يضم أصابعه الخمسة ـ مبسوطة لا مقبوضة ـ إلى نقطةٍ تجمع الأنامل من الخنصر والبنصر والوسطى والسبابة إلى الإبهام، وكأنه يمسك أو يلتقط شيئاً ببنانه لا بيده، يحمل نقطة “المجمع” فوق راحته، ثم يومئ ـ ببطئ ـ رفعاً وخفضاً، يقول بها: مهلاً أو رويداً، وبالدارجة: “على كيفك” أو “يواش”! هذه الحركة، على عفويتها وتلقائيتها، هي الأكثر شيوعاً في حوزة النجف الأشرف! وتكاد تغلب دلالتها لتكون سمة في مسلك الفضلاء والعلماء هنا. يلقاك بها كلُّ مَن تحدِّثه عن الأخطار التي تحدق بالمذهب، وضرورة مواجهة الضلال ومقارعة الانحراف، أو تشكو له المظالم والمآسي التي تنزل بالشيعة في مختلف البلاد… يأتيك الجواب ويرتسم لك الموقف عبر خطاب النجف الثابت ورسالته الدائمة: الرويَّة والاعتدال.
ومن غفلة عن الأصالة والعمق وعموم نهج الحوزة العلمية، وجهل بتاريخ المرجعية وما يحكم مواقفها، يحسب بعضهم الأمر تقاعساً وسلبية وقعوداً، ونكوصاً عن النهوض بالدفاع والقيام بالجهاد، ويتمادى آخرون ويمعنون، فيتدثرون به ويتذرعون، يدارون جُبنهم وقعودهم، ويبرِّرون ركونهم إلى الدنيا، وطلبهم الراحة والدعة، فيتمثَّل أحدهم هذه الحركة، بمداليلها ومعطياتها، مدَّعياً الرصانة ومنتحلاً الوقار، متظاهراً بسيماء الحكماء والخبراء، يوحي أنه عاش أمثال هذه القضايا، وخاض تجارب مشابهة، فيرسم لك تكليفك وكأنه لقمان، ولربما صاحب العصر والزمان! والمسكين التعِس، أو الشقي الصلِف، أجوف إلَّا من ضراعة وهوان، فارغ إلَّا من جُبن وخذلان، خاوٍ إلا من تكسُّب وتمسُّك بالحطام. ولك أن تتأوَّه هنا وتطلق زفرة طويلة تأسى فيها وتتحسَّر على”الاعتدال”، المفهوم المنتهَك والصريع، شأنه شأن “الجهاد” الذي يُستدل على ضده ويُدعى لتركه بآية تدعو إليه وتتوعَّد تاركيه أو تزجر المفرِّطين فيه: “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة”!
هنا “اعتدال” يعطِّل دور الصبيان والغلمان، و”رويَّة” تقطع السبيل على الأحزاب، وتحول دون الاندفاع في مؤامرات الحركات السرية، والوقوع في شراك مساعيها لاستدراج المرجعية إلى غير حجى، ينفذ فيها صبرها على طخية عمياء، فتخوض مواجهات تقحمها بيد جذَّاء! إنَّ وقار العلم ورصانة التقوى والزهد، هو ما ينكِّس الرايات المرفوعة دون الحجة، المتقدِّمة المارقة والمتأخرة الزاهقة، وينقذ الشيعة من الشعارات الجوفاء التي ترفعها والنداءات الكاذبة التي تطلقها، وتبسط نموذجاً يحقِّق النيابة الحقيقية، ويوفِّر للأُمة ما يكفيها لالتزام وصية المولى عليه السلام في غيبته “أما الحوادث الواقعة…”.
لا يخفى أنَّ العمل بالمداراة والأخذ بالتقية هو من أبرز عناصر صنع القرار وعوامل تشخيص المرجعية الدينية موقفها، وأنَّ الاضطرار إلى المصانعة والمجاملة، واللجوء إلى اللين والمهادنة، هو من لوازم النهوض بموقع القيادة الدينية والزعامة المذهبية… وفي العموم، الأخذ بما يكفي الأُمة تحمُّل كُلفة أكبر وثمن أعظم مما تدفعه بالإعراض عن التعديات والإغضاء عن الأخطاء، وما تخسره جرَّاء السكوت عن المظالم والصبر على العدوان. ولكن هذا لا يعني التفريط بدور حفظ المذهب والذود عن الطائفة، ولا تعطيل دور المرجعية في الريادة والهداية، وترك تقويم الحركة وتصحيح المسار أبداً، ولا التخلي عن كشف الباطل والنهوض ببيان الحق، والسعي لقطع أسباب الافتتان والزيغ عن الدين والمذهب، فالمرجعية تتدخل حين يقتضي الأمر، وتسجِّل حضورها بحسم إذا تحقَّقت الضرورة، وهذا مطَّرد ثابت، سواء على الصعيد السياسي والأمني، كما في فتوى الجهاد التي قصمت ظهر داعش، ودفعت شرَّ الإرهاب عن العراق، وجرى من قبل في ثورة العشرين وحكم تحريم التنباك، والتصدِّي لقضية “المشروطة”، أو على الصعيد العقائدي كما في مواجهة البابية، ما قاد إليها وما أفضت إليه. وفي عصرنا شاهدٌ في الموقف الرباني من فتنة فضل الله، وقد جاء، كما هو غالبٌ في أداء المرجعية، على نحو توزيع الأدوار والتناغم في المسار، مما أطلق يد بعض المراجع والحوزات، وكفَّ أُخرى، لمصالح وأهداف عُليا، جهلها بعضهم، فتوهَّم عجزاً في عمق العقيدة وتفاوتاً في مراتب الولاء! ومع تكرار الرسائل (نقل إحداها علم ثقة ثبت، هو آية الله السيد علي الميلاني) التي تؤكد أنَّ المرجع الأعلى إنما اكتفى هنا بما نهض به العلمان التبريزي والوحيد، الأمر الذي ترك له سعة في الحركة يجبر بها ما سيفقده المتصدُّون نتيجة الحرب التي سيلقونها من الحكومات والأحزاب والتيارات الضالة، إلا أنَّ بعض المؤمنين بقي متوجساً من “ضعف ولائي” حكم القرار و”تراخٍ برائي” رسم الموقف!
