من الفروق الجوهرية والميزات المفصلية بين المتصارعين في الساحة الإيمانية، المتموضعين في جبهتين: تيار الأصالة والولاء، مقابل الحداثة والابتداع، أنَّ الأول ينطلق من إيمان راسخ بسلامة فكره ونهجه، على يقين من رشاد آرائه وسداد خياراته، يقينه بفساد دعاوى خصمه، فتراه على ثقة تامة بصواب تموضعه وصحة تخندقه وقداسة حربه ونزاهة معركته، يبني على قاعدة صلبة ويمضي بوتيرة مُحكَمة ونهج متماسك مُتقَن، يزيح الغشاوة في الرؤية، وينفي القلق والاضطراب النفسي، ناهيك بالتزلزل الروحي، الذي يعاني منه الطرف الآخر، وهو ساكن رابض، أو متحفِّز يتحيَّن الفرص، وكذا حين يباشر الحركة ويثور، فيتخبَّط ويتقلَّب، يتكلَّف ويتعسَّف، يخادع ويراوغ، يتحايل ويتصنَّع، وفي جميع مراحل حركته وأطوار نهضته، تراه يفتقد السكينة والوقار الذي يتمتع به الولائي الأصيل. ولسنا هنا بصدد الأدلَّة التي يسوقها الحداثي، وما يقدِّمه المبتدع بين يدي دعواه من حجج واهية داحضة، وإثباتات هزيلة ركيكة، وبراهين باطلة هاوية، بل نريد الحالة النفسية والروحية التي يعيشها أعداء الولاء وخصوم الأصالة وغرماء الحوزة العلمية ومناصبو النمط التقليدي في بناء المعارف الدينية، بأي زيٍّ تلبَّسوا، وأيِّ شعار حملوا، فحقيقتهم واحدة، لا تداريها اللافتات التي يتخفون خلفها، ولا تغطيها الأقنعة التي يظهرون بها، فأكاذيبهم لا تنطلي على الأكياس ولا تخدع الحصفاء ولا تغرر بالحكماء. إنهم يعلمون جيداً أنهم يكذبون ويدلِّسون، ويشعرون في قرارة أنفسهم أنهم يلتفُّون على الحقيقة ويحتالون عليها، وأن استدلالاتهم باطلة، أو ركيكة هزيلة، وحججهم خاوية ساقطة، وأنهم لا يعدون كباشاً تناطح جبالاً راسية! لذا تراهم يتماوتون على نقل الصراع وأخذ النزاع إلى “الشخصنة”، ومواقع إعلامية محضة، بعيدة عن الأجواء العلمية والرصانة الأكاديمية التي قدموا منها، أو تقنَّعوا بها.

في المقابل، لم تأتِ ثقة الولائيين بأنفسهم من فراغ، فهم ورثة مدرسة تضرب في أعماق ألف عام من الجمع والتصنيف والاحتجاج والاستنباط والتأسيس والبناء، صمدت أمام أعتى التحديات، وقاومت أشرس الهجمات. كما لم يسكنهم اليقين بضلال خصومهم من محض أهواء، بل هناك مرتكزات متينة ومنطلقات مُحكمة، ومن أعمق روافد الطمأنينة في اتخاذ المواقف في جبهات الصراع الإيماني، وأكبر مصادر الثقة بصوابية التموضع ضد المنحرفين، أئمة ضلال كانوا أم أتباعاً من الصعاليك، وانتفاء التجنِّي من افتراض الغرض والمرض فيهم، والركون إلى عدم حملهم على محامل الخير أو التماس الأعذار لهم، وعدم التردد في إدانتهم لجحدهم فضائل آل محمد أو التشكيك فيها… نصٌّ محكم لا يُعارَض، و”رقم ذهبي” يقبل القسمة على جميع الوجوه والمعادلات، ويحسم القرار والموضع على أي حال، ففي الجامعة الكبيرة: “فكُنَّا عنده مسلِّمين بفضلكم، ومعروفين بتصديقنا إياكم، فبلَغ الله بكم أشرف محلِّ المكرَّمين، وأعلى منازل المقرَّبين، وأرفع درجات المرسلين، حيث لا يلحقه لاحق، ولا يفوقه فائق، ولا يسبقه سابق، ولا يطمع في إدراكه طامع، حتى لا يبقى مَلَك مقرَّب، ولا نبيٌّ مرسل، ولا صديق ولا شهيد، ولا عالم ولا جاهل، ولا دنيٌّ ولا فاضل، ولا مؤمن صالح، ولا فاجر طالح، ولا جبار عنيد ولا شيطان مريد، ولا خلق فيما بين ذلك شهيد إلا عرَّفهم جلالة أمركم، وعِظَم خطركم، وكبر شأنكم وتمام نوركم، وصدق مقاعدكم، وثبات مقامكم، وشرف محلِّكم ومنزلتكم عنده، وكرامتكم عليه، وخاصَّتكم لديه، ومنزلتكم منه”.

