أُولى مهام المصلحين، وأخطر تكاليف الرساليين، من علماء ومثقفين، حركيين ومجاهدين، كتَّاب وإعلاميين، يتصدَّون للإرشاد والقيادة، ويتولون الريادة والهداية، ولا سيما علماء الدين، الذين يتسنَّمون دور الأنبياء والأولياء، ويدَّعون ـ بنحو وآخر، ومرتبة وأُخرى ـ نيابة الرسل والأوصياء: استنقاذ عباد الله من الجهالة وإخراجهم من حيرة الضلالة، بكشف الزيف والتحريف، ونفي الشك والريب، تثبيت الإيمان والربط على القلوب باليقين، ومحاربة وساوس الشياطين. ولا يقتصر الأمر أو يقف عند بيان العقائد والكلام، والشريعة والأحكام، فيعرف الناس الصحيح من الفاسد والحلال من الحرام فحسب، بل يطال معالجة الموضوعات وملاحقة التطبيقات بما يكشف غموض الحوادث الواقعة ويزيح لبس الشبهات العارضة، ويحول دون عثرات وسقطات تأخذ المرء إلى خطر عظيم يأتيه من اصطفاف خاطئ وتخندق باطل، ينتهي إلى خلل في الحب والولاء والبغض والبراء، فلو انطوى قلبٌ على مثقال حبة خردل من حبِّ مَن أوجب الله بغضه، لهلك، وكان حقاً على الله أن يكبَّه في نار جهنم!
من مواطن الأسى ودواعي الأسف أنَّ جملة من علماء الدين والمثقفين الناشطين في الإعلام والتواصل، يهملون هذا الدور ويفرِّطون بهذا الواجب، لا يحملونه هماً ولا يعيشونه معاناة، ينشغلون بمصالحهم الحزبية والفئوية، ويلهون بسلامتهم الشخصية، ينصرفون إلى جذب المنافع والفوائد ودرء المضار والأسواء، وما ينجيهم من النبذ والتسقيط! هذا يراعي مكانته الاجتماعية، وذاك موارده المالية، وثالث علاقاته وارتباطاته، يحسبون لشأنهم وسمعتهم وانطباع الناس وما يقال فيهم وعنهم، أكثر مما يحسبون لقبرهم وآخرتهم، يحوطون التكليف الشرعي الذي يتوجه إليهم ويديرونه ما درَّت معايشهم، حتى إذا غلب البلاء واستحكم الشقاء، عابوا زمانهم وشكوا عصرهم! فإن حاججتهم، اختلقوا من الذرائع والأعذار، وقدَّموا من المسوِّغات والمبرِّرات، ما يمعن في الجريمة ويغرق في الغبن والتغرير.
ترى أحدهم يخالط منحرفين ويراود ضالين، طالما أنكر آراءهم ونزَّه نفسه عن أباطيلهم، ولربما لعنهم وتبرأ منهم! وإذا به يحضر مجالسهم ويكثِّر سوادهم، وهو يعلم أنهم من أتباع الشياطين وعمال الأحزاب والسلاطين! يعرف خطورة تيار الحداثة والتطوير، فضل الله والحيدري وحب الله، جامعة المصطفى وحزب الدعوة وأعداء الحديث والتراث، وفساد عقائدهم، ثم يشارك حمَلة أفكارهم ومروِّجي بدَعهم والدُّعاة إليهم، الأفراح والأتراح، يرتاد دُورهم وأنديتهم، وينخرط في أنشطتهم، ما كأنه “يعين في هدم الإسلام”! يتحرَّج من علاقته ببعض صقور الولاء، ويتنكَّر لشِدَّة تنمره في ذات الله وحدَّته على أعداء