قحم مغامرة طائشة بامتياز، وأدار ثورة بمنتهى الحمق والغباء، وقاد شعبه في البحرين بتدبير يتنزَّه عنه أسفه السفهاء، ثم تراه ينظِّر للوعي ويحاضر في البصيرة!.. إنه تيار ولاية الفقيه، الذي يرمي الوحيد الخراساني، شيخ الفقهاء وزعيم الحوزة العلمية في قم، بافتقاد البصيرة، وعدم الكفاية لإدارة الساحة! ويأخذ عليه اضطراب الأولويات، والعجز عن إدراك الموارد المحقَّة التي يجب أن ينشغل بها المرجع، ذلك أنه يتحسَّس مما يطال المذهب ويمس العقيدة وينال من الولاء، ولا يبالي ـ كما يدعون أو يفترون ـ بالقدس وفلسطين والوحدة الإسلامية. وهذه شنشنة نعرفها من أخزم، تتجدَّد بين الفينة والأُخرى على غير لسان، وتصدر بحق غير واحد من مراجعنا العظام. والغريب أنها جاءت هذه المرة، والعالم يشهد واحدة من فضائح الإدارة ومهازل التدبير السياسي، وأجلى صوَر العمى وافتقاد البصيرة لقائد الجمهورية الإسلامية!.. ما يدعونا للنظر في وعي السيد القائد، ويحملنا على تقييم أدائه وأحوال دولته.

الأرجح أنَّ نظام الجمهورية الإسلامية في إيران سوف يصمد ولن تسقطه الانتفاضة القائمة، لكنه سيخرج منهكاً مثقلاً، جريحاً مضعضعاً، يجر أقدامه وكأنه يقتلعها بعد وَتْد وارتكاز، من فرط الصمود، وإحاطة العدو والاحتواش، وتلاحق الضربات وإثخان الإصابات. فهي حلقة في سلسلة انتفاضات ممتدة، ولعلَّ الحراك القائم اليوم، هو الأقوى والأشد فيها، وقد فاق ـ في قراءة المحللين ـ الانتفاضة الخضراء عام 2009. والأهم الأخطر هنا، أنَّ الحراك وجَّه ضربة قاسية للفكر الديني، على الصعيد العقائدي والثقافي، وخلق أزمة عميقة في الساحة الإيمانية، نزلت بالحداثوي المغامر، كما طالت الأصيل الملتزم، وخلَّفت معضلة في الخطاب الديني، حلَّت بالحركي الضلالي، كما شملت التقليدي الوقور، النائي بنفسه عن لوث السياسة والمتحرِّز من ظلمة دهاليزها… مفادها أنَّ الشعب أو الأُمة ما عادت تريد الدين، وأنها باتت عازفة عنه، ضائقة ذرعاً بعقائده وأحكامه، لا تميِّز بين حمَلته من العلماء الأتقياء، وأدعيائه من الحكَّام القساة والولاة الأشقياء!

فالحراك الذي يبدو أنَّ السلطات عاجزة عن كبح جماحه، ناهيك بوقفه وإنهائه، وفي ضوء إصرارها على توصيفه حراكاً يستهدف الإسلام وشعائره، لا النظام وسياساته، وفشله وإخفاقاته، وتصويرها المتظاهرين المحتجين معادين للدين، يريدون إسقاط الهوية المذهبية عن المجتمع والوطن، وأخذ إيران إلى انحلال الغرب وإباحيته، ومحاربة شعائر الإسلام على خطى رضا خان ونهج كمال أتاتورك… يفرز وضعاً خطيراً، ويخلق صدعاً غائراً، يعمِّق معضلة الخطاب الديني، ويعقِّد الأزمة المعاصرة له، التي صنعتها التيارات المتطرفة، ولا سيما العنيفة وفي رأسها الإرهابية التكفيرية.

