“القابيليون”… المستغرقون في الحسَّ، المنهمكون في الشهود، المرتهنون للمادة، مهما ادعوا الإيمان ونادوا بالإسلام (ولربما صدقوا في دعواهم عن غفلة مستحكمة أو جهل مركب)، تراهم عاجزين عن هضم مسألة البذل بلا عائد، متخلِّفين عن فهم فكرة التقْدِمة بلا عوَض، قاصرين عن استيعاب السيرة القائمة في الأُمم السابقة كعلامة على النبوة وبرهان على صدق الدعوى وصحة الدعوة، “إنَّ الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار”، بعيدين عن إدراك سرِّ الأُضحية وحقيقة القربان، وأنَّ الدين في جوهره وعمقه هو الخضوع والتسليم، والتحرُّر من كلِّ مكامن الشهوات وصنائع الأهواء و”الأنا” التي يحسبها المرء عقلاً! المشتغلون في الجانب الدنيوي للدين، العاملون ضمن ما يسمى بـ “الحركة الإسلامية” وغيرها من صيَغ الحداثوية الالتقاطية، بل اللقيطة، يحسبون الإسلام مشروعاً للعيش وأُطروحة للحياة الدنيا، فيتهالكون في البحث عن وجه “منطقي” يبرِّر أحكامه، وتفسير “عقلي” يفلسف عقائده بما يوافق فهمهم، وإلا نبذوها وطرحوها، تنكَّروا لها وقفزوا عليها، أو حرَّفوها وبدَّلوها…
لن يفهم هؤلاء خيار المرء في بذل أكرم غنَمه وأسمنها، وأحسن ماشيته وأفضلها، يقدِّمه طعمة للنار، تصيبه صاعقة تأكله.. فيذهب “هدراً” ويروح “سدى”، ما يرونه ضرباً من العبث والسفه، لا يستقيم مع مقاييسهم ولا يجد مكاناً في منظومتهم! فإذا غلبهم الحكم، وأنزلهم الالتزام قهراً على شيء من هذا، ترى صاحب الحرث منهم قدَّم أسوء زرعه وأخسَّ جنيه وأردأ حصاده، فهو عنده محروق مهدور تالف! ثم تجده انزعج من ردِّ السماء تقدمة أُكره عليها، ولم تطب عنها نفسه، واشتعل غيظاً وحنقاً، فحقداً وحسداً، حتى يبلغ الأمر به قتل أخيه!
قد يقهر الدنيويون بُخلهم، ويتغلَّبون على الشحِّ الحاضر في أنفسهم، حين يكون البذل في سياق التكافل الاجتماعي والخدمة العامة، عبر عطاء يُشبع جائعاً، وهبة تُعالج مريضاً، ومنحة تُغني فقيراً، وهدْي يُقسَّم أثلاثاً، ولكن إذا بلغت الأضاحي الملايين، وقد شبع الفقراء في منى من عُشر معشارها، ولم يبق مسكين تُمنح له فيقبلها، سيصنفونها هباءً وهدراً وإسرافاً، وترتفع الأصوات تنادي بتقديم الحاج أضحيته في بلده ونقل ذبحها من منى إلى وطنه، أو تحويل أموال هذه الشعيرة إلى بناء المساكن والمدارس والمستشفيات… إنهم يغيِّرون عنوان الرسالة ويبدِّلون موضوعها، الكامن في الترفع على الدنيا وازدراء المادة، وكشف حقيقتها للناس، وبيان واقع قدرها وهوانها على الله، فلا يتهالكون عليها ولا يتقاتلون، ما يأخذهم للسبح في آفاق روحية ومعنوية تطأ الذبائح وتجعلها تحت الأقدام… يغيِّرون هذا الخطاب ويحوِّرونه إلى فذلكة تخدم الاستغراق في الماديات والتشبث بها، وتحويل رسالة السماء في الدعوة إلى الدار الآخرة و”الحيوان”، بما يفرغها من محتواها ويمسخ مؤدَّاها!
