مع بدء الخليقة، ووضع النظام الأتم للكون، وفقاً لطبيعة وقانون، رأسه وعماده، الصادر الأول والعقل الكل أو النور أو العرش، وما ظهر في النشأة الدنيوية بصورة الإنسان الكامل، وخضوع الكائنات طرّاً (إنس وجن وملائكة، حيوان ونبات وجماد، وكل ما يصدق عليه شيء) لولايته الكبرى، وإرجاع صلاح الأشياء وفلاحها إلى طاعته، أو فسادها وشقائها إلى مخالفته… كان الابتلاء والامتحان، ووقع التمرُّد والعصيان، بدأه إبليس الذي أبا السجود، ثم أقسم أن يأخذ إليه الإنسان، وأتبع ذلك بتحدِّيه ربِّ العزة جلَّ وعلا، منازعته هدفه وغايته! كما في قوله تعالى: “فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين (إلى أن يقول) قال ربِّ فأنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم”، وقوله “فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين”.
ويبدو أنَّ الجولة الأخيرة للتحدِّي والمعركة النهائية في الصراع، ستكون في القيامة الصغرى، عند ظهور المهدي عليه السلام… وهي الفتنة الأكبر والبلاء الأشد والامتحان الأصعب، حين تأتي المؤمنين حيتانهم يوم سبتهم شُرَّعاً، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم! فهنا غربلة بمُنخُل وسيعة ثقوبه، يسقط فيها مَن اثاقل إلى الأرض بأهوائه، ويمرق بجهالاته، ينفذ ليهوي مَن تصاغر باستكباره وطغيانه، كما في الحديث عن الباقر عليه السلام: “يصبح أحدكم يرى أنه على شريعة من أمرنا، فيمسي وقد خرج منها”، وعن الصادق عليه السلام: “إذا خرج القائم، خرج من هذا الأمر مَن كان يرى أنه أهله، ودخل فيه شبه عبَدَة الشمس والقمر”!،،، وقد تعبَّأ لهذه المعركة الجانبان وحشدا كلَّ عُدَّة وعدد. ففي منظور أهل الحق، هي ساعة تحقيق الوعد بوراثة الأرض واستخلاف المستضعفين، كما علمت الشياطين أن لا شيء يغضب الرحمن ويهوي بالإنسان، مثل لقاء المهدي بالخذلان، التنكُّر لدعوة الحق ومقابلة إمام الهدى بالعصيان.
ولهذه المعركة، صوَر مختلفة وأشكال متعدِّدة، ترسمها الروايات الشريفة فيما تحكي وتخبر عن فتن آخر الزمان… وهي ـ مع الأسف ـ مهملة في مناهجنا التربوية، مغيَّبة عن ثقافتنا، نقرأها في تراثنا قصصاً وحكايات، وكأنها دراما تلفزيونية مشوِّقة، أو أساطير يونانية خيالية، لا دروساً تحكي وقائع قادمة، وعِبَراً تُستقى من حقائق مؤكدة!
