بعد الذروة القصوى والمرقاة الأعلى، المتمثلة في الوحي المُنزل والقرآن الصاعد، كتاب الله وحديث أئمة الهدى، ومواضع تجليات الحق، التي تدك الجبال وتهدُّها، ويخرُّ لها الأنبياء مصعوقين… فإنَّ بعض الأقوال البشرية، من فرط ما تستلهم من الحق وتحمل الرشد والصواب، ولشدَّة ما تعيش من الكمال وتتمتع بالجمال، تلحق بتلك من طرف، وتحوم في ذلك الحمى بنحو، فيكون لها وقع عظيم ودور جليل، ولربما حاصل هائل وأثر مزلزل صاعق!
هناك كلمات أُطلقت وأقوال أُنشئت، ما برحت تغلي في مرجل ظرفها، وتفور في وعاء زمانها، فيضيق عليها ويعجز عن احتوائها، حتى تفيض وتسري، تنبعث متخطية الزمان والمكان، تحمل المجد والسنا، وترفل في التقدير والإكبار، ما تتناقله الأجيال وتنهل منه الأعصار… ولعلها أُنشئت في ساعتها بهدوء، حتى كادت تكون نبساً وهمساً، وتمضي ركزاً، لكنها ما برحت تبعث جلبة، وتورث صعقاً صدحاً، وتُحدث زمجرة وهدَّة. قول لا يقرُّ وكلمات لا تسكن، ما زالت متفاعلة متفجِّرة، كأنها معمعة ميدان وجهجهة حرب، قد يسمع فيها واعٍ أنَّة متوجِّع وشهقة متألِّم، ويتلقَّى عالمٌ درساً عميقاً وحكمة بليغة، وينتزع فقيه حكماً ويستنبط رأياً، ولعلَّ أُذناً سمعتها هتاف استغاثة وطلب نجدة، تشكو المتطفلين على الحق، وتلعن المتسلِّقين المتَّجرين بالمذهب، وتتبرأ من المستأكلين بالدين! ولا يعني هذا فعل المعجزة وخرق العادة، فهناك ـ دائماً ـ أسماع وقرت وآذان صُمَّت، فلا وعت حكمة وأدركت رسالة، ولا شعرت بموعظة ونالت هداية!
من هذه النصوص التاريخية الخالدة التي ما انفك وقعها يقرع أجراس الإنذار، ويدق نواقيس الحذر من التمادي والانجرار، فالهويِّ والانهيار، حوار دار بين أحد أصحاب الإمام الصادق عليه السلام وابن عمه رضي الله عنه، متوكل بن هارون ويحيى بن زيد، لما لقيه متوجهاً إلى خراسان، فسلَّم عليه وقال له: “من أين أقبلت؟ قال: من الحج. فسأله عن أهله وبني عمه بالمدينة، وأحفى السؤال عن جعفر بن محمد عليه السلام، فأخبره بخبره وخبرهم، وحزنهم على أبيه زيد بن علي. فقال زيد: قد كان عمي محمد بن علي (الباقر) أشار على أبي بترك الخروج، وعرَّفه إن هو خرج وفارق المدينة ما يكون إليه مصير أمره، فهل لقيت ابن عمي جعفر بن محمد عليه السلام؟ قال: نعم. قال: فهل سمعته يذكر شيئاً من أمري؟ قال: نعم. قال: بم ذكرني؟ خبِّرني. قال: جعلت فداك، ما أحبُّ أن أستقبلك بما سمعته منه. فقال: أبالموت تخوفني؟ هات ما سمعته. فقال: سمعته يقول: إنك تُقتل وتُصلب كما قتل أبوك وصُلب! فتغيَّر وجهه وقال: يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب، يا متوكل إنَّ الله عزَّ وجل، أيَّد هذا الأمر بنا، وجعل لنا العلم والسيف، فجُمعا لنا، وخصَّ بنو عمنا بالعلم وحده. فقال: جُعلت فداك، إني رأيت الناس إلى ابن عمك جعفر عليه السلام أميل منهم إليك وإلى أبيك. فقال: إن عمي محمد بن علي، وابنه جعفراً عليهما السلام دعوا الناس إلى الحياة، ونحن دعوناهم إلى الموت. فقال: يا بن رسول الله، أهم أعلم أم أنتم؟ فأطرق إلى الأرض ملياً ثم رفع رأسه وقال: كلنا له علم، غير أنهم يعلمون كلَّ ما نعلم، ولا نعلم كلَّ ما يعلمون”.
