من الأخطاء الاستراتيجية والعثرات الكارثية التي وقع فيها النظام الإيراني، والبلايا والخطوب المهولة التي قحمها وسعى لها بقدميه، المسُّ بالمنظومة الدينية الشيعية القائمة، على الصعيدين: العلمي، عبر العبث بالحوزة والتراث، والشعبي، بمحاربة الشعائر الحسينية والولائية، واستبدالها بالسياسية والعامة… وهذا هو ما سيقصم ظهرها ويقضي عليها، في المشهود الملموس عبر سريان العليَّة وترتُّب النتائج على الأفعال، وكذا في الغيب، لسخط الله وغضبه على هذا التعدي والطغيان، وما يوجب إعراض صاحب العصر والزمان. ثم في الفن والصناعة، فالحوزة هي الأساس الذي قام عليه النظام، وهي الموْئل الذي تستمد منه المشروعية، والعين التي ترتوي منها وتتزوَّد. وكذا في الإيمان، فالعبث بالحوزة والتراث يفتح باب الطعن بالمشروعية، ولا سيما أنها ـ في القائد الولي ـ كانت وما زالت رخوة مهلهَلة، تفتقد القوة ولا تتمتع بالإحكام والثبات.
هذه الحقيقة التي يتسالم عليها كلُّ قارئ ومتابع للواقع السياسي والإيماني في إيران، كانت حتى الأمس القريب محجوبة بألف غطاء وغطاء، أكثرها غلظة وسُمكاً: سكْر السلطة، وعربدة المال والقوة، وطغيان التمدُّد وزهو الانتشار، فأين ما تدَّعي وترمي، من دولة تصنع صواريخ بعيدة المدى، ومسيَّرات قلبت موازين القوى، تصول في اليمن وتجول في العراق، تتحكَّم في سوريا وتمرح في لبنان، تزعج أمريكا وتُقلق إسرائيل وتهددها؟!.. حتى جاء الحراك المستمر منذ أشهر، بزخم متصاعد أو ثابت، ولكن غير متراجع، ليضعضع النظام، ويزلزل القائمين عليه، ويهزَّ جمهوره بشدة! استفاق النائم الآمن ذعِراً، وترجَّل الراكب المزهوُّ وجِلاً، ولاذ الملحق اللصيق بالصمت، وتوقف المستأكل والتزم الحياد، بانتظار النتائج وما يحدد خطوته التالية ويرسم وجهته القادمة، بين البحث عن متَّسع لركوب الموجة الجديدة، أو فرار الفئران من السفينة الغارقة.
من الألطاف الخفية لهذا الحراك، سقوط الصنمية الحاكمة على الساحة الإيمانية، وانبساط الأذهان لتلقي ومناقشة الأفكار والآراء “الأخرى” حول الجمهورية الإسلامية، بعد عقود من التحجُّر والجمود، أخذ إلى رفض أي نيْلٍ من المستبد، ومسٍّ بالطاغوت، لا يدنو منه أحد إلا سقط، ولا يقربه ناقد حتى يفر ويباعد! فمضى عصياً على الاعتراض، منيعاً عن النصح والإرشاد، وفي الحقيقة، محروماً من التنبُّه والتصحيح وما يأخذه إلى السداد، متحصِّناً بسطوة العوام، ومحتمياً بدرع خلعتها نخب، حركية منتمية للمدرسة والتيار، وغير حركية تركن إلى الظلم والضلال، وأُخرى في منتهى السذاجة، ولك أن تقول الغباء، غرَّها هامش المدَّعى والمزعوم الديني، وخلطت بين التعاطف والمضارعة، وأضاعت الحسبة، وبعضها يدفع من رأس مال الدين، ويستنفذ من رصيد العقيدة. وهناك الشريحة المهترئة المستهلَكة، الماضون على خط واحد لا يتغير: دعم السلم والاستقرار، ومداهنة كل قوي وجبار!
إنَّ الآذان الصماء، والأبراج العاجية البعيدة عن “الضوضاء”، تورث سكَّانها عقولاً جامدة، وتصنع لأربابها أمزجة سقيمة وأفهاماً عقيمة. هذا ما يخلص إليه المراقب، إذ لا تفسير لما يجري، ولا وجه لما بلغه الحال، إلا هذا الواقع المستغرب الشاذ!.. قلوب معكوسة وضمائر منكوسة، لا تشعر بالوقائع ولا تدرك الحقائق، مأنوسة بحاضنة عسكرية وأمنية، وأخرى من ذباب ألكتروني ناشط في العالم الافتراضي، وثالثة تمثل مساعي هذه وتلك في صنع مدٍّ جماهيري، فكان مشروع “سلام فرمانده”، الذي ولد ميتاً، ما إن تلقى الضربة على قفاه ليغني وينشد، حتى خمد مع تعطيل الاتفاق النووي وذيول الحصار، غاص في التضخم وغلاء الأسعار، ونزف في سقوط التومان، وتجمَّد من توقف المصانع وانقطاع الغاز… فعادت المعركة لتتمحور على اسم الخليج، أعربي أم فارسي!
