لم يكن آخر خلفاء بني أُمية منصرفاً إلى اللهو ومنغمساً في اللذات، ولا جاهلاً أو متخلِّفاً، كما توحي الصفة التي أُلصقت به، ولكن ما جعله “حماراً” فرَّط بمُلك امتدَّ قرناً كاملاً، هو دخوله في صراعات متزامنة، وخوضه حروباً متلاحقة، عجز عن منعها، وخاب في معالجة أمرها، فالرجل مع فقد الحكمة والفطنة، وعدم سعة الصدر وحسن التدبير، كان يعيش غروراً وزهواً أقنعه بقدرة خارقة ظنَّ أنه يتمتع بها! إنَّ سقوط الدول وانهيار النظم الاجتماعية والكيانات السياسية لا يكون فجأة، ولا يأتي وليد ساعته، وإن ظهر للبسطاء كذلك، في صورة انقلاب عسكري، أو حادث فجَّر رفضاً شعبياً ثم حراكاً عارماً، إضرابات واعتصامات ومظاهرات أوهت الدولة فقوَّضتها… هناك علل وآفات ممتدة، وأمراض متأصلة، ونقائص وعيوب متراكمة، أُهمل علاجها، بل تم جحدها والتنكر لها، حذر إزعاج السلطان وغضبته، لفرط استبداده وطغيانه، فاختزنت القروح قيحها، وأعملت الجروح الملتهبة بصديدها، فسرت في باقي البدن وسممت الجسد كله.

حتى أشهر خلت، كان المؤمنون المتدينون يصنِّفون الكاتب الناقد للسيد الخامنئي، بالخيالي الواهم، ويرون مَن يقوم بفعله مندفعاً متهوراً، يحكِّم أهواءه وعواطفه، يعيش عُقداً وأحقاداً شخصية، وتتملكه نزعة انتقام لما ناله من النظام، وإن نجا من تهمة العمالة، فلن ينجو من الانخراط في المؤامرة من حيث لا يدري! كانت الأعين عمياء والآذان صماء، والعقول في سبات… فالحقيقة المؤلمة أنَّ من يصنَّفون في النخب، من علماء ومثقفين وكتَّاب وخطباء، هم في واقعهم عوام، يحكمهم العقل الجمعي الذي يسوق الساحة، ويلقِّنهم الإعلام الشمولي الذي يرتهنها في نهج تغريري قاتل، تخضع له النخبة طواعية، مرحِّبة بما يزيح عنها التكليف، ويُبقي على أمنياتها في رحبة الأحلام وفسحة الآمال!

قبل ثلاثة عقود ونيف، تنبأ بعض البصراء بما يجري اليوم في إيران، وتوقَّع ما يحلُّ بالجمهورية الإسلامية الآن، وصرَّح بأنَّ النهج الذي يمضي عليه النظام والطريقة التي يدير بها الخامنئي الحكم، ستجعله آخر “ولي فقيه”، ومن بعده الطوفان!.. ما زال هذا التيار البصير ينذر ويحذِّر ويلفت وينبِّه، وما برح يضع يده على الجراح، يحدِّد الأخطاء والانحرافات، ويرسم الصوَر القاتمة، ويترقب التداعيات المهلكة. لم تكن كهانة تفتح المندل وتضرب في الرمل، أو عرافة تلاحق الطوالع والأبراج، وتنظر في الجفر والأوفاق والجداول والمربعات! إنما قراءة علمية، عقلية وشرعية، ثم ذكية واعية، وفهم فطن لمجموع شواهد وقرائن ومعطيات، تنطلق من رصد موضوعي للساحة، وملاحظة دقيقة لما يجري فيها، مع معرفة بالمدرسة الفكرية التي ينتمي إليها القائد، ووقوف على أُسلوبه الانفرادي الاستبدادي، ونزعة الإقصاء التي تتملكه، يجمع إلى ذلك “ولاية” بات يفرضها حيث شاء وأنَّى أراد! يلحقها إعمال اجتهاداته الخاصة في القضايا الخلافية، وتحقيق آماله وتطلعاته الشخصية، والأهداف الشاذة الخطيرة التي طالما راودته، يحسب تمام الدين في تحقيقها، ورضا الله في إعمالها، غافلاً عن شتل الضلال الذي غُرس في أعماقه على يد شريعتي، ومن قبله الأفغاني وعبده وسيد قطب، وساهياً عن بؤرة الوحي الشيطاني التي سكنته واستولت على روحه: مدرسة الحركة الإسلامية والنزعة الحداثية التنويرية، هيمنت على فكره ورسمت شخصيته وطبعت هويته.

