هذا عام وقع فيه بلاء عظيم، افتُتن المؤمنون وزلزلوا، وخضعوا لاختبار عصيب وامتحان عسير، وعند الامتحان يُكرم المرء أو يهان، وقد أكرم الله مَن أكرم وأهان مَن أهان. فاز قوم وسقط آخرون، عثرت فئة وكبت جياد، سرعان ما استدركت وتلاحقت، فأقال الله عثرتها، نالها الغوث وامتدَّت لها يد الرحمة، فكتبت لها النجاة، جمعت شتاتها وقامت من كبوتها، نفضت الغبار عنها، وعادت إلى طريقها واستأنفت مسيرها. بينما قبع غيرها في حضيض عنادها، وأقامت على مكابرتها، فلبثت في الفضيحة ولبسَها العار الأبدي. ستر الله على بعض المؤمنين، وفضح آخرين، ظهرت عورات وانكشفت سوءات، حاص بعضهم حيصة، أراد منع المطبرين من دخول الصحن الشريف، لولا أن أدركته المرجعية وتدخلت فانتشلته وأنقذته، وبقي الأشقياء، يغالبون حبائل ارتضوها ومكائد جعلوا أنفسهم في طريقها، فاصطادتهم شباك الشيطان، وقيَّدتهم حبائل ولايته، فازدادت العُقد تركيباً والحبال التواءً وتقييداً، وضاق حول أعناقهم الخناق، فهلكوا بما عقصوا بأيديهم وفتلوا بأكفِّهم!

خاب مَن سقط وخسر مَن رسب، وأفلح مَن فاز وظفر مَن نجح… وإن أُصيب بعض الفائزين، فلحقتهم عدوى الوباء ونزل بهم المرض، فقد اتخذوه وساماً، وتلقوه تنقية وتطهيراً، وعلامة قبول وأمارة رضا، كمَن تثقل ضربة التطبير على رأسه فيشتد نزفه، أو تحترق يده وهو يعدُّ الطعام للمعزين، أو يعرض له عارض وهو في سبيل إقامة المأتم فيُعتقل أو يلقى حتفه، تنكفئ السفينة التي تحمله أو الوسيلة التي تقلُّه، فتنكفئ به في الجنة… فهذه العبادة، كما تعمَّق السند الكبير دام ظله وتألَّق، ليست كالصلاة والصيام التي يحكم عليها حفظ النفس ويحوطها منع الضرر والحرج، بل مثلها مثل الجهاد، مبنية على المشقَّة والكُره والضرر، وهو في قوامها وطبعها الأول… والناهضون بها ينادون: لا نامت أعين الجبناء.

الخطير الذي يهون في سبيله كل بذل ويرخص كل عطاء، النجاح في الامتحان والسعادة في أداء الواجب الذي خلق الله الشيعة له، أي إقامة عزاء سيد الشهداء، فيتلقَّى المرء كتابه بيمينه، لا بشماله ولا من وراء ظهره! ولا يسقط كما سقطت الخامنئية والأحزاب التابعة لإيران، هوت كلها، ولحقها ـ مع الأسف ـ غيرها، شرذمة غلبها السخف واجتذبها بريق السلطة والإعلام والشهرة، غرَّدت في رؤوسهم بلابل عار دفين، حسبوه مجداً غابراً أرادوا إحياءه، فتبرعوا بدمائهم النجسة، ليخمدوا فورة الجزع ويطفئوا نور التطبير، واحتجوا أنه مجرد خيار وبديل، وما هو إلا ثار طريد البصرة، وجد ضالته في فدم بليد!

هذا عام أُرغمت فيه أنوف وأُخزيت وجوه وعُجِّلت حتوف، طغاة وجبابرة انبروا لتحدِّي الحسين ومصارعة خدَّامه، قصم الله ظهورهم، وشياطين أرادت الاستعلاء والاختيال، فافتُضحوا وذلُّوا في أعقار دورهم، وقهروا حتى قطَّعوا أصابع الندم من عضِّها، وصعاليك يتبعونهم، يردِّدون مقولة أسيادهم، ويلحقون بجبهات أوليائهم، وهؤلاء لا سبيل لإسكاتهم، فقد خلعوا الحياء، وتمعَّكوا في الهوان، واقتيدوا بخزائم أنوفهم، قطعاناً وفرادى، يرقصون على ألحان أسيادهم، يجترون ما يُعلفون، ويخلِّفون وينثلون، وغير الروث لا ينتجون!

