انقضت الأزمة وتصرَّم البلاء، أدبر الرزء وذهب العناء، وبقيت الآلام ولزمت المعاناة، فجعة القتلى ولوعة الثكلى وحسرة الأيتام، ثم خراب ودمار، لا يجبره تعويض ولا يتلاحقه إعمار… ولعلَّ انتهاء المعركة، واستشراف النتائج والتدبُّر في الآثار، يفتح الأسماع للقول واتِّباع أحسنه، وإن استمر النزاع ومضى السجال في المنتصر الظافر من المغلوب الخاسر، وهو عندي الكيان الصهيوني الغاصب، وإن عظم الثمن الذي دفعته المقاومة الفلسطينية.

إنما الوقفة هنا على خطب يفوق كلَّ مُعطى، وخطر يتقدَّم على كلِّ أمر… إنه النطاق الذي يرسم حدود الدين ومعالمه، يُدخل فيه ما هو منه، ويُخرج عنه الأغيار والدخلاء، فلا يُغيَّر ويُبدَّل، ولا يُزيَّف ويُحرَّف. قال تعالى: “ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون”. البحيرة ناقة نتجت خمسة أبطن آخرها ذكر، بحروا أذنها (أي شقوها، كعلامة)، فامتنعوا عن ركوبها، وأمسكوا عن نحرها، وباتت لا تُطرد عن ماء ولا تُمنع عن مرعى. وفي حالات وأصناف أُخرى، لا يُجزُّ لها وَبَر ولا يُحمل عليها، وكانت سائبة ووصيلة وحام، وهكذا… هذه أصناف أربعة من الأنعام، كانت العرب في الجاهلية ترتِّب على تحقُّق العنوان فيها، وتلبُّسها بالصفة، أحكاماً، تمنحها نوعاً من التحرير والحرمة، بما يشكل تقدُّماً وتفوُّقاً في مقولة الرفق بالحيوان، وتعاطياً راقياً مع البهائم والدواب، وهو في نفسه خُلُق حسن، كأنه تكريم على الإنتاج، وشكر وتقدير للعطاء… ومع ذلك، نهى سبحانه وتعالى عنه! لمَّا جُعل من شعائر الدين وأُلحِق بشرعه أو معالمه وأحكامه! مع أن الإسلام أقرَّ العرب على أعراف وآداب كانت سائدة في جاهليتهم، لكنه لم يفعل على أخرى، وهذه أُمور كُلِّفنا أن نسلِّم بها، ولا نسأل عنها، حذر أن تسوؤنا، وقد سأل عنها قوم قبلنا، فوقعوا في الكفر، كما أشارت الآيات المتقدمة على السابقة.

إن المسألة في تعظيم أمر وتوقيره، وخلع الحرمة والقداسة عليه، إنساناً كان أو حيواناً أو جماداً، فعلاً كان أو فكرة وإيماناً، حادثة كان أو يوماً وزماناً، مدينة كان أو بلاداً، قبراً كان أو تربة وأثراً.. ليست من شأن البشر ولا مبذولة لفهم الإنسان ولا هي متروكة لتقديره، إنما هي حكر وحصر على الشارع المقدَّس، هو الذي يضفي الحرمة ويخلع القداسة الدينية على الأُمور. أما الاحترام والتوقير الاجتماعي، والاهتمام والنشاط السياسي، فخاضع للأحكام الشرعية وتابع لأدلتها بالوجوب والحرمة، والاستحباب والكراهة، أو مطلق الإباحة.