أخيراً، بعد ثلاثين سنة ونيف من السياسات الخرقاء، اكتشفت الجمهورية الإسلامية أنها كانت مخطئة! والمسؤولية، بطبيعة الحال، ستقع على النظام والدولة، لا السيد القائد الذي صنع الأخطاء وأرساها عبر ممارسة حزبية مقيتة، وروح تسلطية مريضة، تفرض الرؤى والاجتهادات الخاصة، وتجعلها ديناً تلتزمه الأُمة، مما ظهر جلياً في الشعائر الحسينية والعقائد الولائية والحوزة والمرجعية. وكذا التوسع في مفهوم الدفاع عن الدولة والنظام، جعل الحروب في اليمن وسوريا ولبنان والعراق وغيرها، مقدمة واجبة، وقراءة استباقية تقطع الطريق على غزو إيران، ثم السياسة الاقتصادية التي نصبت الحرس الثوري عمدة التجار والمسيطر المطبق على السوق والبازار، والمالك الأكبر للمصانع والشركات والعقارات، والقابض الأول المهيمن على الاقتصاد. وبعد هذا كله، أو قبله، يأتي حلم القنبلة الذرية، وما يُلحق إيران بمنظومة الردع النووي، ويجعلها ـ بالتالي ـ في أمان من السقوط، بل يتيح لها التمدُّد وإعادة أمجاد كورش وأُسطورة سهراب، أو قل “عدالة” عمر بن عبدالعزيز والعصر الذهبي لهارون الرشيد! والخطورة والضلال هنا، عند القراءة العميقة للفكرة وتطبيقاتها، هو في ما يختزنه هذا الطموح، من جحد أو تجاهل لوجود المهدي عليه السلام، وقفز على دوره الموعود، وتقمُّص ما ادُّخر له من إصلاح العالم!.. هكذا تتلاحق المآسي والويلات، ويتحوَّل الطموح بامتلاك هذا السلاح إلى نقمة ستُبقي ايران في الحصار والتخلف الاقتصادي والعسر والضنك حياتها كلها، وباكستان ببابك.

استولوا على المساجد، وحولوها الى مراكز حزبية ومقرَّات أمنية للبسيج (التعبئة)، وجعلوها منابر تدعو لأفكار القائد ونشر تعاليمه وتحكيم ولايته، فقاطعها المؤمنون وتركوا إعمارها، فانحسرت صفوف الجماعة وخلت المساجد من روَّادها، وهكذا فعلوا بالحسينيات والهيئات الناشطة فيها، غيَّروا ثقافتها الشعائرية وقلبوها إلى جلسات قرآنية ومحاضرات سياسية، فخسروا الزخم العاطفي الذي كان يستقطب كل شيعي، ويربطه بالدين من خلال “حرارة لا تبرد أبداً”، تقلَّصت أعداد الهيئات الحسينية في الأحياء، وأغلقت الحسينيات أبوابها، وتضاءل نشاطها لينحصر في عاشوراء، وفي أنماط رتيبة جافة، أقصت قطاعات واسعة وجماهير عريضة ارتضت التعبير عن عشقها لأهل البيت بطريقة دون سواها، فلما مُنعت، امتنعت! ولا يقف الأمر هنا، ففي الحوزة وإدارتها وتغيير مناهجها، والجامعات البديلة التي تأسست لاحتوائها وإسقاطها، وهكذا السيطرة على المرجعية وإخضاعها للدولة، محن ورزايا يطول المقام بشرحها وبيانها! وبعد كل هذا وذاك، هناك من يستغرب التعرُّض للمعممين، ويتفاجأ من خلع الحجاب، والكفر البواح الذي صار فيه بعض الإيرانيين، بين مانع من تلاوة القرآن في تشييع ابنه، ورافض لصلاة الجنازة على فقيده، ومتمرِّد على أي طقوس “عربية”!

