كان يحسب العزاء على سيد الشهداء يعود، بعد عشرة عاشوراء التي يحييها جميع النجباء، ليصبح شأن الخواص، النخبة العارفة، والصفوة الخالصة، يمضون فيه “عشرات”، تمتد بهم الموسم حتى الأربعين، بل نهاية صفر… لكنَّ وقفة ألقته في فكرة، وتدبُّراً أخذه إلى نظرة، خلصت إلى أنَّ هذا الاطراد والاستمرار مبذول لكافة المؤمنين، متاح لجميع الموالين! ومن هنا، فإنَّ للخواص عزاؤهم: موسم بعد الشهرين، يمتد العام كلَّه، ويدوم متصلاً مدى الأيام بلا انقطاع ولا نفاد!.. ثم لزمته وقفة من خاطر عرَض له، راحت نفسه تُسائله، وأخذ ضميره يؤنِّبه ويحاسبه: أنزْعَة سبْق وتفوُّق هي ما حمل إليه هذه الفكرة؟ طبقيةٌ خفية تحدوه للالتحاق بأعلى مراتبها وأرقى مدارجها؟ فبعضهم يكون مثل هذا التميُّز دنياه وفتنته، ومحل الامتحان من هواه وشهوته! عوام وخواص، نخبة وسواد؟! والأمر عبادة، شعائر ندَب إليها الدين، وهو سواء لكافة المؤمنين؟! لكنه عاد ليراها بنيِّر فكره ويرمقها بعميق تدبُّره، فيسجَّلها حقيقة استنبطتها يقظته وانتزعتها فطنته، فطالما كان هناك سابقون ومقرَّبون، أوائل ومهاجرون، بدريِّون ورضوانيون. ولم تكن الشاردة العابرة التي استوقفته وحملته على  المراجعة، إلا من نقاء ونزاهة، وحيطة عن الهويِّ في الابتداع والسقوط في إقحام ما ليس من الدين فيه! وهذا ديدن الموفَّقين، وإلا فمن اليسير أن يسوِّد المرء ما شاء من صفحات، أو يهلك المفاتيح في حاسوبه طرقاً ونقراً يحكي اللعب في المعازف والآلات، ليكتب ما تملي عليه الشياطين ويخطَّ ما تؤزه أزاً،، لكن إذا كان الموضوع شأناً إلهياً ربانياً، يعني ناظر شجرة طوبى وسدرة المنتهى، فعليه، بعد أن يحسن ويُتقن ويجيد ويحكِم، أن يتيقَّظ ويحترس، ويتوقَّى ويحترز.

لجأ إلى شيخ حكيم ومرشد خبير، أخذ من قبل بيده، وما فتئ يوافيه، يتحفه بين حين وآخر بإضاءة ويسعفه بتبصرة.. راح يقدح زناد اليقظة والنباهة في نفسه، ويوقد سُرج الهداية أمامه: ألا يحتاج السالك المرتاض، أو أيُّ سائر على سبيل نجاة، بعد الجمعة والجماعة، والفراغ من حضور المواقف وتكثير السواد في الأعياد والمساجد، ومختلف فروض إحياء شعائر الله، وكذا الخائض في معتركات التخاصم ومنتديات الحوار والاحتجاج، وميادين الدفاع عن المذهب وجبهات الجهاد في نصرة الحق.. إلى “غار حراء” على هدي المصطفى، يأوي إليه ويتنسَّك فيه؟ أو قبر على طريقة السيدة نفيسة يختم القرآن أو يضطجع فيه؟ وفي الأقل الأدنى خلوة في الليل، ينقطع فيها عن الناس؟ ألا من جهاد أكبر بعد أن خاض وفرغ وعاد من الأصغر؟! ألا يعوزه بعد ترك الوكر والمخالطة، وما لحقه من كدر هجر الصومعة، عودة إلى بعض عزلة وانزواء؟ تهجُّد وتضرُّع يزيل ما علق من ريْن ودرَن، ويطرد مَن دخل الدار وتوغَّل فيها من الأغيار؟! ألا تسأم الروح من الظهور الذي يضطر إليه العامل ويستغرق فيه المناضل؟ ألا يملُّ من لفت الأنظار ويضجر من السفور؟! ألا ينهكه التردد في الطرقات والانشغال بـ “الكثرات”، تجهده وتضنيه، فينادي “أرِحنا بها يا بلال”؟ ألا يرهقه أن تحوم حوله شبهة الرياء والاستعراض؟! ولا أريد ما يدور على الألسن ويرميه به الحسَّاد والغُبَّط، بل ما يكون حقيقة تلحق من شِرْك خفيٍّ لا ينجو منه إلا الأوحدي! يجول في حلبة النفس، يخشى أن يكون قد سوَّلت له أهواؤه، وأعانته على ذلك شقوته، وغرَّه سترٌ مرخى، وسمعة يشار إليه بها: ولائيٌّ حسيني، متديِّن ملتزم؟!..