قلَّ أن تجد مثل هذا العموم والاستغراق والشمول في الإطلاق! ومن ظاهر العبائر وسعة نطاق مداليلها، يبدو أنَّ الحكم لا يستثني حتى المستضعف! فالخطاب يعمد إلى المقابلة بالنقائض، والبناء على نحو المنفصلة الحقيقية، فالإنسان إما عالم أو جاهل، ثم استدراك بـ “ولا خلق فيما بين ذلك شهيد”، ما يحقق إتمام الحجة على جميع البشر بل كافة المخلوقات! والذهاب في الأمر ـ من بعدُ ـ إلى الرسوخ المؤكد في كلِّ نفس، وسطوع شمس الآية الشريفة: “وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوّاً”، على وجدان كل جاحد ومنكر أو مشكك، وحضور: “كل إنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره” في قرارة كل معاند مكابر. فالقوم في ضمائرهم، أو قُل ما تبقى منها، يعلمون أنَّ الفضائل التي ينكرونها ويرونها غلواً، أو يحسبونها مبتنية على أحاديث مرسلة أو يرويها ضعاف ومجاهيل، أو الأُخرى التي تخالف عندهم العقل، ويخلطون في معالجة مداليلها بين الاستحالة العقلية والمعجزة، أو القدرة الإلهية وتعلقات إرادته سبحانه وتعالى بأمر… يعلمون أن كلَّ هذه وتلك ثابتة، وهي حقائق لا يسع المنصف الفرار منها والتنكر لها، ولكن الشيطان يغلب أولياءه، فالهر القصير الذي سبق أن قدَّم للأمة كمال الحيدري على طبق مشروعية قناة الكوثر وحصانة فلَك النظام، وكان رأس الحربة في ضرب الحوزة والنجف وهتك المرجعية العليا، وكان وراء سلسلة فتن أخرجت الناس من دين الله أفواجاً، حتى إذا توارى شيئاً وغاب، حسبها بعضهم يقظة ضمير وقفت به على خلوِّ وفاضه وفراغ جعبته وتسافله عن أدنى مقومات الدور الذي تسنَّمه أو أُنيط به، فانكفأ عن الإعلام ليتفرَّغ لإدارة أحزاب القوم الناشطة في بلاد الخليج، وإذا به يعود من نافذة الفتنة نفسها، يسرق الإمامة من أهلها ويهوي بولاية الله ورسوله وأهل بيته الأطهار، يجعلها مشاعاً للقاصي والداني، ويبتدع مرتكزاً جديداً للتشيُّع هو الثورية وموافقة سياسات النظام، يرسيه أصلاً يُلحق الإمامية بالزيدية! إنَّ هذا الصعلوك يعلم في قرارة نفسه أنه يكذب ويدلِّس، ولكن الشيطان الذي رفعه إلى موقع لم يكن يحلم فيه مالاً وسلطة وشهرة، اخترقه وسكنه، وبات لسانه الذي يفتري به، ويده التي يبطش بها، وروحه التي تغوي، فيخلط ويُلبس على أيتام آل محمد ويترضى على مَن لعنوه، دون تقية اضطرَّ إليها، اللهم إلا إنعاش إبليس وإدخال السرور على قلبه!… وهكذا يفعل زملاؤه وأقرانه في حوزة الأطهار وجامعة المصطفى، ولكن بآلية مختلفة وعلى نهج مُحدَث جديد! تماماً كما سبق إلى ذلك الحيدري وحب الله، ومن قبلُ فضل الله، لحق هؤلاء وباتوا روَّاد المرحلة الحالية وقادة الحركة الإضلالية.

