أسبغ المؤمن وضوءه وتهيأ للصلاة، انتصب واقفاً، صفَّ قدميه وتوجَّه نحو القبلة، فرغ من الأذان، تقدَّم بالدعاء لإمام الزمان، ثم شرع في الإقامة، راح يحدر فيها بعد تأنٍ كان فيه، وما إن أتمَّها، وأخذ يستحضر النية ليشرع في تكبيرة الإحرام، حتى تعرَّض له واستوقفه سائل!.. تدبَّر شيئاً، فرأى أنَّ تجاهله والمضي في الصلاة يخدم تشتيت فكره وينال من خشوعه، ولا سيما أن “العارض” الذي سدَّ عليه الأفق، كان دمث الأخلاق، حسن الوجه والهندام، وبدا طارقاً غريباً، فكَرِه إهماله واستثقل تجاهله، وآثر التوقف والنظر في ما يريد. قدَّم الرجل سؤاله على وجه لم يتبيَّن فيه الاستفهام من الاستنكار؟ ولكن الظاهر المؤكد كان غرابته في مناسبته وغموضه في داعيه ومقتضيه؟! كان السؤال عن الحكمة في اتخاذ الكعبة المشرفة قبلة؟ وكيف لم “يتفطَّن” الشارع المقدَّس إلى ذلك من البداية، حين توجَّه المسلمون في صلاتهم لثلاث عشرة سنة تجاه بيت المقدس؟! وقد حمل سؤاله وأخذه إلى غير نطاق، وتمادى فيه وتوسَّع حتى ألقاه في دوامة “النسخ” في الآيات القرآنية وفي الأحكام الشرعية، ولازمة ذلك من شُبهة سبْق الجهل والعياذ بالله، فإذا كان الله يعلم الغيب ويقف على مسار الأُمور والطرُق التي ستقطعها، وقوفه على مآلاتها ونهاياتها، كيف غاب عنه ما سيعرض لبعضها، فأمر بخلافها، حتى اضطر بعد حين إلى نسخها وتغييرها؟!

انصرف المصلي أو كفَّ وأحجم عن صلاته، ودخل معه في حوار وسجال، يحسب أنه يخدم العلم وينصر الحق، فالرجل يسأل، لا يحمل عصاً ولا يشهر سيفاً، يقدِّم دليلاً ويطلب دحضه ونقضه، ليس إلا! هكذا ردَّ على من خطَّأه وأعاب عليه خطوته، ولما قيل له: هلَّا استمهلته حتى تفرغ من صلاتك وتنفتل عنها، لتجيبه أو تحاوره؟ قال: ما كنت أُطيق ذلك، لقد فعل فعلته، وأذكى في نفسي ما سلبها التركيز والخشوع، وشغلها عن أي شيء غير التوجُّه إليه وإجابته!

القصة حقيقية، وقعت قبل حين في الكويت، وما زالت نظائرها تتكرَّر بشتى الأشكال والصوَر، كلُّها تصبُّ في زرع الشك في نفوس الشباب، وترفد غرس اللبس والارتياب، وما يصرف المؤمن عن الطاعة ويقطع عليه سبيلها!.. لم يكن السائل في واقعه إلا طائفاً من الشيطان مسَّ المؤمن المصلي، صرفه عن عبادته، وأنبت الشكَّ في طاعته. والشياطين ليست أشباحاً ظلامية لها أذيال تنتهي بسهام، تحمل حِراباً ذات ثلاث شُعَب، ولا هي غيلان تعيش في الغابات أو تستوطن المغاور والكهوف في سفوح الجبال، تنتظر الليالي المقمرة لتهجم على البشر وتمتص الدماء من أعناق الحسناوات، فيتحوَّلن إلى أبالسة يغوين الصلحاء! إنَّ للشياطين قدرات خارقة وإمكانيات مذهلة، ولا سيما في التشكُّل و الظهور في هيئات وأبدان مختلفة، بل هناك شياطين من الإنس كما الجن، بشر أسوياء في الخلقة، باعوا أنفسهم لقوى الشرِّ، ومكَّنوها أن تسكنهم وتسخِّرهم، يظهرون للناس بعمائم وهيئات رجال دين وعلماء… المحزن المؤلم هنا، أنَّ الضحية بات في لوثة، أُصيب بداء ملازم وسقم مقيم، فقد أذاقه الشيطان لذَّة الانتصار، أوهَمه أنَّ احتجاجه أفضى إلى تغيير بعض قناعاته، وأنَّ الحوار أخذه إلى مراجعة أفكاره ومعتقداته، فصدَّق المسكين “طاقاته” وآمن بـ“قدراته”، سقط في العُجب وتمكَّنت منه الثقة بالنفس، زرعت فيه شغف ملاحقة البدع والمحدَثات، وهوى الخوض في المحاورات والمناقشات!