كانوا يزعمون تنقية الشعائر وينادون بتنزيهها، يدَّعون الحرص عليها والخوف من تشويهها، ويعيبون على الحسينيين الفوضى والعشوائية والارتجالية، وغلبة الحالة الشعبية، وافتقاد التخطيط والتنظيم! وإذا بهم يعلنون العجز عن تنظيم مجالس تستوفي الشرائط الصحية! وهم التنظيم الأقوى في العالم! كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً. مضوا في هذا وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنهم كاذبون، من أعلاهم إلى أدناهم! ولتشهد لهم بعد هذا إسرائيل، ويملي لهم إعلامها الماكر بما يغويهم، من صدق قائدهم، ويبعث النشوة في أنفسهم الواهنة، ويغلب السكر أرواحهم المريضة وعقولهم الركيكة، فتنطلي عليهم الخديعة، أو يتناغمون معها، بما يعينهم في إضلال جمهورهم، ويكفيهم في صناعة الوهم ومسيرة الضلال الذي يبثون وينشرون!

لقد انكشف وثبت بالحسِّ والشهود والوجدان، أنهم أعداء أصل العزاء وفرعه، يرفضون كافة أشكاله وأنماطه، حتى أدناه المتمثل في عقد المجالس والاجتماع للبكاء… ما صدَّقوا أن جاء الوباء، حتى تلقُّوه بلهفة المشتاق وترحيب المفتاق، هدية غيبية كانوا يبحثون عنها في الأرض فجاءتهم من السماء! وفرصة تاريخية يسجلون فيها سابقة، تفتح الباب من قابِل نحو المزيد، وتوفِّر حجة ينطلقون منها إلى تكرار التعطيل، فما وقع مرَّة وكان، جاز أن يُعاد ويكون، ولن يبخل عليهم إبليس بذريعة يخترعها وحجة وعنوان! هكذا بثوا الرعب والهلع في نفوس المتطلعين لإقامة العزاء الحسيني، واندفعوا في ملاحقة المجالس بالقمع والترويع، والتنكيل والتشنيع، يكبسون الدور ويرهبون أهلها، يهددونهم بسطوة القانون والغرامات المالية، وكل جريمة أهلها أنهم اجتمعوا ليذكروا مصاب الحسين ويبكوا فاجعته؟!

