لا يُخفي أتباع إيران خوفهم من “الانعزال”، ولا يختلفون على الخطر الذي يتهددهم منه، فبه تُحاصر الثورة ويُحال دون تصديرها، فالقضاء عليها وخنقها في أرضها. ومن هنا يؤكدون على ضرورة الامتداد والتوغل في المحيط الإقليمي، والتواصل مع الفضاء العالمي، ووجوب العمل لتذليل الصعاب والالتفاف على محاولات التضييق والتطويق. وتلحق ذلك أو تسبقه المبادئ والشعارات الثورية، ومعاداة الاستكبار، وهتافات الموت لأمريكا وإسرائيل. وتنضم إليه الأصول العقائدية التي تفرض التبري وتحكم بعدم التولي، وتأمر بالتوجُّس والريبة، وتحذر من الركون، فالأخذ غيلة أو حيلة… كل هذا يرفد التضاد، ويصبُّ في حتمية الصراع. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، لا يختلف العقلاء في كون السياسة هي فن الممكن، وأن الأمر في مواجهة أمريكا أو الاستكبار المهيمن على العالم، محكوم بهذا الأصل.. ذلك بعد الإذعان بالبون العلمي والمسافة الحضارية التي تجعل الفاصل في السبْق والتقدُّم وحجم التطوُّر الصناعي والآلي يناهز قرناً كاملاً، ويحكم ـ بالتالي ـ بتفوُّق أمريكا السياسي والاقتصادي والعسكري، وانعدام فرَص الفوز في المعركة، وأي صراع مباشر. هذه حقيقة يعرفها كلُّ سياسي، ويعيشها كلُّ ثوري، مهما علا صياحه، وأرعد وأزبد، أو تفنن في استعراض قوته والتبجُّح بشعاراته.. فهو في موقع الفعل ومقام العمل، سيكون أرعناً سفيهاً إذا تجاوز معطيات تفوُّق العدو، وتجاهل قدرته على إنهاء المعركة من الجولة الأولى،، كل ما يسع القائد المحنَّك هو التعامل بذكاء، يناور على تقاطع خطوط المصالح، ويوظِّف نقاط الضعف ومواطن الحاجة. وهذا الفهم والإدراك متحقِّق في جميع المسؤولين الإيرانيين، وحاضر في الأحزاب التابعة لهم في سائر البلاد، لا يخالفه إلا إلهيون حقيقيون يطلبون الجنة، ويُدخلون المدد الغيبي والنصرة الإلهية عاملاً أساساً في محاسباتهم.. ثوريون مستميتون، وقل إن شئت استشهاديون أو انتحاريون، لا شأن لهم بالنتائج، ينطلقون في تحديد التكليف من نصوص وأحكام شرعية مباشرة، دون مراعاة لتأثير الظروف، أو دور لمصالح مرجوَّة ومفاسد محذورة.

من هنا، من عالم الحقائق والأرقام الواقعية والمعطيات الفعلية والخيارات المتاحة والإمكانيات المبذولة، يمكن محاسبة قادة الحركة الإسلامية من جهة، وزعماء الحوزة ورجال المرجعية من جهة أخرى، على أدائهم، وتقييم إنجازاتهم، ونتائج مواقفهم وأعمالهم… لا أحد يرى المرجعية معصومة، تحلِّق فوق النقد، أو مستغنية عن التوجيه والنصح، حتى العلني الإعلامي، الذي يخلق مداً جماهيرياً ضاغطاً، وتهديداً مقلِقاً للحاشية التي ترقب الشعبية وتلاحظ النجاح في كسبها وتحذر الفشل من فقدها.. ولكن الكلام في شخص الناقد والناصح، مدى صدقه أو لؤمه وخبثه، وخلفيات إطلاقه الاعتراض، وبالتالي الفرز والتمييز بين النقد العلمي الموضوعي، الصحي السليم، والآخر المغرض السقيم، الذي يريد التشويه والتسقيط!