انحدر الناس صوب الإلحاد والزندقة، خلعت النساء الحجاب، وهتك كتاب الله، واستُخفَّ بالمقدسات والشعائر الدينية، فشرب النظام من الكأس التي ملأها! وما عاد أحد يقبل بالحلول الوسط، كره الناس الجمهورية الإسلامية، وخرجت محبة النظام والحماسة له والغيرة عليه، حتى من القلوب المؤمنة، وبلغ الأمر أن امتنع الفريق الإيراني في كأس العالم من إنشاد النشيد الوطني لبلاده، لأنه يتضمن اسم الجمهورية الإسلامية! وحتى الساعة، فإن المدن الإيرانية الرئيسة، ناهيك بالصغيرة، تسقط ليلاً في أيدي المعارضة وسلطة الثوار، ولا تجرؤ دوريات الشرطة من التجوال إلا مجتمعة، وفي مناطق محدودة، المعارضون الليبراليون والقوميون والملكيون، يكيلون السباب البذيء لشخص القائد كل ليلة، يهتفون من على أسطح البيوت بالكفر، ويخطون على الحوائط شعارات الزندقة… والمؤمنون يمرون عليهم مرور الكرام، وحتى القوى المكلَّفة بالمواجهة، غلبها الضجر والسأم، وباتت مستسلمة، وغدت مهمة عمال البلدية في كل صباح، مسح الشعارات مع جمع أكياس القمامة والنفايات!
في إيران اليوم فكر وعقيدة تكره وتعادي الحكم الإسلامي. خلقت داعش في النفوس ذلك عبر التكفير والإرهاب، وفعلته الجمهورية الإسلامية بالدكتاتورية والاستبداد! هناك حالة عامة من التنفُّر والتموضع ضد الدولة الدينية، واشمئزاز من سلطان الدين وحكم الشريعة! وقد امتدَّ هذا الفكر وطال التيار الديني وتوغَّل في شريحة المتدينين! حتى وصل الأمر وبلغ الحال بمعمم فاضل ومتديِّن ملتزم، أن يأنس بما يسمع عن “انتصارات” المعارضة، (ومنها التعرُّض لرجال الدين وإسقاط العمائم من على رؤوسهم، وخلع النساء حجابهن وخروجهن سافرات!) لا حباً في المعاصي ورغبة في رواجها، بطبيعة الحال، ولكن بغضاً في الحكومة وكرهاً بشخص القائد الولي، وضجراً بالدكتاتورية والاستبداد، وعنجهية وغطرسة، تمضي في خيلاء وتحكم بتشوُّف وتيه… ما جعل الشعب يرحب بأي تمرُّد وعصيان، وأي بديل وإن كان بهذا الانحطاط.
كانت الأصوات قد بحت من قبل، والأقلام قد جفت، والأوراق نفدت والصحف امتلأت، وهي تنشر وتكتب وتنادي بخطورة النهج الضلالي، وأن مسايرة الحداثة ومناهضة الأصالة، سواء بمحاربة الشعائر أو المس بالحوزة والتراث، هو باب الانقلاب على أصل الدين، ونبذه من أساسه… فلا أذن سمعت ولا عقل أدرك ولا قلب وعى ولا ضمير نبض! ولا سيما أنَّ صخب المطبِّلين والمزمِّرين كان يعلو ويغالب أصوات الناصحين المشفقين، يرقب الجائزة، والترقية إلى المناصب الأعلى في لائحة التملُّق والعمالة.