ثم تأتي الداهية الأدهى، والأمرُّ من هذا المرير: بطانة الخبال وعصابة الفساد، ضباع تنهش كل ناقد، وذئاب تقطع الطريق على كل ناصح، ثم خراف تثغو: “أوَ تفهم أنت أكثر من السيد القائد”؟ و”أتراك اطلعت على ما خفي على الجمهورية بعظمتها”؟! وأغبياء على الرصيف، أو مقاعد المتفرجين، يتوعَّدون مَن ينال من “الولي”، وينذرون عذاباً أليماً! وذباب يزعج كل ساع للخير، حريص على المذهب والدين. شرذمة من المرتزقة، جوقة من المطبلين المتزلفين، هذا رأى القائد في منامه يحمل راية المهدي، وذاك شهد في اليقظة كيف انتزعت شهادات واخترعت إجازات، تجعله في مصاف الوحيد البهبهاني والميرزا النائيني، وقابِلةٌ تقسم أنها سمعته يهتف باسم أميرالمؤمنين ساعة سقوطه من بطن أُمه! وآخرون اختصروا الطريق، وقالوا إنه حسين العصر وعلي الزمان، وانقطع الخطاب.

بعد تنحية الشيخ رفسنجاني ثم موته، وإقصاء نصف رجال الثورة (روحانيون) من قبل، وطرد كل متحفظ على سياساته أو مخالف لها، والسيطرة المطلقة على البرلمان والسلطة القضائية ورئاسة الجمهوربة وجميع المؤسسات الدستورية… لم يعد للخامنئي مستشارين حقيقيين، فالقرار الأعلى يتخذ اليوم من رأسه حصراً، وينطلق من قناعاته التي تمدها “أنا” متضخمة وذات متورمة إلى حدود الالتهاب والانفجار! ولا ينفي هذا وجود وزراء وأرباب مناصب رسمية يقدمون نظرتهم ويرفعون تقاريرهم، ولكن هؤلاء جميعاً موظفون تابعون، لا ينبسون ببنت شفة، ولا يلفظون من قول إلا بما يرضي الرقيب العتيد.

إنَّ القضية لا تعالج بتغيير الكوفية أو الوشاح الفلسطيني المرقط، واستبدالها بأُخرى من غير شكل ولون، فالبلاء في عقل يرجع علل انتفاضة الشعب وضجره وسخطه على النظام والدين، إلى حنق الاستكبار من نجاح وانتشار أُنشودة سلام فرمندة!.. في تقديري الخاص، إذا كان أمر الحراك بيد أمريكا أو القوة الخفية، الدولة العميقة التي تدير العالم، وهو كذلك، فإن الجمهورية الإسلامية لن تسقط الآن! لا أحد في التاريخ استطاع أن ينال من التشيع ويوجه له الضربات التي تلقَّاها من هذا النظام. أُمور استمات الشيطان لتحقيقها منذ ألف عام، تعاقبت عليها دول بويهية وسلاجقة ومغول وإيليخانية وصفوية وقاجارية وعثمانية، حتى ملكية هاشمية وشاهنشاهية، ثم جمهورية وقومية وبعثية… كلها سعت للقضاء على الحوزة العلمية، وإخضاع المرجعية الشيعية للدولة، ولجأت لشتى الحيل ومختلف الأساليب، فلم تنجح.. وها هو الخامنئي يحقق لها ذلك وهو يرخي ساقاً على ساق، وما ظنَّ ساعة أنه الفراق، ولا أنَّ إلى ربه المساق، ولك أن تقرأ القصة في “الفارياق” لأحمد فارس الشدياق القادم من الكثلكة عبر البروتستانتية إلى الإسلام، أحد طلائع الماسون الأخير في الشرق الأوسط، ورافد الحركة الإسلامية هنا!

قيل أنَّ مروان الحمار، الذي صدَّرنا به المقال، لما أُحيط به، جلس وعلى رأسه خادم له قائم، فقال مروان لبعض حضاره: ألا ترى ما نحن فيه؟ لهفي على أيدٍ ما ذُكرت، ونِعَم ما شُكرت، ودولة ما نُصرت. فقال الخادم: يا أميرالمؤمنين! من ترك القليل حتى يكثر، والصغير حتى يكبر، والخفي حتى يظهر، وأخَّر فعل اليوم لغد، حلَّ به أكثر من هذا. فقال مروان: هذا القول أشد عليَّ من فقد الخلافة.

Posted in

التعليقات