هكذا يفعلون في جبهة الولاء، وهذا ما يجري في ميدان الصراع، ويدور في الحرب المستعرة بين الأصالة الموروثة والحداثة المبتدعة… هناك معارف دينية ثابتة ببراهين وأدلة أقوى من الجبال الراسية، وعقائد ولائية راسخة منذ مئات السنين، باتت وجدانيات ماثلة في كل نفس، تناقلها الشيعة جيلاً بعد جيل، وتوارثوها كابر عن كابر، تعاليم نورية، تشرق باليقين على قلوب المؤمنين، ترفد بنيتهم الروحية، وتأخذ بأيديهم في التكامل والسمو والارتقاء، نحو بلوغ الهدف من الخلق “وما خلقت الجنَّ والإنس إلا ليعبدون”، أي ليعرفون… إنهم يعرِّضونها اليوم للشك والارتياب، ويثيرون ما يجعلها في معرض السؤال وطلب الدليل، بحجة التثبُّت والتحقيق! ومع الأسف الشديد، يطل علينا بعض السذَّج المستغفلين، يطالبون بمجاراة هذه الدعوات، والذهاب مع أربابها لهدايتهم و“إقناعهم”، وفي الأقل سذاجة واستغفالاً، لإتمام الحجة عليهم! ولا بصير يقول: لتبكيتهم وإفحامهم وإلقامهم الحجَر وسدِّ أفواههم!

ليست دعوة لقطع الحوار ولا سعياً لرفض الدخول في مناظرات ومحاججات، بقدر ما هي رغبة في الوعي واليقظة، وإصرار على الأخذ بالذكاء والتمتُّع بالفطنة، تحديد المداخل في الحوار والمخارج منه، ورسم صورة للأهداف والأغراض من ورائه، فلا يكون في المعلوم من الدين بالضرورة، ولا يجري في المفروغ عنه الذي أُشبع في محلِّه واستوفى حاصله، فاستقرت الطائفة وتسالمت عليه… فإذا لم يستوفِ الشروط، وكان أقرب إلى الجدل العقيم، كان الصواب في الامتناع عنه، وعدم الدخول والخوض فيه! وهذا كتاب الله ينبِّه وينوِّه، “سيقول السفهاء من الناس ما ولَّاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها (إلى قوله) ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض”، هذا خطاب قرآني بليغ يصوِّر المشهد، ويرسم خارطة الطريق، أو يضع خطة العمل في معالجة القضية، فلا يقعنَّ أحد في أوهام تأتيه من غفلته وحسن ظنه، ولا يغترَّن من السائل بحسن طلعته ورجوح فكرته، ولا يُستدرج بـ ”علمية” أُطروحته وكثرة أدلَّته، فأنت لا تجد دعوة باطلة ومقولة ضلال تخلو من حجة واستدلال؟! لكنَّ الأمر في حقيقته وواقعه لا يعدو من الأعداء السفاهة، ومن أهل الحق العلم بانتفاء التأثير وانعدام الفاعلية، فلا الحوار سيجدي ولا الاحتجاج سيُقنع، فكلٌّ سيلحق في النهاية دينه، ويبقى على معتقده وملَّته، فلا يظنن ساذج ويحسب أنَّ في الحوار عظيمَ فعل وأثر! إنَّ هذا الخطاب الحاسم، والمصادرة التي عمد إليها القرآن الكريم، ليست ـ بطبيعة الحال ـ عجزاً عن المقارعة بالحجة، ولا هو تطرُّف وحدَّة وغلظة، بل هذا هو النهج السوِي والأداء الفطن الذي يناسب الحال والمقام، ويقطع الطريق على استدراج وإغواء الخواص والعوام.