منذ الأيام الأولى لتزكية الحوزة العلمية السيد السيستاني للمرجعية، الذي ما لبث أن اكتسح تقليده العالم فتعيَّن مرجعاً أعلى، والنظام الإيراني في قلق من تهديد يطال قيادة مرشده الروحي، ووجل على طموحه في زعامة الشيعة كافة. وفي امتعاض من حركة الحوزة ودورها ونفوذها في الأمة، بل انزعاج من وجودها، كموقع حرٍّ مستقل عن سلطة الدولة وهيمنتها، ومناعة عالية عن تأثير مخابراتها وشيطنة أحزابها، وقد صُنِّف هذا الخطر في المستوى نفسه الذي أُدرجت فيه حركات المعارضة (السياسية الناعمة، والإرهابية العنيفة) التي تعمل لإسقاط النظام!.. تحدَّث حينها الشيخ أحمد جنتي في صلاة الجمعة، وقذف المرجعية بأنها صنيعة بريطانيا، فلما رأى انسحاب المصلين من صفوف الجماعة وتسللهم تباعاً، ثم هاله (هو ووليُّه) حجم ردَّة الفعل في العالم الشيعي، عاد ليبدأ الصلاة في الجمعة التالية بالاستغفار وإعلان التوبة. وما زال صعاليك النظام الإيراني من قبيل الحبتري وقصير وسليم، يتعرَّى الأول فيكفر ويزخرف، ويفتري الثاني فيكذب ويحرِّف، ويتراقص الرعديد الثالث فيلفِّق ويزيِّف، يقبض الجنيهات الإسترلينية ليفور ويبقبق! والغزِّي من بعدُ، يشدُّ للإغراء خيمةً ويبسط مهاداً، ويبني للدعارة بيتاً ويمدُّ فراشاً، وقد انضم إليهم أخيراً حسين شريعتمداري، راح يدلي بمثقوب دلوه، ويزعب برشاه من ناضي بئره… يقيمون على هذا ويمضون، يمارسون على النجف والمرجعية حرباً خفية وعلنية، ويلاحقون كلَّ موقع ديني خارج سيطرة الحكومة الإيرانية، بالتشويه والتسقيط والهدم والتقويض، ليبقى القياد بيد ربَّان طهران، يأخذ السفينة نحو لُجَّة الطوفان، بل حيث تصطلمها حِمم البركان، إن لم تغرقها وتركسها تلك، صهرتها وقضت عليها هذه! وما زالوا يتحينون كلَّ فرصة، ويكرعون نقيع الغصُّة، كمن يريد درْس الحصاد بخطوة، وغرْف البحر بركوة، فلا يستطيلون أو يستطيعون، غير أن يباري فسْوهم الظربان، ويغلب نعيبهم الغربان… اللهم إلا أن يربط لغطهم على عيون أتباعهم، فيبقون صمّاً بُكماً عمياً لا يرجعون عن غيهم، يستمرئون الضلال ويفضلون حنادسه على شمس الهداية وصبح البصيرة!

وإذا أردت أن تعرف سرَّ غيظ الخامنئية وحسدهم المرجعية، فانظر في صحيفة أعمال السيد القائد وتأمَّل في “إنجازاته”، لتقف على نتائج مزرية، إخفاق متراكم وفشل متعاقب، وجبال من تكلُّف العناء ودفع الأثمان الباهظة دون مردود ومحصول يذكر، إلا البقاء في السلطة! وأول ما يواجهك كسِمة بارزة في نهج الرجل، ومعلَم واضح في طريقة عمله: إشغال الجبهة الشيعية الداخلية، وإدخالها في صراعات، إن لم تكن قاتلة مُهلكة، فهي مُضعفة مُنهكة، وذلك في سياقين تعاضدا على دفع النظام نحو الهاوية، الأول: عمليات تصفية وإعادة بناء قاعدة ثورية، تعتمد الحزبية بدل الشعبوية والحالة الجماهيرية، أقصت رفاق النضال وإخوة الكفاح، وخنقت كلَّ صوت ناقد أو ناصح، خضدت ما عداها من الأجنحة، ومحقت ما سواها من القوى الفاعلة في الساحة، وأبقت على مُحدثي النعمة والطارئين على الثورة، وقرَّبت المتزلفين المتملقين المستأكلين! فكأنها دسَّت السوس في صلب النظام وأساسه، وأفسحت لنخره وتفتيت بنيته. والثاني، وهو الأخطر: العمل على إقامة هيكلية عقدية مبتدعة للدين، تعتمد اللامذهبية، تأخذ شيئاً من العلمانية، وضغثاً من الوهابية، وكثيراً من الزيدية، لتخلص إلى إسلام بلا مذهب! وكان هذا منطلقها في استهداف الحوزة والأصالة، ودعم ورعاية، بل خلق عناصر الضلال وبؤر الفتنة، ومباركة أعلام التحريف والفرقة، والدفاع المستميت عن “المرجعيات” المزيفة، كل ذلك باسم الحداثة والتنوير، والإصلاح والتطوير.

فإذا فرغتَ من هذه الكارثة، وتدبرتَ في إنجازات الخامنئية على صعيد الجبهة الخارجية، والقضايا التي تراها مصيرية وأساسية، كالقضية الفلسطينية، وعمدتَ لمقارنة بسيطة، رجعتَ فيها إلى سيرة السيد الخميني رحمه الله، الذي عطَّل بخطاب واحد، قمة فاس 1981، التي عقدت في أقصى المغرب، قريباً من المحيط الأطلسي، وقلَبها رأساً على عقب، فختمت أعمالها بعد انعقادها بخمس ساعات فقط! وأنهت الجدول ببنده الوحيد: خطة الملك فهد لحل القضية الفلسطينية، دون اتخاذ أي قرار! وقارنتَ ذلك بسياسة الخامنئي و”فطنته”، و”أنفاسه الملكوتية” و”هيبته”، التي انتهت بفتح إسرائيل سفاراتها على أبواب إيران، وتغرس في خاصرتها خنجراً أرادت هي أن تشهره في الجولان وجنوب لبنان! لعرفت أبعاد الهزيمة وحجم المأساة. وكذا الحال في أدائه في القضية الآذرية، والتدبير الذي أدار الأزمة وتموضع في الصراع الأرميني ـ الآذري، بما أفقد الجمهورية الإسلامية حاضنة طبيعية لها، وأفسح للنفوذ الإسرائيلي، وسلَّط على إيران سيفاً يتهدد رأسها بالفلق و“التطبير” في أية لحظة يحين فيها الحين!

