مشاريع سياسية، خطط حزبية، تدابير حكومية، تظهر في شخصيات تزرعها الأنظمة والأحزاب السياسية في الأوساط العلمية والساحات الثقافية. يقرأ الحزب أو ترصد الدولة أهمية الحقل العلمي وخطر الميدان الثقافي، فتقرِّر أن يكون لها حضورها الفاعل ووجودها العامل فيه، بما يبسط يدها ويمكِّنها من الحركة والتأثير، وسحب البساط من تحت المثقفين والعلماء الحقيقيين، فلا يكون بينهم رافض أو معارض يحمل فكراً وعقيدة تشكِّل تهديداً للحزب والنظام. يتأكَّد ذلك في الأنظمة القائمة على أيديولوجيات أو أُسس دينية، لها مرتكزات علمية، عقائدية وفقهية، كما الجمهورية الإسلامية، فإنَّ أهمية الحقل العلمي والثقافي وخطره عندها يتأكَّد ويتضاعف، وبالتالي حرصها على ضبطه وإحكام قبضتها عليه. ومن السذاجة بمكان تصوُّر أو افتراض إهمالها الأمر وتركه للأعداء أو للأقدار، تسوقه إلى ما ينال من الدولة ويتهدَّدها، ينخر أُسسها ويخلي الأرض من تحتها لتهوي وتسقط بعد حين.

ولما كانت الجمهورية تفتقد العلماء والمثقفين، أو أنهم شحُّوا في رجالاتها وندروا بين أتباعها، فالعالم الحقيقي والمثقف الواقعي قلَّ أن يرتضي لنفسه دور عميل السلطة وخادم النظام، فإن قبِلَه أَنصاف العلماء ورضي به أشباه المثقفين، عسر عليهم تكلُّف الذرائع وشقَّ التماس المبرِّرات، اللهم إلا مَن قبع في حضيض الوضاعة وبلغ أرذل الخسَّة والصغار كالحيدري وحب الله، ومن قبلهم هبل الأكبر فضل الله، ممن عُدم فيهم الورع وزوي الحياء… عمدت السلطة لخلق بدائل وصنع أدعياء، تغرسهم في المحافل العلمية وتزرعهم في الأوساط الثقافية، وهم يأتون على شاكلتها والكيفية التي هي عليها، من الهزال العلمي والضعف الفكري، المسحة التي تصبغهم من القمة إلى القاع ومن الباب إلى المحراب! ثم تكتفي بصخب الإعلام، وتستغني بطنين الذباب، يروِّج ويهرِّج، ما يغلب الفضاء والأجواء، فكأنها حققت المطلوب وبلغت الغاية والمراد، فالحقيقة لا تعنيها ما دامت الأكاذيب تنطلي، والواقع لا يشكِّل خطراً ما دام الزيف يُشترى ويباع.

يجمع أحدهم ثقافة متواضعة من قراءات سطحية مبعثرة، وشتات مطالعات عابرة، يُلحقها بدراسة أو شهادة جامعية في مرتبة دنيا بالكاد تتيح له وظيفة تدرُّ راتباً ومعاشاً، أو يكسب من التحصيل العلمي في الحوزة نزراً ويجني لمماً لا يسمن ولا يغني من جوع… ثم تراه يخوض في أُمور الدين ويلج ساحة الإرشاد، كأنه ابن بجدتها وأمهر فرسانها، يُسقط الثوابت والمسلَّمات، من راسخات المذهب ويقينياته، كمراتب المعصومين ومناقب الأئمة الأطهار، وشعائر العزاء والمزار، ويثبِّت المتقلقل المتزعزع، والضعيف المشكوك كالولاية المطلقة للفقيه، ويزرع المختَرع المبتَدع، فيعلو بالقدس ويجعل الأقصى القضية الأُولى، ويهمل العتبات المقدسة ويتجاهلها، أو يسخِّرها لطريقه والنهج الذي اختار. يقول برأي الزيدية في الجهاد، ويصوِّر النهوض به من أُصول الإمامية، ويدعو للمجاهرة بعداء القوى العظمى والتصدِّي للحكومات الموالية لها، ضمن نهج ما يسميه “الممانعة” أو “المقاومة”، يجعلها من أركان الدين، ليخرج من لا يقول بها ويلتزمها من ربقة الإيمان! يخوض في الرجال والأسانيد، فيضعِّف ما شاء من الأحاديث ويهمل ما لم يطب له من الروايات، وينتزع وجوهاً ما أنزل الله بها من سلطان في التفسير وتأويل الآيات!