ما زال الصوت والقول يسري في كل أُفقٍ يدعو للثورة، وفضاء يستنهض الأُمة ويحثها للسعي والعمل لما ينعش حقاً ويدفع ظلماً، ناهيك بما هو أعظم، أي دعوى الرضا من آل محمد. ولكن نداء الثورة الساعة، لا يصدر من عالم رباني وفقيه صمداني، ولا يطلق من لسان ورع مثل يحيى، وقائم لله صدوق مثل زيد، الذي لو ظفر لوفى، ولا حتى من فقيه جامع للشرائط يدعو للدفاع والجهاد، أو يمارس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تختلط من حوله الأهواء، وتتداخل بشأنه الآراء، فلا تدري الأُمة هل أخطأ في تشخيصه أم أصاب؟ هل أحسن التقدير أم أساء الحساب؟.. بل هي اليوم شُبهة ومعضلة تنعقد من نداء يطلقه تيار “الحركة الإسلامية”، وشعار يرفعه سياسيون يستأكلون بالمذهب ويتَّجرون بالدين، ظفروا وبسطت أيديهم إلى حين، فادعوا نيابة الإمام وتنكَّبوا ألقابه وخلعوا على أنفسهم أوصافه!
وهذا ما يستعيد السؤال، ويلح في طلب الإجابة: هل أنتم أعلم أم هم؟
وما برح القول يتكرَّر والشُّبهة تتجدَّد، والسؤال يُعاد: لماذا سكت الباقر وصمت، ونطق زيد وصدح؟ لماذا قعد الصادق وسكن، ونهض يحيى وقام؟ ثم لماذا هاج مَن هاج لحرب إسرائيل وتحرير فلسطين، وسكن أو ركد إمام الزمان عليه السلام؟! هل يفوقونه علماً، فعرفوا من أدلة القيام ووجوب الجهاد ما غاب عنه ولم يحط به خبرا؟! هل هم أشد غيْرة منه على الحق والدين؟! أم هم أكثر استشعاراً بمظالم وآلام المحرومين؟! هل تراهم أمضى عزماً وأوسع وعياً ويقظة، فغاب عنه ما عرفوا من أخطار تحيط بالدين ومؤامرات تحاك ضد الإسلام، فهبُّوا ونهضوا وأغفى هو وقعد؟! هل أربت شجاعتهم الفاعلة وفاق بأسهم الحاضر شجاعة وبأس الإمام الغائب؟! هل زهدوا في الدنيا وزخرفها، ورغب بها وطمع؟! هل غلبهم الإخلاص واستحثهم الشوق، وغرَّته هو الحياة الدنيا وأبطأت اللذات!؟ هل طاب لهم ركوب الأهوال وتجشم العناء فنفروا للقتال، وراقت له الدعة والسعة والأمن والراحة، فلحق بـ “المعذرين” وإثاقل الى الأرض؟!.. قد لا يجرؤون على التصريح بهذا الكفر وإعلانه في منطوقهم، ولكن هذه الأسباب التي يقشعر لهول فرضها العرش، مكنونة في مفهوم رسالتهم، ومخبوءة في مُضمر دعوتهم!
إنَّ نداء “أ هُم أعلم أم أنتم”، حاضر ماثل في كلِّ فرض وحالة، مرتسم كخلفية تملأ فضاء كلِّ مشهد، وتصرخ في وجه كل صاحب راية! و“الأعلمية” التي ينادي بها، لا تقف عند المعارف الدينية، بل تشمل العلم بفنون السياسة وأسرار الاقتصاد وأساليب الإدارة، ومعرفة التاريخ وسنن الحركة وطرُق التغيير، والإحاطة بمكائد العدو وحيَله، وكل ما يحول دون استدراج بعضهم إلى مستنقعات الطين وبؤر الرمال المتحركة، يغرق فيها ويركس، فيركل ويرمح ويرفس، ويضرب بيديه ويخبط، فلا يزداد إلا غرقاً ورسوباً! إنها إحاطة تقطع الطريق على مواجهات يُستدرج إليها القائد الغبي، تستنزفه وتأخذ طائفته إلى الفقر والحصار، والوقوف على شرف الانهيار، فينشغل السواد الأعظم من رعيته بأوليات العيش، وينصرف إلى ما يسد الرمق دون الهلاك، ويمنع التسوُّل والاستجداء، مقابل أن يستقر ويزدهر، فيتحرى سُبل الكمال، ويأخذ بأسباب التطور والرقي الروحي، وما يسمو به ويحقق الغاية الإلهية من خلقه!