من هنا، لك أن تصنِّف القضية الفلسطينية وتدرجها قضية وطنية أو قومية أو إنسانية، ولكن ليست دينية… مثلها مثل قضية إقليم الباسك وإيرلندا الشمالية وشبه جزيرة القرم، نزاع حول السيادة، شعب يشعر بالظلامة، واحتلال أجنبي يدَّعي الملكية، أقلية تزعم الأولوية، وقهر تفرضه عنجهية. وإن تراءى في البين أو ظهر بُعدٌ ديني في جانب من القضية، غلب فجعلها أقرب إلى قضية البوسنه والهرسك، أو الروهينغا في بورما، أو الإيغور في الصين، فهذا لا يغير حقيقة أن صُلب الأمر فيها، هو السيطرة والحكومة، والاستحواذ على الموارد والخيرات، وفي العموم، بسط النفوذ والهيمنة السياسية. هكذا الأمر في القضية الفلسطينية، فالكيان الصهيوني دولة مدنية علمانية ديمقراطية، والنزعات الدينية اليهودية فيه، تيارات متطرفة تعارض دولتهم كما تعارض الفلسطينيين وتحاربهم. نعم، هناك حقد دفين واستضعاف ديني يفرِّغ عُقداً مستحكمة من تيه كُتب عليهم وشتات ألزمَهم الهوان والصَّغار، ولكن هناك أيضاً قهر عرقي وتمييز عنصري (غير ديني)، وهناك كذلك وئام وسلام (ديني) مع المسيحيين والهندوس والبوذيين… وهذا وذاك يمنع وسم القضية بطابع ديني بحت.

ومن جهة أُخرى، لا شك في حرمة بيت المقدس، بصرف النظر عن درجة الحُرمة ورتبة القداسة، وتأخرها عن مكة والمدينة والبقيع والنجف وكربلاء والكاظمية وسامراء ومشهد، بل عن الري وقم وبلد، وهكذا تراجعها في الأولوية عن سائر قضايانا الدينية… إلا أنَّ المكان له قداسته التي يجب أن تحفظ، وحرمته التي يُمنع أن تهتك.

لكن الحقيقة الكبيرة التي يسعى الإعلام لطمسها، هي أنَّ القدس والأقصى ليست قضية محورية في مذهبنا، قد تكون كذلك في المذهب السني، كما كانت “الفتوحات” يوماً، وكانت الخلافة، وبالتبع قمع حركات المعارضة، من المرتدين عن دفع الزكاة، حتى الخوارج وغيرهم من الثائرين.. قضايا محورية في الفكر السني، لكنها ليست كذلك عندنا، فالقضية المحورية في الدين الحق هي الولاية والإمامة والحكومة، وقد تحولت الأخيرة (بعد قتل سيد الشهداء) إلى الشعائر الولائية، من زيارة وعزاء. ليس لأحد أن يبتدع قضايا محورية يستقطب بها الشيعة، ولا اصطناع جبهات مركزية يحشدهم فيها، وإن اتفقت كلمات مراجعنا العظام، من السيد أبي الحسن الأصفهاني وانتهاء بالخوئي والخميني، على نصرة القضية الفلسطينية، فهي نصرة سياسية تعالج واقعة من حوادث الأيام وخطوب الزمان، طَرد فيها محتلٌ غاصب شعباً من أرضه، وشتته لاجئاً في مختلف البلاد. والأمر في حرب الـ 48 عند خروج الانتداب البريطاني من فلسطين، وفي الـ 67 أيضاً، وحتى عهد قريب مشهود، كان بعيداً عن القدس والمسجد الأقصى، وكان موقف مراجعنا العظام هو نفسه اليوم.