على أي حال، فإن هذا الحراك الذي تجاوز الحدود في خطابه، وتخطَّى المعهود في امتداده، أفضى لنتائج خطيرة وأورث واقعاً جديداً، لم يخلُ من أُمور إيجابية. فالأزمات التي تمر بها البلاد، كل بلاد، والصراعات التي تخوضها، تصنع صدوعاً وندوباً في جسم الدولة، وشروخاً في سيرة النظام الحاكم ومسيرته، تورث وضعاً جديداً، لا يمكن معه العودة إلى سابق عهده، وما كان عليه حاله. تماماً كما هو بدن الإنسان، إذا حلَّ به مرض، نال العظم كسر، أو التهب جرح، أو نزل بعضو عطب، ثم عولج فشفي وبرأ، تراه لا يعود إلى سابق عهده، ولن يرجع إلى حالته الأولى الأصلية، وذلك بنسب ودرجات تتناسب مع الفاقة وحجمها…
لقد شهد النظام بالحسِّ والوجدان أن الحركة الحداثوية ومقولاتها المتعقلنة والمتحررة، أفقده حاضنته الطبيعية وحسر مكانته في النفوس، فقد أوهت بعقائد الناس وأزرت بدينهم، وأضعفت التزامهم وتدينهم، وأفسحت للحراك العلماني، والنشاط المعادي الذي تغذيه دوائر المخابرات المعادية كما يطلقون عليها، بالحضور الفاعل والتمدد الذي انتهى إلى سحب البساط من تحت النظام.
وهنا بشائر تترى، وألطاف ونِعم غير مرتقبة ستظهر… محورها تصحيح الوضع، والمبادرة للعودة إلى المعالم الأصلية للدين، البنية التي انطلقت الثورة من قيمها ووظفت آليتها. وفي هذا السياق فإن العناصر الخفية والعلنية للنظام، الأبواق الصاخبة والغربان الناعبة، الببغوات المكررة برتابة مملة مضجرة، سيخف زعيقها وبريقها، وينخمد حماسها ووهجها، ستفقد زخمها وتخسر ركائزها، المعنوية والمادية، فالنظام اضطربت أولوياته، وما عاد هدم الحوزة وتقويض المرجعية وإخضاعها للدولة يشكل ضرورة ملحَّة، باتت لملمة الوضع، واستدراك ما فات، بما يجنبهم الصراعات الداخلية، ويحيِّد المراجع العظام وينأى بهم عن التموضع مع المعارضة، وإن كان ذلك عبر السكوت وما يستشف منه إمضاء التمرد والثورة، هو ما يتحرَّون ويلاحقون.
المتفائلون يستبشرون بأن الخروج من الأزمة والنجاة من المحنة، قد يأخذ إلى إعادة تموضع النظام على الصعيد الديني، فيخف إسناده وينقطع دعمه عن مجاميع محاربة الشعائر، ووقوفه خلف رواديد وشعراء وخطباء وهيئات مسخت الشعائر الحسينية إلى سياسية، وعبثت بأنماطها التقليدية إلى مبتدعة ومنفِّرة، وتعود الأمور إلى نصابها وسابق عهدها من الألق والحرية، والتفاعل الفطري السوي مع النفوس المؤمنة. كما ينتظر أن ينصرف عن احتضان حركات “الفوضى الخلَّاقة” التي تبنَّاها في ضرب التراث الشيعي العزيز، وكذا في ميدان العقائد الولائية. هكذا ستتراجع دروس الفلسفة ويعود الأمر إلى وتيرته وحجمه الطبيعي الذي كان سائداً على مدى تاريخ الحوزة. ستنكفئ دعاوى العرفان وتغلق حوانيت الاتجار والاستئكال. ستضعف الحركة الاسلامية ويتضاءل التيار الحداثي، سيتقلص دعم الصعاليك قصير والحيدري والأشكوري وحب الله والسقيم اللندني ومعه عبدالحليم، لن تعود لهذا التيار سطوته السابقة، ستتوقف أنشطة جماعات الطعن بالحديث وإسقاط التراث بغطاء تنقيحه وعنوان تصحيحه، وبعبارة تلخص المشهد فإن الحراب والنصول التي برتها الجمهورية الإسلامية لترمي بها الأصالة وتصرع الموروث السائد والمذهب القائم، وتصنع تشيُّعاً محدثاً… عادت لتتوجه إلى صدر النظام ونحره، وظهره وخاصرته، فقد وجدها الغرب فرصة لاستئصال النظام من جذوره، والخلاص من حكومة الإسلام وتطبيق الدين من رأسه، كما اجتثت أو ضربت جذور داعش والنصرة!… وهذا سيحمل النظام على إعادة النظر في سياساته الحالية، ويدفعه للانعطاف صوب الأصالة الدينية.
هذه تطلعات وبشائر المتفائلين، يقابلها جمع عرفوا النظام ووقفوا من قريب على العقلية الصبيانية التي تديره، هؤلاء يكررون: ولقد أسمعتَ لو ناديت حياً، ولكن لا حياة لمن تنادي، ولو نارٌ نفختَ بها أضاءت، ولكن أنت تنفخ في الرماد. لا ألطاف خفية منتظرة، ولا معجزات مرتقبة، ما هو إلا العناد والمكابرة، فالسقوط والانهيار.
التعليقات