إنَّ السؤال ـ “النداء”، يستدعي وعياً يدرك خفايا الحرب الإعلامية، وكيف يغذِّي العدو نرجسية قائد مغرور، أحرق مساحة النقد من حوله، وأقصى كل مستشار ينبِّه إلى خطئه، وأحاط نفسه ببطانة تتفنن في مدحه وإطرائه… فيدخل العدو ليدغدغ فجَوات في روحه، ومركَّبات نقص في نفسه، يلعب عليها ويناور، يزرع فيه البطولة أو يوهمه بكمال يتمتَّع به! ثم يروِّج له وينفخ فيه، وإن دفع على ذلك ثمناً زهيداً لا ينال من قوته، حتى ينزل عليها الرجل ويؤمن بها المسكين، فيفخر أنَّ العدو يعترف له بها! وهو يعلم أنه يكذب، بل يعيش الأكاذيب ويغرق فيها، وأنه يسبح في جماعة ويحوم في منظومة قامت على الكذب وتمضي على الدجل!
لا أحد هنا يريد التصدِّي لموقع تعيين التكليف الشرعي، ولا مصادرة صنعه، أو المغالطة في كيفية استنباطه ورسمه، فينفي أحكام الجهاد والدفاع، ويُيطل العمل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يرفع هذا الصوت والنداء ليدين أو يتحفظ على فقيه جامع للشرائط نهض للحق أو أفتى بالجهاد، سواء في ماضي الحوزة من أمثال الميرزا محمد تقي الشيرازي والسيد الحبوبي ضد الإنكليز، والشيخ كاشف الغطاء ضد الهجوم الروسي على إيران، والسيد الطباطبائي صاحب الرياض والميرزا القمي في أحداث القوقاز، أو حاضرها كثورة السيد الخميني ضد الشاه، والسيد السيستاني ضد داعش والإرهاب التكفيري. فهذه مواقف وإن تفاوت المحللون السياسيون في تقييمها، لكنها على الصعيد الشرعي والتقييم الديني، تامة صحيحة، كون من أصدرها ونهض بها فقهاء جامعون للشرائط…
ولكن الموقف اليوم يختلف، فالراية باتت بيد تيار لقيط هجين، يستل أفكاره من علي شريعتي والإخوان المسلمين، ويكتسب مشروعيته من دعوى باطلة، تجاوز عوائقها بمكيدة وحيلة، وشهادات مزيفة، وأرساها بمناورة سياسية أشبه بالانقلاب الذي رفع هذا وأسقط ذاك!.. ليس لهؤلاء أن يقودوا الشيعة، ولا أن يمثلوا الشريعة، وهم يحملون الناس على أكتاف آل محمد، ويأخذون شيعتهم إلى مواجهة انتحارية في سبيل بطولات وهمية… فإذا توقف بصير، وامتنع حصيف، وأمسك حكيم، رُمي بالقعود، وطعن في إخلاصه، بل في حقيقة تشيعه وولائه!
لقد تهاونت الساحة الإيمانية في دعاوى الاجتهاد والمرجعية، التي تستبطن الأعلم وتصادر موقع من يُستقى منه التكليف، جاملت في هذا وداهنت، وصانعت وضارعت، وها هي تدفع الثمن عبثاً في الدين وضلالاً عن الحق، وخراباً في الدنيا، وكوارث في الحياة الاجتماعية، وانحداراً في الأخلاق.
ومن حديث الروح لمحمد إقبال: إذا الإيمان ضاع فلا أمان، ولا دنيا لمن لم يحي ديناً…
التعليقات