عاد الحاج زاير، الكهل المخضرم المطبوع تديُّناً وورعاً، والخادم المعتَّق لسيد الشهداء، ربيب المجالس والحسينيات، الخبير الضليع في ميدانها، المحيي المتمسك بتقاليدها، والمجاهد الصلب في الدفاع عنها… وكأن نزلة الكورونا التي تعافى منها ونجا، أوهنته وأضنته، ونالت من همَّته المعهودة وبأسه المشهود، فبات مثقلاً مهموماً، يحسب أن قدَراً أرجأ وفاته، وأنسَأَ في عمره ليستدرك ما فاته، وهو التصدِّي للفوضى التي تعصف بساحة الشعائر، من هجوم الأعداء، وغفلة الأصحاب والأحباب، وسطوة الصبيان والمستأكلين بالعنوان! ولكن حاله لم تعد تعينه، اللهم إلا على جولة في روحه وصولة في رحابها، وإضرام الأسى في نفسه وحبسه في جنباتها، لتشتعل عشقاً وتلتهب شوقاً، فاللوعة والمعاناة باب مغفول وفضاء مجهول، لو عرفه السالكون لقضوا حياتهم فيه وأفنوها في الحسرة على ضياع الحق وغياب وليه، فتخرج حين تخرج إلى أسمى مقام، وتبلغ أعلى مَدرَج وسنام… يقول إنه حدَّث طائفاً يعاوده وشبحاً يراوده، شكا له ضعفه وعجزه، وانفراده وقلة ناصره، فأُجيب بأنَّ عليك الأذان والإعلان، وعلينا السير به في الآفاق وتحقيق الإبلاغ، وسيحين عما قريب الأوان، فيذهب الزبد ويبقى ما ينفع الناس.

والحق إن الحاج زاير لا يشكو غير غياب محبوبته: المجالس الأصيلة، وحشته من ندرتها وغربتها، وافتقاده السلوة التي كان يجد في رحابها! بعد غلبة الإتجار والاستغلال، وهرج العبث والارتجال، ومرج المزايدة والاستعراض. لا يريد الرجل أكثر من عودة الأمور إلى سابق عهدها، على ضوابطها وأُصولها.. ومع كل هذا الأسى والغضب، تراه غير خائف ولا قلِق! فقد علَّمته الأيام التى رأى والعهود التي عاصر، وتقلُّب الأحوال فيها، أن للمسيرة راع وللقضية ناظر، وهو يحمل مقمعة يهوي بها على رؤوس العابثين، تردعهم وتروِّضهم.. وهذا ما يخشاه على إخوة له في العقيدة والمذهب، ورفاق في الطريقة والمسلك! فيبث ذلك مع زفرته:

أُريد مجلساً حسينياً، رباطاً يجمعنا معشر المجاهدين في الثغر الأول للدفاع عن آل محمد، وصُفَّة نلحس في أكنافها قصاعهم، نتسول فضلهم ونستجدي كرمهم.. مجلس لا تصوير فيه ولا تسجيل، لا تلفزيونات ولا فضائيات، لا آلات ولا معدات، وحبَّذا لو استغنى القارئ حتى عن الميكروفون! فكفانا استعراض طبقة صوته وقوة حنجرته، أو الآخر الذي ينقلك إلى فضاء مسبح مغلق من فرط الصدى الذي يوظِّف، وليصرف ما حُبي من جمال الصوت في شجىً يذكي الحرقة! مجلس لا تكلُّف فيه ولا إغراق، ينساب بتلقائية، ويتدرَّج بصفاء، لا يستخدم المؤثرات الضوئية، فلا تُطفأ فيه المصابيح إلا ليلة في العام، مع ذكرى العتمة والوحشة بعد حرق الخيام. لا مقاعد فيه ولا أرائك، يفترش الحضور الأرض، وهذه أيضاً بلا تعسُّف وإغراق، فلا بأس بوسائد يتَّكئ عليها الكهول والشيوخ، تعين أودهم، وتريح محدودب ظهورهم.. مجلس لا يخلط بين شهادة ووفاة، يحسن تصنيف المناسبات وما يقتضي كلٌّ منها من الاتشاح بالسواد ورفع الرايات، وحجم المصيبة وجرعة الرثاء، لا يساوي في ذلك، فيزري بالمنازل والمقامات، يجعل ذكرى أم البنين كيوم الكاظم والسجاد، ومصيبة السيدة رقية مثل فاجعة مولاتنا الزهراء، ويقلب كل مناسبة عاشوراء! مجلس لا حساب له ولا موقع ولا اسم في منظومة التواصل الاجتماعي، لا يلاحق جمع الأرقام وكثرة الإعجاب. لا يذكر فيه غير آل محمد، فضائلهم ومصائبهم، لا يجمع معهم غيرهم، ولا يقرنهم بسواهم. لا صوَر معلَّقة على حوائطه تروِّج لأدعياء، ولا يتصدَّره مترفون أثرياء.

مجلس لا تقام فيه شعائر الجزع والفجعة العظمى إلا  في مواضعها وأزمنتها، وفي حدودها الطبيعية ونطاقاتها المعهودة الموروثة… فاللطم في هيئة قائمة تنتظم في دوائر وحلقات أو صفوف، عند الحاج زاير، هو من صوَر الجزع، وشعيرة تختصُّ بها عشرة عاشوراء، كما هو التطبير والتشابيه! ولم تُجدِ محاولات إقناعه بأنَّ امتداد اللطم على مدار العام، خدم الإبداع في الإنشاد، وازدهر بسببه الشعر وتألَّقت المراثي، وراج تأسيس الهيئات الحسينية الشبابية، فإذا توقف هذا أو انحسر، فإنَّ التيار الضلالي سيملأ الفراغ، ويستغله بنشر أباطيله، فالساحة عطشى، إذا لم توفِّر لها الماء تجرَّعت الخمر وشربت المسكر، حتى تعتاد وتدمن، وينقطع علينا طريق إصلاحها!.. فهو يردُّ بثقة من عاش الماضي واستشرف المستقبل، وكمن سئم الحوار وملَّ الاحتجاج: رُبَّ جرعة يتوهمها المريض علاجاً، تحمل من الآثار الجانبية ما يهلكه، إنَّ اللطم المستمر الممتد خارج موسمه، حتى صار بثُّه مادة ملء الفراغ في الفضائيات الولائية! يزري بمكانة الشعائر الأخرى، بل يسيء إلى اللطم نفسه، الذي ينتظره الحسيني من عام إلى عام، يحوِّله إلى ضرب من الإيقاع الذي يترنم به الشباب، وسوق للشهرة يقحمه أدعياء المهنة والمتطفلون على الصنعة، ومدخل للعبث، وعامل للفوضى، فهذه الهيئات الشبابية لما غلبها الانفعال والوهم، أخذت تشعر أن القياد صار إليها والزمام بيدها، ثم لما اشتدت بينها المنافسة، دخلت في المزايدة، وراحت تكرَّر شعائر الجزع في كل مناسبة، فلم تكتف بأخذ التطبير إلى الأربعين ووفاة أميرالمؤمنين، بل أقامته حتى في وفاة السيدة رقية وذكرى أم البنين!