الأصالة، وهو لا يحتشم من زيارة المراجع المزيفين ولا يخجل من تواصله بالضُلَّال المبتدعين والماسون المتنوِّرين! كأنه صُمَّ عن حديث رسول الله: “إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهِروا البراءة منهم، وأكثروا من سبِّهم، والقول فيهم، والوقيعة، وباهتوهم، كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام، ويحذرهم الناس، ولا يتعلمون من بدعهم”. وعُمي عن تحذير أميرالمؤمنين: “مَن مشى إلى صاحب بدعة فوقَّره، فقد مشى في هدم الإسلام”. ولم يبلغه ما روي عن الصادق: “نزلت هذه الآية «قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين»، وقد علم أنهم قالوا: والله ما قتلنا ولا شهدنا. قال: وإنما قيل لهم ابرأوا من قتلهم فأبوا”! ولا قوله في حديث آخر: “لعن الله القدرية، لعن الله الحرورية، لعن الله المرجئة، لعن الله المرجئة. قلت: كيف لعنت هؤلاء مرة ولعنت هؤلاء مرتين؟ فقال: إنَّ هؤلاء زعموا أنَّ الذين قتلونا كانوا مؤمنين، فثيابهم ملطخة بدمائنا إلى يوم القيامة. أما تسمع لقول الله «الذين قالوا إن الله عهد إلينا ـ إلى قوله ـ فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين»، قال: وكان بين الذين خوطبوا بهذا القول والقاتلين خمسمائة عام، فسماهم الله قاتلين برضاهم بما صنع أولئك”.
إنَّ حدود التقية، حتى المداراتية، واضحة جلية، لا تخفى على العوام فكيف بالعلماء، فلا محل لها من التكسُّب والنفاق الذي يمارسه ويعتذر به بعضهم… تُرى ما هو الانطباع الذي سيتلقاه المؤمن البسيط وهو يرى المعممين والمجاهدين والمثقفين يتزاحمون على تشييع جنازة فضل الله ويتسابقون على تأبينه؟ أين سيأخذ ظهور العلماء في قناته الفضائية العوام، حين يقارنون هذا الأداء بموقف الحوزة وفتوى العلمين التبريزي والخراساني؟ ماذا سيُنتزع من ارتيادهم مطاعمه ونزولهم في فنادقه؟ ألا يقع نهي الإمام الكاظم صفوان الجمَّال إكراء جِماله هارون العباسي، في جهة صدوره ومورد زجره وتقبيحه، أو وعظه وتحذيره، ما نراه من ممارسة بعض العلماء والمثقفين في تعاطيهم مع الضالين المضلين، ومصاحبتهم المنحرفين، وانخراطهم في مشاريعهم؟! وفي الحديث عن الصادق عليه السلام: “لا تصحبوا أهل البدع ولا تجالسوهم فتصيروا عند الناس كواحد منهم”. قد يسوق هؤلاء ما يشاءون من ذرائع وأعذار تبرِّر فعلتهم، ولكن هذا لن ينجيهم من ممارسة التغرير والتدليس، وإدانتهم بالإغواء والخداع. فهذا الختل والغش يحمل العامي الساذج على الظن بأنَّ الصفقة رابحة لمصلحة الدين ورائجة في نفع المؤمنين، ما يزيل قبحها في نظره، ويوقعه في غلط يحمله على مماشاة هذا السلوك وممارسته!