يتصدَّى للتحقيق والتأليف، وكأنه أُستاذ ضليع ومتخصِّص رفيع، ولربما قدَّم دراسة ونظَّر لفكرة وأسس لموضوع، فيحسبه الغافل باحثاً جاداً، وجهبذاً بلغ الاجتهاد، فيخبط بما يطال المذهب ومسلَّماته بالتشكيك، وأحياناً بالنقض والهدم، يأتيه من داء سكنه بهوس “فتحٍ غير مسبوق”، والظهور بجديدٍ غير مطروق! والعوام يلحقونه ويتبعونه، يتركون الكليني والمفيد والطوسي والصدوق والعلامة والمحقق والمجلسي والحر العاملي، والفحول من أعلام الطائفة وأفذاذها، والأساطين من علمائها ورجالها، من فقهاء وأصوليين ومحدِّثين ومفسرين وفلاسفة ومتكلمين، ويستبدلون بهم غرّاً مبتدئاً أو متطفلاً طارئاً ولصيقاً لاحقاً!.. فإذا جمعت المستوى الثقافي المتواضع والتحصيل العلمي الأدنى، إلى النشاط العريض وحجم الفعل والحركة، والمزمار الذي يعزف في كل عرس ووليمة ختان، إلى النتاج والمخرجات، وقرنت ذلك إلى العمر وما بلغه الفتى أو الرجل منهم! تقف على أحد أمرين: إما عبقرية معجزة، أو مهزلة مضجرة! وكمثال عابر يسلِّط الضوء على السائد المتصدِّر من اللغو والحشو، والرجال الذين أعدَّتهم الدولة وأحزابها، الذين سينهضون بـ ”جهاد التبيين” وينفِّذون أوامر القائد… تأمَّل في قضية كتاب “التمحيص”، وهو كتاب تم الفراغ من تحقيقه منذ سنوات خلت، على يد أحد أفذاذ المحققين، وأبرز العلماء المتخصصين، هو السيد محمد باقر الأبطحي، أنجزه وفق الضوابط العلمية والأُصول الفنية المرعية، من البناء على نُسَخ مخطوطة، ومقابلات وتطبيقات، ومعالجات تامة، حتى طُبع ونشر… ثم تفاجأت الأوساط العلمية بالأمس القريب بطبعة ثانية له، صدرت باسمٍ جديد يُنسب إليه “التحقيق”! وكل “جهد” صاحبنا هذا وإنجازه ينحصر في إرجاع الكتاب إلى ابن شعبة الحراني بعد أن نسبته الطبعة الأولى للإسكافي، الأمر الذي كان السيد الأبطحي قد سبق ونوَّه إليه في مقدمة طبعته على نحو الاحتمال! فكان ترجيح أحد الاحتمالين هو “الفتح المبين”، الذي حمل “المحقق الجديد” على بساط انتشله من ربوع العمالة للنظام، وطار به إلى فضاء الأصيلين الأخيار!

ما الأمر هنا، وفي عشرات الموارد المشابهة، التي تبرق فيها نجوم في وسائل التواصل، وتسطع كواكب تجتذب المتابعين والملاحقين، تكرِّس رموزاً قادمين، إلا مشروع سياسي يحظى بدعم إعلامي خرافي، يصنع أبطالاً في شتى الفروع والوجهات، حتى الساحة الإيمانية الولائية، لهم أرقامهم الذين يظهرونهم قامات، وإن كانوا أقزاماً أو أحداثاً كهذا الذي يزعم التحقيق… والملفت المؤلم، أنَّ بعض المثقفين الحقيقيين، انطلت عليهم الحيلة ودخلوا في الصفقة، ورقصوا تحت الراية، فكانوا والمستغفَلين العوام سواء!