الأزمة والمعضلة التي عمل السيد السيستاني طويلاً وما زال يعمل على معالجتها، ومنع إصابتها الساحة الشيعية. وقد بذل ـ دام ظله الشريف ـ في هذا السبيل وثابر، وعانى الأمرَّين ليقدِّم الإسلام في إطار السلم والسماحة، وصورة الاعتدال والوسطية، النهج البعيد عن العنف والتطرف، المؤثر للحوار والتفاهم والحلول التوافقية، دون المواجهة والصدام. فكان الأداء الهادئ الجامع، الذي نجح في تحييد الشعب العراقي وعموم الشيعة في العالم عن الصراع العبثي الذي تخوضه الجمهورية الإسلامية مع أعدائها، وصدِّ الامتداد الإيراني وحصره في دوائر النفوذ المخابراتي، ونطاقات ضيقة من الأحزاب الموالية، دون شعوب البلاد وعموم المؤمنين. وقد ضرب سماحته في هذا السبيل أروع أمثلة النجاح، وأثبت بالوجدان، أنَّ ما يُنتزع بالحكمة والموعظة الحسنة، ويُكتسب بالهوادة والمداراة، هو أضعاف ما يُنال بالعنف والقوة، أو بالعناد والمكابرة، مردوداً، وكذا كُلفة وثمناً. وفي هذا السياق انتهى الاحتلال الأمريكي وأُقر الدستور العراقي وقامت الدولة الجديدة بديمقراطية محسودة، وتعددية لم يطقها الجوار! وما زالت المسيرة تمضي بنجاح، على الرغم من عوائق كبيرة، في رأسها فساد السياسيين من أبناء الحركة الإسلامية التي تقود الدولة (وجلُّهم من أتباع إيران ونهجها!)، بعد إعصار الإرهاب التكفيري، والمجازر والفجائع والدمار الذي أنزله. نجحت المرجعية في احتواء جميع الأزمات والأخطار، وقادت سفينة الطائفة والمذهب نحو برِّ الأمان، ووفِّقت في عرض نموذج عملي للفصل بين الدين والدولة، والنأي التام للحوزة العلمية عن شؤون الحكم والإدارة، وحصر التدخل في موارد إنقاذية تنزل عليها الأطراف المتنازعة، تتسوَّل وتتوسَّل المرجعية أن تفصل في الخصام، أو تُمضي وتبارك الوفاق!

وهلى هذا النسق والمبنى عالجت المرجعية العليا “الحراك” في العراق!… ولم يعد خافياً أنَّ “الحراك الشعبي”، الثورات البيضاء والخضراء، الانتفاضات السلمية والمخملية، من تونس ومصر إلى لبنان والسودان، فالعراق وإيران، وغيرها من مواقع هبوب نسمات الربيع العربي، كلها مقولة واحدة، تحركها المخابرات وتديرها السفارات، وإذا كانت بعض الدُّمى التي تدِّعي البصيرة، قد استُغفلت واندفعت في بدايات الحراك، أو ارتبكت واضطربت وأسقط في يدها فلم تحر موقفاً وجواباً يفسِّر الظاهرة، فإنَّ الأمر الآن بات واضحاً، ولا ريب في أنه أداة التغيير الأمريكي. ونحن في الساحة الشيعية أمام نماذج أربعة للحراك الشعبي، بحريني ولبناني وعراقي وإيراني، ذهب الأول الذي كان التشيُّع الحركي فيه بموقع الفعل الجماهيري ووقود الحراك، أدراج الرياح، وكذا راح الثاني باصطفاف مفتضح مع النظام الطائفي! وبقي النموذجان العراقي والإيراني، وهما حالتان حريتان بالدراسة والبحث، للنظر في كيفية إدارة الأزمة، وأداء القيادة المتصدية في البلدين، المرجعية في العراق، وولي الفقيه في إيران، وآليات عمل كلٍّ منهما في معالجة القضية، ثم الوقوف على النتائج وانتزاع المعطيات.