أوَّلها، أنَّ الظهور قد يكون “بغتة”! ففي الحديث الشريف، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله سُئل عن قيام المهدي، فقال: “إنما مثله كمثل الساعة لا تأتيكم إلا بغتة”… والبغتة الفجأة، أن يدهم الأمر على حين غِرَّة، دون مقدمات وموطئات، ولا علامات وممهدات. ما يعني أنَّ المهدي عليه السلام قد يظهر اليوم أو غداً! فناهيك عن التأويل في علامات الظهور، وأنَّ النصوص لا تقف ـ بالضرورة ـ عند المداليل المباشرة لظاهر ألفاظها، فلعلَّها لم تُرِد الوقائع والجزئيات التي تناولتها بعينها، بل كانت بصدد حالة عامة، وقصدت الرمز والإشارة، لجأت إلى الكناية ووظَّفت الاستعارة. ذلك أنَّ المصالح العظيمة قد تحمل الحكيم على ذكر بعض الأُمور على وجه المجاز والتورية، كما أوحى الله عزَّ وجلَّ إلى “عمران” أني واهب لك ذكَراً سوياً مباركاً يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، وجاعله رسولاً إلى بني إسرائيل، فحدَّث بذلك امرأته “حنَّا”. فلما حملت كانت تحسب أنه غلام، فلما وضعت قالت: ربِّ إني وضعتها أنثى (وهي مريم)، والأنثى لا تكون رسولاً! فلما وهب الله لمريم عيسى، تبيَّن أنه البشارة. وقد يصلح أصل البناء على خفاء أمر القيام والامتناع عن التوقيت، مع ضرورة الارتباط بالقضية المهدوية، وجهاً صارفاً عن ظاهر لفظ الحديث، بمعنى أنَّ جهة الصدور في أحاديث العلامات والمراد الجدي منها، ليس تحديد ساعة القيام، بل ربط المؤمنين وإذكاء تفاعلهم مع الإمام، تعطيل ثورتهم وكبح اندفاعهم وتأجيل حماستهم، وبالتالي وقف قيامهم له وحبس جهادهم عليه، مع زرع ثقافة الانتظار وإذكاء الشوق والتمني والحنين لساعة الظهور…
ناهيك عن ذلك، فإنَّ علامات الظهور، الحتمية منها والأُخرى، كغلبة الفواحش وتفشِّي القبائح وانقلاب المعروف، ووقوع بعض الظواهر الكونية، وخروج السفياني، واليماني، والخسف بالبيداء، وقتل النفس الزكية، والصيحة… كل هذه وتلك، هي في نطاق التغيير والإلغاء، ودائرة الانتفاء عبر “البداء”، فلا تتحقق ولا تكون. قد يظهر الإمام قبلها، ودون وقوع شيء منها! فإن قيل: ماذا عن أصل الظهور واحتمال أن يطاله البداء أيضاً؟! أُجيب بأنَّ هذا ممتنع، لأنَّه مما قضي في أُم الكتاب، بينما متعلَّق البداء يقع في دائرة المحو والإثبات ويكون في نطاق المقدَّر المتغيِّر المتبدِّل. من هنا قد يظهر المهدي المنتظر بلا علامات تتقدَّمه وحوادث تسبقه، كما قد يأتي الموت فجأة، دون اعتلال ومرض، ينام المرء في فراشه، فلا يفيق إلا على صوت الملكين يسألانه عن ربه وإمامه! كذلك قد يقع الظهور ويكون!
وبعد البغتة والفجأة، ستلحق فتن وتتبع بلاءات، في طليعتها التثبُّت من الدعوى والإصابة في تحديد شخص القائم، هل هو المنتظَر حقاً؟ أم هي حلقة جديدة في سلسلة الدعاوى الباطلة والمزاعم الكاذبة؟ ولن تكون الفتنة هذه المرة على غرارها في الناووسية والفطحية، والتويزرية والسنوسية، والباريلية والقاديانية، والبابية والبهائية، ولا جهيمان وأحمد قاطع… بل ستأتي أشد وقعاً وأبعد خطراً، تتناسب مع تنامي الفكر البشري وتطوُّر وسائل الإعلام، وتغيُّر حتى الطبائع والغرائز في أشكالها، بما يمنع إدانتها ويزيل قبحها! فالغرور والكبر يلبس اليوم حُلَّة الثقة بالنفس، والإمعية و”نزعة القطيع” تتدثَّر بالفاعلية والانتاجية التي لا تتيسَّر إلا عبر الالتحاق بالجماعة، بعد نبذ الانعزال ورفض القعود والسلبية، بل حتى الكفر والزندقة صارت تتبرأ من الجحد، وتصرُّ على دعوى الدين والانتساب للإيمان، تزعم أنها صيغة حديثة له وقراءة جديدة فيه! ولعمري، فإنَّ نفس جريمة انتحال المهدوية، لم تعد بادعائها، فها هي تقع بتقمُّص مقام الإمام وممارسة ولايته والتمتع بصفاته بعد ألقابه، دون حمل اسمه!… هكذا ستكون المرتكزات الراسخة في النفس، والمعايير المتأصلة في الوجدان والحاكمة على السلوك والغالبة على الطبع، وبتعبير الحديث والزيارة، “الولائج” الملازمة له واللصيقة به، هي البلاء الأعظم والفتنة الأخطر. ترى الإنسان يُخضع لها كل نداء يبلغه، وراية يشهدها وحادثة يواجهها، يحكم من خلالها ويقيِّم الأمر بميزان نصَبه من تلقائه، وضوابط وضعها لنفسه، ومعايير تطبَّع عليها، يحدِّد من خلالها الموقف من المهدي القائم حقاً أو من مدَّعي الإمامة ومنتحل الصفة…
دع عنك الفتن العامة والبلاءات الشاملة التي ستطال كافة الناس ومنهم المؤمنين، من قبيل طلب الدعة والراحة والميل للأمن والرفاه، وبالتالي مقت القيام وبغض القتال، فهو ـ على أي حال ـ كُرهٌ وعناء، وفي الحديث “أنتم اليوم أرخى بالاً منكم يومئذ، قالوا: وكيف؟ قال: لو خرج قائمنا لم يكن إلا العلَق (الدم) والعرَق، والنوم على السروج، وما لباس القائم إلا الغليظ، وما طعامه إلا الجشب”. ومثل تعصُّب الرجل لقومه وانتصاره لقبيله، أو ما تشرَّب به من الحسِّ الوطني والحميَّة لبلده ومنطقته، مما نشأت عليه أجيال متلاحقة، أنشدت له وغنَّت، تباهت به وتفاخرت، حتى سكن وجدانها واستقر في ضميرها… كيف عساهم أن يتفهَّموا المساواة أو الأُممية التي سيأتي المهدي بها؟ حين يولَّى عليهم منحدِر من طبقة وضيعة عندهم، أو سليل قبيلة لئيمة الحسب في قاموسهم! أو يُؤمَّر عليهم ابن بلدة معادية أو منافِسة لبلدتهم، دون أن تسري بينهم همهمة الكبر والاستعلاء: “أنؤمن لبشر مثلنا وقومه لنا عابدون”؟!
دع عنك هذا وذاك، وتعال إلى الاختبارات أو الابتلاءات “الخاصة” التي سيقع فيها أفراد أو فئات بعينها، جماعات وأحزاب سياسية، تيارات ومدارس فكرية، تأخذها متبنياتها وتقودها توجُّهاتها وتنتهي بها أهواؤها، إلى مواضع ومواقف لا ترتضي حركة المهدي صلوات الله عليه… فيكون الهلاك!
في الظهور الشريف قد تنتكس أعراف وآداب وأخلاق نحسبها من المسلَّمات، يُعمل المولى ولايته التشريعية فتتبدَّل معالم من الدين نعدُّها من الأُصول، وتنسخ أحكام نصنِّفها في الثوابت، ويتغيَّر شكل ومضمون القضاء، ولن تعود المواريث كما نعرفها، بل قد يضاف في القرآن، وتنقلب فئات ويندثر أقوام… الأصل الوحيد الذي سيبقى محور الدين، وقلبه النابض، وجوهره الزاهر، وسنامه الأرفع، هو الإمام من آل محمد… مَن لم يوطِّن نفسه على ذلك، حتى يطيع الإمام وإن ألغى الصلاة والصيام، أو جعله في شعبان لا رمضان! ويمتثل له وإن أمر برمي المصحف بالسهام، وينفِّذ قضائه وإن حكم بالتفريق بينه وبين زوجه، ومنعه من ميراث أبيه… ولم يترسَّخ ذلك فيه، سيلحق الأشقياء ويسقط في الامتحان، وتأكله في الدنيا قبل الآخرة النيران.
يتبع…
التعليقات