والحال هنا مثله في سابقه، ليست دعوة للتقوقع والانعزال، ولا هرباً من الميدان وفراراً من النزال، بل إرجاعاً للأمر إلى إطاره الصحيح، وإعادة للتبويب والتصنيف، بما ينزل الأشياء في مكانها ويضع الأُمور في نصابها. فالحوارات العلمية والمناقشات الاستدلالية محلُّها الحوزات والمحافل العلمية، فإذا تداولتها الأقلام وسارت بها الأفلام، في وسائل التواصل الاجتماعي، ولاكتها الألسن في الدواوين والأسواق، كانت حرباً إعلامية ومعركة دعائية، ولهذه أسلحتها وأحكامها المختلفة عن تلك. إنَّ الحوار في القضايا العلمية في وسائل التواصل وقنوات الإعلام، هتك للعلم وابتذال، وكيد من الشيطان واستغفال! لا يتصوَّرن أحد أنَّ باب التشكيك وزرع الريبة بحجة طلب الدليل والتحقيق، وذريعة الدراسة والتدقيق، يمكن أن يغلق يوم، ولا أن يكفَّ الضلاليون عن الكيد والاحتيال، وما يشغل المؤمنين ويلهيهم، بل يصرفهم عن دينهم ويقطعهم عن المعارف الإلهية التي يملكون والكنوز التي يحملون… هذا صعلوك في لندن يقدِّم “أدلَّة” على إسقاط الخمس، وآخر على ضرورة هدم المرجعية وإبطال التقليد، ومجهول مندسٌّ في قم، ينكر حديث الخيط، يقول إنَّ التاريخ لم يضبط هزَّة أو زلزلة وقعت في المدينة المنوَّرة في تلك الفترة، وآخر يشكِّك في شخص أم المهدي السيدة نرجس، ينفي أنها حفيدة ملك الروم ومن نسل شمعون وصي عيسى، لأن القيصر في تلك الحقبة، على ما في التاريخ، كان في عمر الطفولة! تماماً كما سبق أن شكَّك الهالك فضل الله في ردِّ الشمس، وقدَّم الدليل من خلو التاريخ عن تسجيل اضطراب فلكي كوني، يُفترض أنه وقع لمَّا عادت الشمس إلى مكانها في الظهيرة بعد أفولها في المغرب، وشكَّك آخرون من هذا النسيج في نبوع الدم من تحت الحجر ومطر السماء في يوم عاشوراء دماً…