هكذا، لن يفهم هؤلاء أمر إقامة المآتم والبكاء على سيد الشهداء، ولن يستوعبوا شيئاً من شعائر العزاء، وهم يصنفونها هدراً للمال عن صرفه في موارد البر، وتعطيلاً للطاقات عن توظيفها في ميادين الحركة، وتجميداً للأفكار عن تفعيلها، ولغواً من غير طائل، وطقوساً أقرب إلى الفلكلور والتراث الشعبي منه إلى الدين وشعائره! لن يدرك “القابيليون” جوهر هذه الطاعة العرشية، ولا كُنه هذا السبح الملكوتي، ولا أية عبادة غيرها، ما لم تفضِ إلى نتيجة محسوسة، هي لدى الإسلاميين الحركيين، الثورة، وما يأخذ نحو نصرة الحزب والدولة، أو أي عطاء آخر من عائد محسوس ومردود ملموس، فتستحق التضحية بالجهد والمال والوقت! وكأن الصلاة التي يكررها أحدهم حياته كلها، ويلتزمها على مدار ساعات يومه، أفضت عنده إلى شيء، وحققت له إنجازاً، فنهته عن منكر هتك حدود الله وفحشاء استباحة مقدسات دينه!
إنهم إسلاميون على نهج العلمانيين وطريقة اليساريين، يبحثون عن موقع للبذل الحسيني في عجلة الاقتصاد الوطني، ومحلٍّ للسياحة أو النشاط الديني في دورة المصاريف والعوائد، ومردود للبذل في سبيل الله يشكل رقماً في عالم الكسب والتجارة؟! لذا تراهم يكررون: “ما الفائدة وما العائد؟! ها قد بكينا سنين متمادية، فلا ظلم زال، ولا عهد سوء انقشع، ولا فقر ارتفع، ولا نجم في سماء المجد طلع”! إنهم يتحرَّون مجداً دنيوياً، ونصراً شيطانياً، يزعمونه إلهياً، وظفراً وغلبة، تجعل من الدين مركوباً وصهوة. فإذا أعيتهم الحيلة في الشعائر الحسينية، وقاومهم الشيعة في التزامها والتمسك بها، واستغراقهم فيها طلباً للآخرة عن الأولى، واجهوها وحاربوها بشتى الطرق ومختلف الوسائل، وفي طليعتها الإعلام الهدَّام، وعلى رأسه السخرية والاستهزاء! فلا تعجب من لكُع لا يدري أيَّ طرفيه أطول، يستخف بالبكاء، ولا تستغرب من ثور يدور في طاحونة، يجترُّ ما أُطعم ولُقِّن من علف الارتزاق، يكرِّر ما يقول سيده من تحريم الجزع والإدماء، ولا تذهب نفسك حسرات على همج يفدون أرواحهم بحذاء “دمية”، عاجز عن عقد أو حلِّ خيط حذائه دون أمر من طهران.
هؤلاء قوم لا يرون أبعد من أنوفهم، ولا يدركون شيئاً وراء ما يبصرون ويلمسون ويشمون ويذوقون، قد صبت الحداثوية أفكارهم في قوالبها الجامدة، فنشأوا عليها متحجرين متخشبين، لا يرون غير حزبهم ولا يتعبدون إلا بآراء صنمهم، وقد حاكهم كبيرهم ونسجهم على الجهل والسطحية والنظرة الأُحادية “وليس وراء عبادان قرية”، وأنَّى لأخرق يسخر من المقام اليوسفي لرؤيا زعمها هازئاً، عن طير تأكل من خبز يحمله على رأسه، أن يفهم تأويلها بهلاكه؟ كيف لهذا الجاهل المستخف أن يحسن ربط الظاهر بالباطن، والشهود بالغيب، والفعل بالجزاء، والدنيا بالآخرة، فيفهم المزرعة وطبيعة الغرس ومحل السقيا ومنبع الفوز وسر النجاة؟
لا يجدي مع هؤلاء إلا نداء: قضي الأمر! دعهم ودعواهم، وانصرف إلى مهمتك العظمى التي ادخرك الله لها، فجعلك في أصلاب الأطهار ونسل الأخيار، لتنهض بهذا الدور الإلهي الذي تتنافس فيه ملائكة السماء، ويغبطك عليه الأنبياء والأولياء، بل أفضل الأصحاب، أصحاب سيد الشهداء.
“لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم”…
التعليقات