لا أحد من هؤلاء تخفى عليه الحقيقة، لا غفلة هنا ولا جهل، لا بسيط ولا مركَّب، وإن كان، فهو مما أخذ المرء نفسه وأوقعها فيه، وذهب من تلقائه إليه، أعرض عن حجة بالغة حاضرة في وجدانه عرَّفها له الله سبحانه وتعالى وأتمَّها عليه، تبعاً لشياطين الإنس والجن، وشهوات ونزوات تزيِّنها له. هذه هي الآفة، لا غير، تدبُّ في أرواح المرضى، مما يسوِّله أولياؤهم: تحقيقاً في الأسانيد وملاحقة للرواة حتى يسقط الحديث وتنتفي الفضيلة، فإذا صُفعوا من أمثال السيد السيستاني الذي يرى أنَّ “في مثل هذه الزيارات لا ينظر إلى صحة السند، وإنما العبرة بالوثوق لصدورها والاطمئنان بها. وزيارة الجامعة كما قال المجلسي (قدس سره) من أصحِّ الزيارات سنداً ومتناً، ومضامينها خير شاهد على صدورها من المعصوم عليه السلام، الذي هو معدن العلم ومهبط الوحي، فإنَّ فقرات هذه الزيارة لا تكون صادرة إلا عن مقام الوحي والإلهام الرباني، ولا يشكك فيها إلا ضال أو منحرف أو مكابر”… أُسقط في أيديهم، وانعطفوا إلى منحىً آخر يفضي إلى تضعيف في الدلالة، والتمسوا وجوهاً تتأوَّل الظاهر وتنقلب على النصِّ، وعمدوا لدعوى العرض على القرآن ومسلَّمات التوحيد وما ينجي من الغلو والسقوط في شِراكه! وراحوا في المراء والجدل، وذهبوا في المكابرة والعناد.

تعجَّب المأمون وهو يشهد يوماً إكبار أبيه للإمام الكاظم عليه السلام، فسأله: مَن يكون هذا الرجل الذي أعظمته وأجللته، وقمت من مجلسك إليه فاستقبلته وأقعدته في صدر المجلس، وجلست دونه؟ ثم أمرتنا بأخذ الركاب له؟ قال هارون العباسي: هذا إمام الناس، وحجة الله على خلقه، وخليفته على عباده! فقال: يا أمير المؤمنين، أو ليست هذه الصفات كلها لك وفيك؟ فقال: أنا إمام الجماعة في الظاهر والغلبة والقهر، وموسى بن جعفر إمام حق، والله يا بني إنه لأحق بمقام رسول الله مني ومن الخلق جميعاً… ثم استدرك: والله لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك، فإنَّ الملك عقيم!

من هنا لا يحترم المؤمنون الحداثويين، ولا يرون لدعاة الضلال وأرباب البدع حرمة، لأنهم يفترضون فيهم الخبث والعمد، ولا يفسحون لمقولاتهم فرجة في فضاء التعددية واختلاف الاجتهادات وتنوُّع الآراء، أو يتيحون لها محمل خير مما ينبغي أن يُتاح للأخ المؤمن فيُحمل عليه… إنهم دجالون محتالون، طلاب شهرة وسلطة ومال وملك، وهو عقيم، لا يعرف ولداً ولا أخاً ولا تلداً!

Posted in

التعليقات