا نهجه، عظَّموا فضل الله وهو مَن أراد طمس التشيُّع، ورفعوا نعشه على الأكفِّ وهو الذي هتك الحجاب والسر الأعظم للمذهب!.. فرَّطوا بقبر أم الأئمة الأطهار وسيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، ثم يقدِّمون آلاف الشهداء، يزعمون أن ذلك لإنقاذ حرم السيدة زينب في الشام!

وحقَّ هنا الاقتباس من شقشقية المولى، والاستشهاد ببيت للأعشى الكبير، أعشى قيس: شتان ما يومي على كورها، ويوم حيان أخي جابر…

Posted in

التعليقات