وبالأمس القريب، في احتفالات الميلاد الشريف، طويت صفحة الشبهات التي تركَّبت من توغل الفكر الحداثوي الملازم للانتشار الإيراني في بيانات ونصائح وُجهت يوماً للخطباء الحسينيين، وظهر الرجاء في قطع دابر فئة تمكَّنت بعض عناصرها من النفوذ إلى مواقع التوجيه والإرشاد باسم المرجعية في مسيرة الأربعين… تصدَّى السيد السيستاني بوضوح، ووضع النقاط على الحروف، وظهر على حقيقته، عاشقاً لإمام زمانه، متحسساً آلامه، ورابطاً على قلوب أيتامه، فكتب:
“وليستحضروا عناءه عليه السلام في غيبته، لما يراه من المظالم والمفاسد في كلِّ مكان، وشوقه إلى أن يكون ظاهراً ليصلح ما انحرف من دين الله ويقيم العدل بين عباده. وليعلموا أنهم جميعاً محل اهتمامه وعنايته، وهو أرأف بهم من آبائهم وأُمهاتهم، وتهمه أُمورهم وأحوالهم، ويتعاهدهم بالدعاء والرعاية، وينبغي أن يتوسلوا بجاهه في قضاء الحوائج ورفع المشكلات”. ويمضي دام ظله، فينشغل بما أرادوا تصنيفه فضولاً، ويخوض فيما جعلوه نافلة أمام أُمور حسبوا لها الأولوية والأهمية، فانصرفوا إليها وانشغلوا بها عن الفتن المضلة والأهواء المغوية، ليُمضي التراث والسيرة التي دأبت عليها الطائفة، ويذكَّر أبناءه: “وليحذروا عن الوقوع في الشبهات المضلَّة والفتن المهلكة التي تتفق في غيبته، وأشدها ما أضرَّ بالعقيدة فزلَّ صاحبها عن الدين أو ضلَّ عن الولاء لهم عليهم السلام. ومن جملة ذلك الوقوع في فخّ من يدَّعي النيابة الخاصة أو يزعم الاتصال الخاص وينقل عنه عليه السلام تعليمات خاصة، فإنَّ هؤلاء قُطَّاع طرق لعقائد الشيعة في رجوعهم إلى أهل البيت، بل الواجب الذي لا شك فيه في هذا المذهب، كما جرت عليه سيرة المؤمنين جميعاً طيلة اثني عشر قرناً من غيبته، ما أوصى به أولياءه وشيعته من الرجوع فيما اشتبه عليهم من أُمور الدين إلى الأمثل فالأمثل من الفقهاء العدول المتقين من شيعتهم المقتفين لآثارهم وهديهم، فإنهم حجته عليهم وهو حجة الله على الناس جميعاً. كما أن من البدع المهلكة الدعوة إلى الرجوع إلى كل ما نُسب إلى الأئمة عليهم السلام من دون معرفة واختصاص، ولا تنقيح وتمحيص، ليتبوأ الجاهلون بالآثار وأُصول تمحيصها وتنقيحها مقام العلماء العاملين المتخصصين في شأن ذلك. كما أن من البدع المهلكة إنكار ثوابت الدين وقواعده أياً كانت الشبهة الباعثة عليه، ومن صعب عليه العمل بشيء من التعاليم، فلا يندفعنَّ بذلك إلى إنكارها أو التشكيك فيها، فإنَّ على العاصي إثماً واحداً وعلى المنكر والمشِّكك إثمين”.