لا يعنينا من يتبع العمائم الحكومية والمثقفين الحزبيين، من متجاهرين لا يخفون هويتهم، ومعلنين لا يدارون ولا يتوارون، فهذا خيار الأتباع وتلك قناعاتهم، “ومن يضلل الله فما له من هاد”، و”وأولئك هم الخاسرون”… إنما الحسرة على المغرَّر بهم، ومَن أغواهم ظاهر مزيَّف وانطلى عليهم زخرف الإعلام وغلبهم زخمه، فلحق عناوين: “المربي الفاضل” الذي يمحور الدين حول شخصه الشاخص ونفسه النفيسة، و”بخاري الشيعة” الذي لا يأتي أتباعه إلا بالصحيح ويطرح الأحاديث الضعيفة! و”الثعلب المراوغ”، الإشكوَري الذي يفاكه النساء ويمازحهن، ويستملح سماجته بتجاذب اللطائف، ودعوتهن للجرأة وترك الحياء، يؤسس جامعة نسوية، مغرِّراً بآلاف المؤمنات، يزعم أنها تابعة للمرجع الأعلى، فينتسبن إليها فرحين ويلتحقن بها واثقين معتمدين، والسيد السيستاني منها على براءة يوسف الصديق من السوء! والصفيق الوقح يمضي في سياسة الأمر الواقع، والسبق للمبادر! وكذا ”الذئب العاوي”، ”پناهيان”، الحمَل الوديع، الإلهي المحلِّق، العرفاني الخلوق، المهذب البشوش، الذي تغلبه من فرط سماحته الابتسامة.. ثم ينقلب في ساعة، ليشتم ويلعن، وينادي بالويل والثبور على عالم من أعلام الحوزة وواحد من كبار فقهائها، كلُّ ذنبه أن انتقد أداء الدولة وعجزها عن احتواء المتظاهرين، وتمام جرمه أن حذَّر من نتائج كارثية لهذا الحراك والصراع (وإن تمَّ إنهاؤه والقضاء عليه)، أخطرها الاصطفاف ضد الدين، عندها كشف “پناهيان” عن وجهه الآخر، وقفز إلى الواجهة يعضُّ لا يعِظ، وينهش لا يهش ويبش، وظهرت أسنانه الباسمة، أنياباً تقطر دماً! فعاد لما حسبه بعضهم زلة كانت منه، حين لحق باصطفاف حزبي مفضوح في معركة الانتخابات النيابية، فبان أنَّ هذا هو الأصل فيه، وما الظاهر إلا قبعة إخفاء، وجلد حمَل يسمح له بالرعي مع القطيع وسط الخرفان!.. وما زال العوام يلاحقون أفلام وتمثيليات أستاذ الأخلاق، ومربي الأجيال! يتوهمون فيه وفي أضرابه الأصالة الحوزوية والاستقلال، وما هم إلا مشاريع تتحرك تحت راية الجمهورية أو الحزبية وما يمثل الحركة الإسلامية، أصل الضلال والانحراف… قد يمطر بعض غمام هؤلاء، فيسقي العطاشى ويرويهم، ويخدع العوام ويعميهم، لكن الريع والعائد، سيكون دائماً للزارع، والمتعهد بالرعاية والمتكفِّل بالتسويق والدعاية، وتتفاوت هنا نسبته وتختلف حصَّته، باختلاف قوة الغيمة وحجمها ومكانتها، ودرجة إسهام النظام أو الحزب في صنعها وتكوينها، ليعود له الكل أو النصف أو الربع، وفي الأقل الأدنى سيحظى بالخمس ومعه مداليله الفقهية!

هذه عينة من رجال “جهاد التبيين” الذي ندب القوم إليه مؤخراً كصيغة حركية، تفرغ الشحنات الثورية التي طالما زُرعت في هذا التيار، وباتت لا تنسجم مع المرحلة القادمة من الاستسلام! وهناك الأسوأ والأكثر انحطاطاً.. هؤلاء جميعاً سينخرطون ببدعة التبيين في طورهم القادم (ولولا أن دهمهم الحراك لقطعوا فيه شوطاً وصاروا اليوم في غير مرحلة)، ومن نافلة القول أنَّ هذا الجهاد عندهم يصبُّ في الحث على القيم الثورية والشعارات السياسية كالقدس والوحدة الإسلامية (كما صرَّح المسكين الذي انتقص من بصيرة الشيخ الوحيد!)، وما إلى ذلك من هراء سياسي باتوا يسحقونه في صفقات تبيع الأوطان، وتتبادل مناطق النفوذ بين العراق ولبنان!

مع كل شواهد الانهيار السياسي والاقتصادي (وإن نجا النظام من كبوته الحالية)، والإفلاس الفكري، والخيانة العقائدية، وقد ظهرت للأعمى وأسمعت الأصم، في أداء هدم الحوزة وأزرى بالمرجعية، وزرع ورعى عناصر الضلال، وفَّر لهم الغطاء وزودهم بالمال، ومنحهم الحماية السياسية والاجتماعية… ما زال بعض الحمقى والبُلْه يبرِّئ النظام، ويمضي بجمود الخشب المسنَّدة، وبرود الموتى، وغفلة الشياه، تسقى في المسلخ الماء! فيلتمس للحزب والجمهورية الإسلامية الأعذار، ولا يرى شيئاً من كل الذي يعصف بالدين وإيران… ثم يعيب على الصحاف، ويسخر من وزير إعلام صدام!

Posted in

التعليقات