فيا للتاريخ ويا لإنصاف الأقلام التي دوَّنته! قد يجهل بعضهم حجم الحقد ودرجة النصب والإرصاد في كتبَة التاريخ، وما كان من السلطات الغاصبة المعادية لآل محمد، وكيف تعاملت مع فضائلهم… فهو حديث عهد بالتشيُّع، لم يعرف أجواء الاضطهاد الطائفي والحصار والتضييق الذي لازم الشيعة على مرِّ العصور، ولم يدرك نوع الملاحقة ودرجة التنكيل، ولم يستشعر طبيعة الكيد الذي قاساه أئمة الهدى وشيعتهم، من شِعب أبي طالب، إلى سبعين ألف منبر يسبُّون علياً لعقود متلاحقة، حتى نشأ عليه الصغار وتوارثته الأجيال! وإرصاد لكل من يروي فضيلة لأميرالمؤمنين، وسيل جارف من الاختراع والوضع الذي جعل لمدينة علم رسول الله أساساً وسقفاً وحيطاناً، لمَّا كان عليٌّ باباً لها! مروراً بالاضطرار لدسِّ رقاع الاستفتاءات الموجَّهة لأئمة الهدى وحمل الحقوق الشرعية في خوابي الخل وجراب السمن وزقاقه، وما تضيق به مجلَّدات إن أردت الإحصاء وتعداد الأرقام وجرد وسرد الشواهد… قد تخفى هذه المحن والآلام على المستبصر المستجد، لأنه قضى حياته الدينية وعاش التزامه بعقيدته وولائه للصحابة وادعاً فاكهاً، في رفاهية لا يعكِّر صفوها إرهاب فكري ولا قمع تكفيري، وأدنى ذلك أنه لم يُحرَم امتيازاته المدنية وحقوقه الوطنية لأنه يحمل اسم عبدالحسين أو عبدالزهراء!.. ولكن هل لنا أن نلتمس له العذر وهو يعيش التسجيل المعاصر للتاريخ ونحن في عهود الديمقراطية وحرية الرأي؟ ثم العجز عن المقايسة والمقارنة بما كان عليه الحال في عصور الظلام والاستبداد؟! إنه يرى بأُم عينه آلية التغطية الإعلامية، ومن بعدها التدوين التاريخي، وتعمُّد إهمال ظُلامات المجازر والتفجيرات الإرهابية التي فتكت بالشيعة، ويشهد بالحسِّ والوجدان دون الحاجة لدليل وبرهان كيف تكون تغطية أحداث حراك شعبي بأعداد كاسحة ونهضة جماهيرية جارفة، كالزيارة الأربعينية، تصمت عنها القنوات وتعمى الفضائيات وتخرس الصحافة وتغصُّ بسيل بشري من عشرين مليون نسمة ينحدر نحو كربلاء؟! هل تريد لهؤلاء أن يسجِّلوا رجفة المدينة لخيط حرَّكه الإمام الباقر بأمر أبيه زين العابدين؟! أو تتوقع من أضرابهم وأسيادهم الإنصاف في تدوين ما يخدم معارف الحق، فيثبتوا ما يحقق قول الشيعة ويربط على قلوبهم في عقيدتهم بوالدة المهدي الذي سيهدم عروش الظالمين ويقوِّض ملكهم وسلطانهم؟ من هوان العلم وضياع الإنصاف أن يتهاوى قدر التحقيق في علوم آل محمد حتى ينبري له أغرار صغار، ويُجفى كلُّ مسنٍّ في حبهم، ويُزوى كلُّ كثير قِدَم في أمرهم! فيستدل باحث مترف أو محقق مجحف، أنَّ التاريخ لم يذكر شيئاً عن معجزة لآل محمد، فيمسحها بمداده الأسود، ويطمرها بجهله، ويجحدها بدفين ما استوطن اللاشعور في وجوده!

لم يغلب العجز، والعياذ بالله، الله ورسوله، حتى قطع المفاوضات مع الكفار، وردَّ المناورات إلى مصادرها، وختم الحوار وأنهاه بقوله تعالى “قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين”… لقد استنفذت مقولة الحوار والاحتجاج وسعها، وأفرغت طاقتها، ونفد مخزونها، وما عاد هناك إلا المباهلة والقطيعة! هذه حقيقة على الإخوة المثقفين إدراكها، والكف عن إشغال الساحة وإلهائها بملاحقة سراب لا يروي عطشاً ولا يطفئ شوقاً وشغفاً، تشكيكات المضلين لن تنتهي، وشبهاتهم لن تتوقف، والإجابات التي يطلبونها مبذولة في كتبنا، متوفرة في حوزاتنا، فليرجعوا إليها إن كانوا طلاب حق.

Posted in

التعليقات