بوضوح لا ريب فيه، يُمضي السيد السيستاني هنا ما قام ويقوم به بقية المراجع العظام والعلماء الكرام، ومعهم تيار عريض من الناشطين في التصدي للضالين: فضل الله والحيدري وحب الله وأضرابهم، ويصطف في جبهة المدافعين عن الأصالة والتراث، ويكشف عن وجهه الحقيقي الذي دارته التقية حيناً ووارته المصلحة فترة، وظهر وبان ليخلع على الأُمة الأمان، وينجيها من الضلال والافتتان الذي حاول أن يندسَّ تحت مظلته الأبوية، ويكتسب من سكوته المشروعية، ويستغل أداءً سعى للموازنة والموقع الجامع الذي يجاهد في الإبقاء على المؤمنين في دائرة المذهب وعدم نبذهم من الطائفة. وثبت إن المرجع الأعلى لا يختلف، في فكره وعقيدته ورؤيته، عن الميرزا التبريزي والوحيد الخراساني، والشيخ بهجت والسيد الوحيدي والسيد صادق الروحاني وكل من انبرى وحكم بضلال فضلة الشيطان.
ومما ينبغي بيانه بصراحة وجلاء، وعرضه بحسم ومضاء، أنَّ الساحة الإيمانية ماضية في أدائها الولائي ودورها الرسالي على الصعيد الفردي الشخصي والجماعي العام، تخضع للحوزة والفقاهة والتخصص العلمي بتسليم وإذعان، وتنزل على رأي الفقهاء وفتواهم برحابة صدر تقهر كل كبْر، كما تمارس ـ في الوقت نفسه ـ دوراً رقابياً عليهم! تتحرَّى شرط العدالة في العلماء الأعلام بعين فاحصة وقراءة نقدية، لا تغتر بصلاة وصيام، فلربما لهج الرجل بالصلاة حتى لو تركها استوحش، ولكنها تختبرهم عند صدق الحديث وأداء الأمانة، فمن يدَّعي لنفسه مرتبة علمية لم يبلغها، وينتحل مقاماً لا يستحقه، فهو كاذب ساقط العدالة، مهما تزهَّد وتنسَّك… من هنا تعرف المتهالكين على الشهرة، واللاهثين خلف الدنيا، وتميِّز العاملين لولاية الفقه، عن الساعين لولاية الفقيه، يستبدلون آل محمد برعيتهم ومن تجري عليه نعمتهم! وتعرف مَن يريد بناء مجده ورفع مكانته عبر تشييد العلاقات، يتخذها قنوات دعائية، لا يردعه فساد هذا ولا يثنيه ضلال ذاك، ما دامت العلاقة تكسبه الأنصار وتتيح له التوسع وزيادة المتابعين والمعجبين! هؤلاء جميعاً ساقطو عدالة، لا نقلِّدهم ولا نعترف بمرجعيتهم. وما دام الشأن علمياً يدور في نطاق البحث التخصصي فنحن تابعون منقادون، أما في تطبيق الكليات وتشخيص الموضوعات الخارجية، فللمؤمنين كلمتهم ومن ثمَّ موقفهم، وهذا يتفاوت بتفاوت علمهم بالموضوعات ووعيهم بفضاء الحوادث وبصيرتهم بأجواء الواقعة وما يرسم التكليف تجاهها. وما موقف المراجع العظام إلا عقدٌ يربط على القلوب، وأُنس يخرج من الوحشة،
وإلا فلو عدمنا حتى هذه النصرة لحيثيات تحكم موقف المرجع، فنحن ماضون في طريق الولاء لآل محمد، لا نبالي بخلو الديار ولا نكترث بالانفراد.
أما شرط الإيمان فيرسم الأداء فيه والموقف تجاهه ما جاء في الكافي عن أبي عبدالله عليه السلام: “الإيمان حالات ودرجات وطبقات ومنازل، فمنه التام المنتهي تمامه، ومنه الناقص البيِّن نقصانه، ومنه الراجح الزائد رجحانه”. وفي الخصال عن أبي عبدالله أيضاً: “إنَّ الاِيمان عشر درجات بمنزلة السلَّم، يصعد منه مرقاة بعد مرقاة.. وكان المقداد في الثانية، وأبو ذر في التاسعة، وسلمان في العاشرة”، والساحة الولائية تتحرَّى الإيمان (ولاية وبراءة) في مرجع التقليد وتطلبه في أعلى حدوده وأقصى درجاته، من الثبات والرسوخ في طبيعته، والاطمئنان واليقين في مرتبته، كما تطلب العدالة والعلم وما إليها من شروط كسبية وتريدها في الذروة.
هناك حزبيون، وهناك حداثويون، وهناك جهلة غارقون في أسر إعلام أُولئك وهؤلاء، وهناك شيعة خلَّص، لا يُخدعون عن دينهم ولا يوالون غير الأئمة الأطهار، وهؤلاء بدورهم، لا يعظِّمون عالماً ولا زعيماً مهما بلغ من العلم والمكانة والسلطة والشهرة، إلا بمقدار ما يشير إلى ذاك الجمال ويحكي ذاك الكمال.
صدح المرجع الأعلى دام ظله بالكلمة الحق، وتمت بها الحجة، ولا عذر بعد هذا ولا ذريعة، وإذا لم يبادر المخلَّفون من “أعراب المدينة”، بترك الانشغال بأموالهم وأهليهم، والرجوع وتصحيح مواقفهم، فأمامهم يوم “لا يؤذن لهم فيعتذرون” و”لا تنفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يُستعتبون”…
التعليقات