إنها عقدة البطولة والنجومية والزعامة، وهذا ما تراه جلياً في محاولته مجاراة الخميني في نبوءة سقوط الإتحاد السوفييتي وانتهاء الشيوعية، ومحاكاته في طريقته، حين خطب في الأيام الأولى لولايته، وتنبأ بسقوط النظام المصري في بحر عام أو عامين! وها قد مضت أكثر من ثلاثين سنة، ذهبت فيها النبوءة أدراج الرياح، بل حتى الربيع العربي، الذي قلبت عبره أمريكا النظام في مصر، وجاءت بالإخوان وحققت للخامنئي أحلامه، ما لبث أن سقط وانتكس، وعاد الحال إلى سابق عهده!

وبعد، فمن عطاءات “الحكمة” و”حسن التدبير” في الرجل، أنه قلَب الموقف الأمريكي وأدار وجهة الصراع الذي انشغل به الشيطان الأكبر، فأسقط لنا طالبان وأجهز على صدام، في واحدة من أجلى مظاهر الاستدراج الإلهي، والاستجابة لدعاء “اللهم أشغل الظالمين بالظالمين، واجعلنا بينهم سالمين”.. ليعيد الدائرة على الشيعة! ويحمل أمريكا على مواجهة مفرطة ما زالت تحاصر إيران وتخنقها، وتمد أعداءها وتعين المتربصين بها، بما أشرف بها على الاحتضار، وسيأخذها إلى هزيمة مؤلمة، إن لم تبلغ السقوط التام، فهي ستفرغها من جميع قيَمها ومبادئها، وتعيدها تابعاً كما كان الشاه… كل ذلك في سبيل التمسُّك بشعارات جوفاء، والاستمرار في مزاعم الصراع والعداء التي لا حظَّ لها في الواقع ولا نصيب في العمل! اللهم إلا تسجيل بطولات تُبقي على الشعبية، وتنافس في استحقاق القيادة وتثبت الأهلية!

ثم ينبري بعد هذا صعاليك إيران ويتهجمون على السيد السيستاني ويرمونه بافتقاد العمق والحكمة، بل بالسذاجة والبساطة، ويتهمونه بالتفريط بحقوق الشعب العراقي، لأنه وافق على نظارة الأمم المتحدة على إجراء الانتخابات، وكل ما يحول دون عزل العراق وحصاره، وإلحاقه بإيران في صراعها الأخرق مع العالم!

الحقيقة العميقة، البعيدة عن الدعاوى الفارغة والمزايدات الجوفاء، أن الخامنئي ليس ثورياً، تماماً كما هو السيستاني! هناك فارق واحد بسيط بينهما، وهو أن ذاك يتظاهر بغير ما يكنُّ وينهج، وهذا الآخر واضح في موقفه وفكرته، يصرِّح أنه لا يوافق على الجهاد المسلَّح ضد الوجود الأمريكي الذي كان سبباً في خلاص العراق من أسوأ كابوس عرفه في العصر الحديث، بينما يعلن هذا أنه في حرب مباشرة مع أمريكا، بجميع الأسلحة وعلى سائر الجبهات، ويفتي بالجهاد ضد التواجد الأمريكي في العراق والمنطقة! ثم يتَّصل بالأمريكان ليُخلوا قاعدة “عين الأسد”، فهو يريد توجيه ضربة انتقامية على مقتل الشهيد سليماني! فيا لله وللثورية!

لا أحد يثق بأمريكا وروسيا والدول العظمى، ولا بالأمم المتحدة ومنظماتها… ولكن هناك حكيم إلهي يدير الزوايا ويدبِّر الأمور بما يجنِّب شعبه الويلات، ويخلِّصه من بطش الطغاة، وينجيه من فقر يورث الكفر، وفي المقابل هناك نزِق مُكابر، أقعس، يتقدَّم صدره ويتأخر ظهره من فرط زهوه، بلغ به العناد مبلغ مَن خاصم زوجته فجبَّ نفسه!

ترى، كم عساه سيحصل التيار الخامنئي من مقاعد في مجلس الشورى أو مجلس صيانة الدستور، لو قيِّض للانتخابات الإيرانية جهة رقابية تشرف عليها بنزاهة وحياد؟! بالله ماذا لو خضع الخامنئي نفسه لاستفتاء شعبي، هل ستتجاوز شعبيته ٥ أو ١٠ ٪؜ في أحسن الأحوال؟! هذا ما يخشاه شريعتمداري، ويقلق الصعاليك الذين ينتقدون المرجع الأعلى، ويتهجمون على الحوزة العصيَّة على الدولة،، لا غير!

Posted in

التعليقات