الأمر ببساطة تجنبك تهويل السياسيين، وتنجيك من الالتحاق بالعوام المستغفَلين، وتأخذك إلى الشرع وحقيقة الدين… يأتي من جواب مركز الأبحاث العقائدية (التابع للمرجعية العليا) على سؤال حول هذا الموضوع، يحدده، بعد سرد مسهب لتاريخ القدس والمسجد الأقصى، يستعرض ما فعله عبدالملك بن مروان في صراعه مع ابن الزبير، وينقل عن مصادر القوم أنفسهم: “وسبب بناء عبدالملك، أن عبدالله بن الزبير لما دعا لنفسه بمكة، كان يخطب في أيام منى وعرفة وينال من عبدالملك، ويذكر مثالب بني أمية، ويذكر أن جدَّه الحكَم كان طريد رسول الله ولعينه، فمال أكثر أهل الشام إلى ابن الزبير، منع عبدالملك الناس من الحج فضجُّوا، فبنى لهم القبة على الصخرة والجامع الأقصى ليصرفهم بذلك عن الحج والعمرة، فصاروا يطوفون حول الصخرة كما يطوفون حول الكعبة، وينحرون يوم العيد ضحاياهم”. ويمضي الجواب حتى يبلغ: “يحترم أهل البيت عليهم السلام مسجد بيت المقدس وصخرته، ولكن بدون مبالغة ولا تفضيل ولا مساواة له بالحرمين والمشاهد المشرفة، ويفتي فقهاء مذهبنا في يمين المتلاعنين: “فإنه يلاعن بينهما في أشرف البقاع، فإن كان بمكة فبين الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعلى منبر رسول الله صلى الله عليه وآله، وإن كان في بيت المقدس فعند الصخرة، وإن كان بغير هذه البلاد ففي أشرف موضع فيه وأشرف بقاع البلاد الجوامع والمشاهد عندنا”… هذه هي الحدود الدينية للقضية، ونطاقها في الشريعة. ولا مصلحة في فتح باب تفسير آية الإسراء وأين هو المسجد الأقصى الذي عرج النبي منه إلى السماء، مما ذكرته أحاديثنا وتعرَّض لبيانه السيد جعفر مرتضى.

ليس في التشيع قضية مركزية دائمة، وأمر محوري لازم، غير الشعائر الدينية، والحسينية منها خاصة. قضيتنا هي الإمامة والولاية والحكم المغصوب من آل محمد، وقد دخل هذا الأخير منذ فاجعة كربلاء في نطاق التقية، وانتقل الأداء والسعي فيه إلى الشعائر الولائية، من زيارة لمراقد الأئمة وعزاءٍ على مصاب سيد الشهداء، وإن تمسَّكت به فرق شيعية من غير الإمامية، كالزيدية، ولاحقه الثوار الحسنيون، وجماعات أخرى عبر التاريخ، لكن الإمامية منذ ذلك اليوم لا يتمحورون حول أية قضية سياسية، ولا يتحركون إلا لشعائر الدين، وعلى رأسها الإمامة، وهي في عصرنا للحجة بن الحسن العسكري عليه السلام، ينتظرونه ويندبونه ويبكون غيبته، لا يبالون بما يُعابون، ولا يكترثون بما يُعيَّرون، فهم لا يعانون من اهتزاز في عقيدتهم أو تردٍّ وهزيمة في نفسيتهم، ولا من ضعة وهوان يسكنهم، ولا خجل من هويتهم، مما يحمل “الحركيين” والسياسيين الشيعة على الالتحاق بالآخرين والخضوع لهم وتملقهم، والنزول على معادلتهم وتعظيم مقدساتهم، حتى التضحية في سبيلها، عسى أن يعترفوا بهم ويرضون عنهم!

إنما غلبني ضياع قومي، وقهرني استضعافهم، وسوقهم نحو أهداف سياسية باختلاق قضية دينية… ولو خُليت وطبعي لسطرت غير هذا، ولرأيتني أجول في آفاق ما أمال إرادة الشارع المقدَّس عن القدس، وصرفها تجاه قبلة ارتضتها فاطمة بنت أسد، واتخذتها مهداً لميلاد أبي التراب، والخلق كلهم من تراب، ولسطرتُ من مداد ميلاده، وحكيت عن شدو الملائك ونثار السماء، وقد التقطت بعضه، فانقلب اليراع يعبوباً يفيض، واستحال الأجاج عذباً فراتاً يروي، فخطَّ معلَّقة في ظهور ابنه الموعود، تعلمك أين هو قدس الأقداس، وما هي القضية التي يعيشها المؤمن ليله ونهاره، ويصاحبها في حلِّه وترحاله، ويوطِّن نفسه ويعلِّم عياله ويربي ولده أنها “القضية”…

Posted in

التعليقات