في العراق، ذهلت الجماهير والأحزاب والسلطة والعالم بأسره، من طريقة عمل المرجعية، وكيف امتنعت عن أي فتوى أو بيان يدين الحراك، وهو العلماني الإلحادي العميل! الذي يهتف ضد الدين، ويحرِّض على الأشقاء الشيعة الإيرانيين!.. ولم يقف الأمر عند السكوت وعدم المواجهة، بل بلغ الدعم الصريح، حين أمَّنت العتبات المقدسة للمتظاهرين حافلات تنقلهم، وبعض النقليات كانت لحراك مفتعل يخدم حشد الجماهير ونقلهم من مدينة لتسد النقص والعجز في أُخرى! ولم تكتف بذلك حتى وفَّرت للمعتصمين وجبات الطعام والمياه والمشروبات، ضمن مقولة أن هؤلاء يبقون من أبناء العراق، لهم حق التظاهر والاعتراض، وقد أغرقت السلطة في الفشل والفساد، وأنَّ المطالبة بإسقاطها حق مشروع، فلتذهب الحكومة ويسقط رئيس الجمهورية وليأت آخر غير هذا وذاك، أما شعاراتهم، فهي جهالة وخلط بين المبدأ والتطبيق، ونقمة على الظلم الذي يقاسون، لا الدين الذي يؤمنون… هكذا احتوت المرجعية الحراك، وأطفأته وأنهته، دون خسائر تذكر ولا فتنة تتهدد الدستور والاستقرار وأصل هوية النظام!

هذا هو أداء تسعيني، مثقل بالأمراض وآلام الشيخوخة، لا يملك من أسباب وعناصر رفد القيادة، وأوليات العمل السياسي، عشر معشار ما لدى قائد الجمهورية.

أما في إيران، التي تجاوز القوم فيها عن شرط الفقاهة، وقدَّموا المفضول على الفاضل، طلباً للحنكة السياسية والقدرة الإدارية التي يفترض أن يتفوَّق السيد القائد أو يتميَّز بها عن الفقهاء الحقيقيين والمراجع العظام، من الشيوخ المنقطعين في بيوتهم، الشيَبة المنزوين، المفتقدين لأي سابقة، والمفتقرين لأي خبرة، فترى أداءً تدميرياً وكأنه انتحاري!.. بدل أن يصطف مع الشعب، أو يتخذ موقف الحكم بينه وبين الحكومة، فيدينها ويغيِّرها إرضاءً للشعب ونزولاً على إرادته فيحتوي الأزمة، غضب وتعصَّب وجعل المعركة بين الشعب وأصل النظام، بل بينه وبين أصل الدين والإسلام!.. وراح يحدوه الجشع والشره في بسط نفوذه ووضع يده على جميع مواقع السلطة، دفع لإجراء انتخابات نيابية، في ظروف تعطيل عالمي بسبب الكورونا، وحتى يستحوذ أنصاره على السلطة التشريعية، لم يكترث أن يتفشَّى الوباء! ثم عمد لانتخابات رئاسية إقصائية، دفع فيها السيد رئيسي وحمل الأرض والسماء على تنصيبه، ومضى في ضيق أُفق وحسد لنجاحات رجال الدولة من غير تياره، جعله يشنُّ حملة شعواء على دولة روحاني وشخص وزير خارجيته ظريف، حتى علَّق الاتفاق النووي التاريخي الذي حققه وأنجزه، وها هو فريقه المفاوض يتسوَّل نفس الاتفاق، بل يخضع ويقدِّم المزيد من التنازلات، والغربيون يذلُّونه ويأبون التوقيع! هذا إلى جانب أداء اقتصادي أخذ البلاد والعباد إلى حافة الانهيار، فإذا انتفض الشعب وثار، عمد للطرق البوليسية في القمع، والحيل المخابراتية التي ملأت المعتقلات، وما زال في تخبُّط وتعثُّر، لا يدري كيف يصنع ويخرج؟! الرجل مستغرق في دنيا “سلام فرمانده” وما ينسجه الخيال ويسطره من فتوحات في شرق الأرض وغربها، ويحلل ثورة الشعب ويفسرها نقمة على نجاح الأنشودة!

تُرى من هو السياسي المحنك، والحكيم الخبير، وأين “البصيرة”؟ هل هي في الشيبة المقدسة الذي يدير العالم وهو خال اليد إلا من الفقه وصلاة الليل؟ أم الذي يملك سابع قوة عسكرية في العالم وأقوى مخابرات في المنطقة، ومنظومة خرافية تزوده بالمعلومات الأمنية والسياسية والاقتصادية، وسلاح إعلامي جبار، سيل جارف من القنوات الفضائية والمواقع والجيوش الإلكترونية، ومئات آلاف الموظفين والأعوان؟!.. وليس يصحُّ في الأذهان شيءٌ، إذا احتاج النهارُ إلى دليل.

Posted in

التعليقات