كثيرة هي المحاسن والسجايا في علمائنا الأعلام، وعديدة هي الفضائل والمكارم في مراجعنا العظام، ولكن هناك صفوة من بينهم، ونخبة في خلالهم، تميَّزوا فانفردوا، بإنجاز وعطاء، أو بحالة وسِمة، أو بانتساب وانتماء، يلحقهم بمجد وعظمة، تتقاطر معه الفضائل منهم، وتتسابق المناقب لتعلق بهم، وتتلاحق المفاخر لتزيِّنهم، وأحياناً، لتتزيَّن بهم… أريد بالخصوص كوكبة أدركت موقع القضية الحسينية في الدين والأُمة، بل في الوجود والإنسانية، كمحطة ثالثة بعد الإمامة التامة والنبوَّة الخاتمة. كوكبة فهمت كربلاء، كما هي في الرؤية العرشية والنظرة الملكوتية، فطنت إلى كُنه القضية وأحاطت بحقيقتها، لم تتأثر بالصوَر الزائفة الخادعة، ولا الرؤى الدنيوية الضيقة، التي تستقي من حرَج في الصدور كأنما يصَّعَّد بهم في السماء لتنقطع منهم الأنفاس وتذهب الأنفس، حرج دروب المدارس الفكرية المشرِّقة والمغرِّبة، وضيق حدود المناهج الظاهرية، ناهيك بما يأسر أهلها من حُجب الأهواء والشهوات، ويكبِّلهم من غائر الجهالات، علقت بهم لسبب ونفذت فيهم لآخر، وقد تركَّبت الجهالة فباتوا يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، تأخذهم نحو هذا وذاك، فلا يرى أحدهم من الحسين وفيه غير الدعوة للصلاة والترحُّم على مَن ذكرها أو ذكَّر بها، ولا يستقي آخر منه إلا إباء الضيم، ولا يخلص ثالث إلا بما يخدم مشروعه السياسي وحزبه وسلطته، الفعلية أو المأمولة القادمة… سطحيُّون ابتلت بهم الأُمة، وقشريُّون شوَّهوا القضية.

ومراجعنا العظام الحقيقيون الأصيلون، كلُّهم حسينيون شعائريون، لكن هناك ثلة من بينهم مصفَّاة وعصبة نقيَّة، ونخبة فيهم منتجبة خالصة، لا يعرفها العوام، وتضيع بعض معاييرها ودهاليز مسالكها حتى على الخواص، يتصدَّرها في عصرنا الوحيد الخراساني، لم يبق منها بعد رحيل آقا تقي القمي إلا الصافي الگلبيگاني. كوكبة أدركت “الحقيقة الحسينية” فعاشتها فكراً وفقهاً ومسلكاً وروحاً، يرفع هذا رايةً ويعرِّي ذاك صدره لاطماً، وهذا الفقيد السعيد الحكيم قدِّس سرُّه في طليعتها، يخدم زواراً ويدفع عربة مُقعد، متحاملاً على إعاقة مكَّنتها من بدنه سجون البعث وصنوف ما لاقى فيها من تعذيب وتنكيل. لقد فهم السيد الحكيم إمامه الحسين كما هو حقُّه من إدراك البشر وسعة الإحاطة به، تنبَّه لسرِّه وتفطَّن لغيبه، فعرفه منطلَقاً للإصلاح الكوني المنتظر، والوراثة التي ستطوي الفرش وتلحق العرش في القيامة، الكبرى بعد الصغرى في الظهور المهدوي، الذي أُرسيت قاعدته في أرض كربلاء، وبدأ عدُّه التنازلي من يوم عاشوراء.