والحق أن الأمر يبعث على الدهشة ويورث الحيرة، أن يُستدرج مؤمن ملتزم حتى يسقط في هذا الوادي السحيق ويهوي في هذا القعر العميق، يضيع ويتيه فيخوض معركة، كان حياته كلها يصطف في الجبهة المقابلة لها، وينادي بنقيضها؟! كيف لشيعي أن يصطف لحرب الشعائر الحسينية ويلحق بأداء ناصبي حاقد، يأباه الكرام ويأنف منه الأحرار، من أية ملة كانوا، فإقامة الشعائر وممارسة المعتقدات الدينية، قيمة إنسانية ومُعطى وجداني، يتطلَّب جحده وإنكاره تسافلاً وانحطاطاً، وإغراقاً في الابتذال، فكيف بمحاربته ومنع أربابه عنه بالقهر والرعب!؟ مَن الذي استدرج هؤلاء فألقاهم في هذا الشقاء؟! والمفترض أنهم أطهار شرفاء؟ نفوس طيبة تعاهدتها يد الغيب بالرعاية، وهي نطف في الأصلاب، لتنحدر من طهر وتتولَّد من نجابة، حاطتها عبر الأسلاف ومن غابر الأزمنة والأحقاب بالحراسة والصيانة، لتصرف عنها اللوث وتدفع الدنس، فتأتي خالصة نقية، وتنحدر طاهرة زكية… كيف لها أن تهوي وتسقط بهذه الكيفية؟ فتتخلى طواعية عن عقائد قامت في سبيلها حروب وبذلت دماء؟ وتفرِّط بتراث دفعت الطائفة لحفظه أغلى الأثمان وتحمَّلت أشدَّ البلاء؟ كيف لـ”إمامية”، يرون “الإمام” أصل دينهم وصلب مذهبهم، أن يمتهنوه بهذا الشكل، فيخلعوا ألقابه ويسرقوا صفاته لصالح زعيم حزبهم؟! وهم الذين يكررون في أدعيتهم وزياراتهم، “فبلغ الله بكم أشرف محلِّ المكرَّمين، وأعلى منازل المقرَّبين، وأرفع درجات المرسلين، حيث لا يلحقه لاحق، ولا يفوقه فائق، ولا يسبقه سابق، لا يطمع في إدراكه طامع، حتى لا يبقى ملك مُقرَّب، ولا نبيٌّ مُرسل، ولا صدِّيق ولا شهيد، ولا عالم ولا جاهل، ولا دنيٌّ ولا فاضل، ولا مؤمن صالح، ولا فاجر طالح، ولاجبَّار عنيد، ولا شيطان مَريد، ولا خلق فيما بين ذلك شهيد، إلا عرَّفهم جلالة أمركم، وعِظَم خطركم، وكبر شأنكم وتمام نوركم، وصدق مقاعدكم، وثبات مقامكم، وشرف محلِّكم ومنزلتكم عنده، وكرامتكم عليه، وخاصتكم لديه”… وهناك مئات النصوص وآلاف العبارات التي تكرِّر هذا التفوُّق وتثبِّته، وتؤكِّد هذا التميُّز وترسِّخه، لا يحتاج معها أي متدبِّر ليكتشف أنها بصدد قطع الطريق على المقارنة والتشبيه، ومنع المقايسة والتمثيل، وأن الفذلكات السمجة التي تحكي برودة أوجه ملقيها، وموت الإحساس في متكلفيها، هي تعسُّف وتحايل شيطاني، يريد أن يسقط فضائلهم ويبطل تميزهم.

ولا ينقضي العجب إلا عند التنبه والتيقظ، بعد شيء من التمعن والتدبُّر، وبقراءة واعية تلاحق تفريطات القوم وسقطاتهم المهلكة، فينكشف الغطاء ويرتسم الخطاب وتزول الحيرة والاستغراب… ففي كتاب الله، في تأويل قوله تعالى: “وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع” ، وفي كتب الحديث التي يجاهدون لإسقاطها عن الإعتبار، مثل الكافي الشريف، أبواب بعنوان “ثبوت الإيمان وهل يجوز أن ينقله الله” وآخر في “المعارين”… تجد الجواب!

فعن الصادق عليه السلام:”إنَّ الله جبل النبيين على نبوَّتهم فلا يرتدون أبداً، وجبل الأوصياء على وصاياهم فلا يرتدون أبداً، وجبل بعض المؤمنين على الإيمان فلا يرتدون أبداً، ومنهم من أُعير الإيمان عارية، فإذا هو دعا وألح في الدعاء مات على الإيمان”. وعنه عليه السلام: “إن الله عز وجل خلق خلقاً للإيمان لا زوال له، وخلق خلقاً للكفر لا زوال له، وخلق خلقاً بين ذلك واستودع بعضهم الإيمان، فإن يشأ أن يتمَّه لهم أتمَّه، وإن يشأ أن يسلبهم إياه سلبهم”. ومن خطبة لأميرالمؤمنين عليه السلام: “فمن الإيمان ما يكون ثابتاً مستقراً في القلوب، ومنه ما يكون عواري بين القلوب والصدور إلى أجل معلوم”.

ببساطة شديدة، هؤلاء تخلوا عن إيمانهم وتراجعوا عن ”إماميتهم”، وهم اليوم ينتمون إلى مذهب يرسم قائدهم معالمه، وتحدد قيادة حزبهم شرائطه وضوابطه، فلا أسى ولا حسرة، إلى حيث وجههم وليهم الرجيم، إلى جهنم وبئس المصير. ولات حين مندم.

يقال أن قطاً دخل دكان حداد، فأصاب صدأ على المبرد حسبه أثراً للحم، فأقبل يلحسه، والدم يسيل منه وهو يبلعه، يظنه من المبرد، وما زال مستغرقاً في فكرته وفعلته حتى فني لسانه فمات.

Posted in

التعليقات