ويمضي الحاج زاير في شكواه: أُريد مجلساً يعطي الدمعة حقها، وينزل الفجعة منزلتها، يحسن روَّاده تمييز مواضع رفع الصوت بالصلوات، لا يصرخ أحدهم وينادي في موضع النحيب، فيفسد استغراق المجلس في البكاء بصراخ يقطع السماع. مجلس يتولاه ويقوم عليه كبار… نعم، لا بأس أن يخدم فيه الشباب والفتيان، لكن لا يديره أو يدبره هؤلاء، إنما يتربَّوْن فيه على الصبر والانتظار، فإذا تقدَّم بهم العمر وتراكمت الخبرة، نضجت منهم الأفكار، كان لهم عندها الخيار، وإلا فالهدم والدمار منهم سيكون أضعاف البناء والإعمار! ولا يغرنك حماس واندفاع، ونتائج محسوسة وثمار، فهذه سحب صيف، وفورات غليان، لا يلبث الزبد منها أن يذهب جفاء، ويتبدد السحاب بلا غيث ولا ماء.

أُريد رادوداً وقوراً متزناً، غير مسرحي، يلوِّح ليحكي المعاني التي ينشد، بإشارات سمجة غليظة، وتمثيل متكلَّف مقزِّز، حتى جمع أحدهم “اللطامة” في عروض تجريبية (بروفات) تسبق عرضه “المسرحي”! وآخر يصلح شعره ويصففه على تسريحة عصرية، يدهن رأسه ويرخي غرته، وثالث لا يدري ماذا يصنع ليخطف الأضواء ويسترعي الانتباه، يرتدي مرة عباءة خليجية مذهَّبة، ويعتمر أخرى عمامة مورَّدة بنفسجية، ويحسر في ثالثة، وآخر يتخصَّر به قميصه ويضيق سرواله، فتحسبه ارتدى ثياب أخيه الأصغر! هل لي بقارئ لا يتفلسف ولا يتكلَّف، ليتفرَّد بطابع يُعرف به، فيقرأ بطور مصري ولحن شامي وطريقة إيرانية، يريد بناء سمة خاصة به، تميِّزه ويُشار بها إليه!.. ولم يعرض الحاج زاير في أماليه لرواديد الأحزاب ومدَّاحي الزعماء، وكذا خطباء المحاضرات، وهراء التنظيرات، لأنهم خارجون تخصُّصاً، فهم ليسوا قراءً حسينيين، ولا من الناعين الراثين، إنما محاضرون فاشلون، أو مغنُّون ومطربون!

مجلس لا يجمع الناس ويكثِّرهم ليزهو صاحبه ويباهي، ولا يحشد الجموع لينافس ويغالب.. مجلس متواضع في ركن قصي، حسينية صغيرة أو دار، يذكر فيه المصاب، فتحترق القلوب وتلتاع، بما ينقل الروَّاد إلى أثير ما زال ماثلاً في الفضاء، وعبق ما انفك عالقاً في الأرجاء… فيتنادون: أي أخ الولاء، ورفيق الإسعاد والعزاء، أدرها صافية بين ندامى العشق وأخلَّاء الجزع وأصحاب الوفاء، واسقنيها مع مدمني الرضا وإطراح ما مضى وبذل ما تيسَّر وحضر… أخوة ستر العيب وترك العتب، والنشوة بلا سكر، والسمو بلا تعالٍ وفخر، والأنس بالقرب والطاعة.

كل ما يريده الحاج زاير أن يعود الخطيب ليعتلي منبره، و”الصانع” دونه بمرقاة، وأن يقف الرادود إلى جانبه، يعرف قدره فلا يتخطَّى مقامه، وينتصب الشاعر خلف منصته، ويستوي العالم على كرسي التدريس، ويقوم إمام الجماعة في محرابه.. ينتظم كلٌّ في مكانه، ويأخذ موضعه، ويلزم حدوده، فينقطع التداخل وتنتهي الفوضى…

Posted in

التعليقات