والمأثرة التي يكاد فقيدنا العزيز، آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم رضوان الله عليه أن ينفرد بها بين هذه الكوكبة، ويتميَّز فيها حتى على السراة في النخبة المنتجبة، هي التنظير لهذه الرؤية، والعرض العقائدي، والقراءة الدينية الأصيلة لهذه الرسالة الخطيرة، وقد ضمَّنها دراسة في منتهى الإتقان والإحكام، أقامها على دقته الفقهية وعمقه الأصولي، واستخلصها من الشمولية التي طبعت فهمه للدين، ونشرها كتاباً في متناول سائر المؤمنين، وقدَّم لطالب البصيرة وقارئ الحق: “فاجعة الطف”. في هذا السِّفر الثمين، تناول السيد الحكيم وعالج معضلة متجذرة في الوجدان الشيعي، طالما تجاهلها العلماء (بعنوانها المستقل)، ولا سيما في الخطاب الثقافي المقدَّم لعامة المؤمنين، دون أروقة الحوزة وحلقات البحث فيها، هي جدلية القيام والقعود، أو الثورة والانتظار، (أو قل: “طلب الإصلاح” بمعنى السعي لإحقاق الحق وإقامة العدل وتطبيق أحكام الشريعة الغرَّاء وما نهض في سبيله سيد الشهداء)، ما انفكَّ الواقع الشيعي يعاني منها على مدى تاريخه المثقل بجراح الاضطهاد، والظلامات التي تشكِّل روافد تغذِّي فكرة الثورة وتسوِّغ لها، وتخلق مادتها وتدفع صوبها، كما تفعل معطيات أخرى في الجبهة المقابلة، ترسِّخ ثقافة التقية، وتتناول طبيعة الحياة الدنيا الغادرة الخؤونة، وإنسانها الظلوم الجهول، المنغمس في شهواته والمتمرِّغ في لذَّاته حتى أسفل سافلين، ما يرفد ـ بدوره ـ اليأس، ويقطع الأمل في كل حركة والرجاء من أي إصلاح.

ومن نافلة القول أنَّ الكلام ليس في أصل الجهاد والدفاع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يعني الدعوة لتعطيل هذه الفرائض، إنما هو في توظيفها سبيلاً للمشروع السياسي والمقولة الحركية التي تنتهي بإقامة “حكم الله” وتأسيس “دولة إسلامية” تامة، تدين بالولاء وتدعو إلى الرضا من آل محمد. وقد شهدنا من محاولة معاصرة في الجمهورية الإسلامية، كيف انقلب النظام فيها على الدين، وجاهد لإخضاع الحوزة للدولة، وتوظيف المرجعية للنظام، وقام بمحاربة الشعائر الحسينية، وتعطيل غيرها من الأحكام، وما برح في توظيف العنوان لقمع الإنسان، والاتجار به لاضطهاد المؤمنين واستضعافهم، وعبثٍ واستخفاف حتى بما سنَّه بنفسه من دستور وقانون! لتضيف التجربة رقماً جديداً في تركيب “العقدة” واستحكامها، حين شهدنا بطلان الأمر، وإن قام مستوفياً للضوابط والحدود الشرعية، فتمَّ وتأسس الحكم على يد فقيه جامع للشرائط، ذلك لما آل أمره بعد السيد الخميني رحمه الله إلى الصعاليك، يتَّجرون به ويستأكلون، ويلهون ويعبثون!

والحق أنَّ لكل توجُّه مسوِّغاته الشرعية، ومنطلقاته التي تضفي عليه المشروعية، إلا أنَّ المقابل الذي ينطلق من الأصل والأصالة، يقدِّم التقية، ويحمل طائفة من روايات منع القيام ونبذ “الرايات” التي ترفع قبل المهدي المنتظر، بات هو الأقوى حجة وأصلب يقيناً وأمنع مكانة. وفي “فاجعة الطف” قدَّم السيد الحكيم قراءة فكرية متقدِّمة، وفذلكة استدلالية فقهية، وعقائدية وجدانية، ثم مادة ثقافية تخلق خطاباً عصرياً عقلياً تاماً بليغاً، ما شكَّل ـ بصراحته ـ سابقة في ميدانه، فالامتناع عن القيام، كان حتى الآن، بذريعة اليأس من استجابة الأمة، والعجز عن تطويع الواقع، وقوة الخصم وتفوُّق العدو… حتى استلَّ الحكيم من “ثورة” الحسين، منع الثورات من بعده، واستنبط من “قيامه” استنفاذ الوسع وبلوغ المجهود غايته، وإتمام الحجة على الخليقة من عصره حتى الظهور الموعود، فالأمة التي خذلت سيد الشهداء، لا تستحق التضحية، والدين محفوظ ببقاء إمامه واستمرار شيعته، وتجد ذلك في صريح ما خلص إليه في ص 475 وما يليها:

“أوضحنا فيما سبق تعذُّر الإصلاح وإرجاع السلطة في الإسلام إلى مسارها الصحيح بعد الانحراف الذي حصل، وأنَّ الأئمة صلوات الله عليهم كلُّهم على بصيرة من ذلك من اليوم الأول، وإن لم يتسنَّ لهم التصريح به، والتأكيد عليه إلا بعد فاجعة الطف. وأما التضحية بالنحو الذي أقدم عليه الإمام الحسين صلوات الله عليه في نهضته المباركة، فلا مجال لها من الأئمة من ذريته عليهم السلام. لما سبق من أنَّ دوافع التضحية المذكورة ليست انفعالية مزاجية، أو نتيجة التنفُّر من الفساد والانحراف، أو لمجرد الإباء والشمم، أو نحو ذلك، ليشاركوا عليهم السلام الإمام الحسين فيها، أو في شي‌ء منها، بل لا بد من كون الهدف منها مكاسب للدين الحنيف تناسب حجم التضحية. وقد سبق أنَّ الذي ظهر لنا من فوائد نهضة الإمام الحسين وثمراتها هو إكمال مشروع أمير المؤمنين في إيضاح معالم الدين، وسلب شرعية السلطة التي كانت تتحكم فيه، وتركيز دعوة التشيع، ودفعها باتجاه التوسع والانتشار. وبعد حصول ذلك كله بجهود الأئمة الأولين عليهم السلام وخاصة شيعتهم وتضحياتهم، التي بلغت القمة في فاجعة الطف، لا يبقى مبرِّر للتضحية من الأئمة الباقين عليهم السلام أو من شيعتهم.

ولا سيما بعد أن فُتِح بعد فاجعة الطف باب الإنكار على السلطة وتعريتها، والتذكير بجرائمها، والتأكيد على عدم شرعيتها، من قبل فئات كثيرة غير الشيعة الإمامية. وبدأ الخروج عليها حتى من غير الخوارج ولذا بدؤوا صلوات الله عليهم يحثون شيعتهم على أن يحافظوا على أنفسهم، ويحقنوا دماءهم، ولا يتعرضوا للسلطان، ولا يذلوا أنفسهم بالاحتكاك به، وظهور مخالفتهم له، ويتجنبوا الجدل والخصومة مع الجمهور، ويبعدوا عن مظان الشهرة، ويحذروا من التعرض لتشهير الناس بهم وتهريجهم عليهم. وأكدوا على التقية في الدين، وكتمان الحق عن غير أهله، وتجرع الغيظ والصبر على ما يقاسونه من أعدائهم… إلى غير ذلك مما يجري هذا المجرى. وما ورد عنهم عليهم أفضل الصلاة والسلام في ذلك من الكثرة بحيث يتعذَّر استيعابه هنا، ويسهل التعرُّف عليه بأدنى مراجعة لتراثهم الثقافي الرفيع، وملاحظة لسلوكهم عليهم السلام وسلوك خواصِّ أصحابهم. وقد استطاعوا بذلك أن يكبحوا جماح غضب الشيعة وانفعالهم، ويحدُّوا نسبياً من اندفاعاتهم الانفعالية والعاطفية، حفاظاً عليهم. كل ذلك لشدَّة اهتمامهم صلوات الله عليهم ببقاء المؤمنين وتكثيرهم، من أجل أن يؤدوا ما عليهم من حمل دعوة الحق والحفاظ عليها والتبليغ بها، وتجسيد تعاليمها عملًا، كي تبقى حية فاعلة جيلًا بعد جيل”… إلى أن يقول: “وبعد ذلك انصبت جهود الأئمة عليهم السلام ـ بعهد من الله عز وجل ورسوله وتوجيهٍ منهما ـ على تقوية كيان التشيع وبلورة مفاهيمه، واستثمار مكاسبه السابقة لصالح دعوته الشريفة وعدم التفريط بقدرات الشيعة وطاقاتهم، وصرفها في محاولات غير مجدية، بل قد تعود عليهم بأضرار فادحة. وتوجيه تلك القدرات والطاقات الهائلة لما ينفعهم في دينهم ودنياهم، ويركِّز دعوتهم الحقَّة ويشيِّدها. وذلك بأُمور:

الأول‌: التأكيد على الحقيقة السابقة، وإقناع الشيعة بها، وهي تعذُّر إقامة الحكم الصالح، وتعديل مسار السلطة في الإسلام بعد الانحراف الذي حصل، وما ترتب عليه من سلبيات في المجتمع الإسلامي. وأنه نتيجة لذلك صاروا هم صلوات الله عليهم وأتباعهم في هدنة مع السلطة الغاشمة حتى قيام الإمام الثاني عشر الحجة المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف. من دون أن يغفلوا عليهم السلام جور السلطة الظالمة، وعدم شرعيتها، ووجوب مباينتها، وحرمة التعاون معها والركون إليها، وما جرى مجرى ذلك مما يؤكد الحاجز النفسي بينهم وبينها. وكان نتيجة المهادنة المذكورة، وعدم التصدِّي لمواجهة الحاكم، وظهور ذلك عنهم عليهم السلام وعن شيعتهم أن كسب التشيع… بل انصراف الشيعة عن الصراع السياسي والعسكري يجعلهم ـ من حيث يريدون أو لا يريدون ـ أحرص على نشاطاتهم الدينية، خصوصاً المذهبية منها، من أجل التنفيس عن كبتهم، وتثبيت هويتهم وشخصيتهم، وإثبات وجودهم، كردِّ فعل صامت على مواقف السلطات المتعاقبة ضدَّهم، وجورها عليهم.

وثانياً: تخفيف ضغط السلطات على الشيعة والتشيُّع نسبياً، رغم ابتناء الإمامة عند الشيعة على عدم شرعية تلك السلطات، وقيام الشيعة بكثير من الممارسات التي لا تعجبها، وعدم تجاوبهم مع كثير من ممارسات السلطة، بل استنكارهم لبعضها، ولو برفق وهدوء. وذلك لانشغال السلطة عنهم بمكافحة المعارضة المسلحة التي تكاد تكون مستمرة، وهي تهدِّدها بالمباشرة. وإلى ذلك يشير ما ورد عنهم صلوات الله عليهم من أنَّ الله عزَّ وجل جعل الزيدية وقاء للشيعة. وحتى لو تفرَّغ الحاكم للشيعة، وحاول التنكيل بهم ـ كما حدث كثيراً ـ فإنه يعدُّ لدى المنصف ظالماً، بعد أن لم يمارسوا الكفاح المسلَّح، ولا ينازعونه سلطانه. وذلك يرفع معنوياتهم في أنفسهم، ويوجب تعاطف الناس معهم. وكلاهما مكسب مهم في حساب المبادئ”.

قد يرى بعض المريدين والمحبين عظمة الفقيد في تراثه الفقهي وإبداعاته العلمية، وآخرون في صموده وصبره على دينه ومبدئه، الذي دفع ثمنه هو وأسرته الجليلة غالياً، وقد يذهب غيرهم إلى إحيائه الشعائر الحسينية بممارسته الميدانية، عبر استضافة الزوار في بيته، وخدمتهم في الطريق… ولكن لهذا مماثل ولذاك مشابه، أما العرض والتنظير الفكري الذي أبدعه فغير مسبوق، ومبتكر لا نظير له ولا عديل.

لست في هذا التأبين المتواضع أسطر سجعاً وأنمق نصاً أدبياً ألتمس به تفوقاً وسبقاً، إنما هو الحق، يغلبني فينتزع الكلمات مني: إنما تقدَّر قيمة التقدمة، ويثمَّن العطاء، بمدى عزته وندرته، أن يعيش المرء النزاهة ويندك فيه الشرف ويغمره الإخلاص والصدق، فينادي بعدم القيام ويقول بمنع الجهاد لإسقاط الأنظمة الحاكمة، ثم لا يركن إلى الظالم ولا يدخل في سلطانه بأدنى نحو، ويكابد في ذلك ويعاني ما يعاني، وأنت ترى دعاة الجهاد وأرباب مقولة “الدولة الإسلامية” ينخرطون في أنظمة الجور، وينسجمون معها نواباً ووزراء ومسؤولين ومحافظين… فهذا يعني أنك أمام نموذج فريد، وجوهرة نادرة زينت تاج المذهب، ورفعت رأس الطائفة، وأعزت الشيعة بالعزة والفخر الحقيقي.

لن يموت محمد سعيد الحكيم، إنه حيٌّ بالحسين، بما أدرك وعرف، ثم أقام وشيَّد… “بل برجاء حياتك حييت قلوب شيعتك”.

Posted in

التعليقات