إنَّ دور العالم الرباني ومهمته هي إضاءة أنوار الخطر، وقرع ناقوس الحذر، ودق صفارات الإنذار، لتنبيه العوام الماضين في الاتجاه الخاطئ، وقف انحرافهم وإفراطهم وغلوهم، والمبالغة في الانجرار والانحدار… من شأن الشياطين أو السحرة أن يلقوا حبالهم، ليسحروا أعين الناس ويسترهبوهم مما جاؤوا به من سحر عظيم، ولكن هناك دائماً ولي إلهي يُلقي عصاه لتلقف ما يأفكون، هكذا يبصِّر العالم الرباني قومه ويردعهم عن الاغترار والانخداع، ويكشف الرائد النزيه والمرشد الحكيم زيف العجول التي تخور، وأنها مجرد أصنام سكنتها قوى تحسبونها خارقة، وطاقات تبهركم بإنجازاتها، ما هي في حقيقتها إلا نفث أبالسة وكيد شياطين…
الويل لأُمة يتخلى فيها “العالم” عن دوره الإلهي، والمثقف المتعلِّم عن موقعه الطليعي، يركب الموجة ويلحق بالعوام، ويغدو عامل تغرير وعنصر خَتْل وتدليس! هناك موجات شحن اجتماعي عام تنزل بالأُمم، تنتاب الناس حمَّى كرة القدم، على سبيل المثال، لمشاركة فريقهم أو فوزه، فتجد عالم الدين، أو المعمم، يرقص على وتر العامة ويجاري العقل الجمعي المنفعل بالهراء والمنشغل باللهو (وقد يبلغ الأمر بمتمرجع أن يصدر بياناً في منتصف الليل يواكب فيه احتفال الجماهير ورقصهم في الطرقات)!
هذا ما يغشى الساحة الآن من حمَّى غزَّة… يلحق الناس الركب، لا يسألون عن الراية وحاملها، أين هو من الرضا من آل محمد، ماذا لو ظفر وانتصر؟! تغرير خطير يمارسه معممون ومثقفون وكتاب وإعلاميون وساسة مرتزقون، وسدنة عتبات مقدسة! كلهم شركاء في إذكاء حمَّى خلطت في إدراج ما هو من السياسة والمداراة، في الدين والعقيدة، وتجاهل حقيقة من الوضوح ما يجعلها بديهة من ألف باء السياسة!
إنَّ القضية الفلسطينية واحدة من أكبر القضايا حجماً في العالم بأسره وأكثرها تعقيداً، تاريخ يرتبط بالتأسيس الثاني للحركة الماسونية، وسقوط الإمبراطورية العثمانية، ونتائج الحرب العالمية، واضطهاد اليهود ودورهم في إسقاط النازية، ووعد بلفور، وعصابات صهيونية وخطط جهنمية لشراء الأراضي، صعود أنظمة وأحزاب حاكمة، وقيام دول على حساب قبولها واعترافها السري بـ “إسرائيل”، شبكة ضخمة ومعقدة من المصالح المترابطة والمتداخلة، تجعلك في موقع العداء مع جميع الأطراف الإقليمية والعالمية! هل من الحكمة الانخراط في هذه الحرب؟! لا إذاعة أو فضائية عربية تنتصر لغزَّة إلا وهي تذكر الكيان الصهيوني باسم وعنوان “إسرائيل”، معترفة بدولته! ألا يكفي هذا للتدليل على حجم اللعبة التي تعبث بالشعوب؟ لا صوت في الإعلام المعادي والموالي يطرح الحقيقة القُراح، وقد انقلب الساكتون إلى مهرجين ومغررين، يمعنون في الزيف ويغرقون في الإضلال، وسوق الشعوب كقطعان الماشية تحدوها الكلاب، تدعي حراستها من الذئاب! من السذاجة بمكان، تجاهل هذا كله والتعاطي السطحي وليد اللحظة، والانطلاق من الانفعال والحماسة، والتغرير الذي يأخذ المؤمنين إلى مواضع ومواقف تتجاهل قرناً من الزمان وجبالاً من العوامل المتراكمة!
من نافلة القول أن لا أحد يشكك في ظلامة الشعب الفلسطيني، ولا متشرع يقف على الحياد في هذا الصراع، فلا ينصر المظلوم ولا يتألم للأبرياء وما ينزل بهم من ويلات… ولكن في الوقت نفسه علينا أن نتحرك بوعي وبصيرة، ولا نسمح أن نخدع عن ديننا ونعرض عن أولوياتنا، ونذهب حرضاً في مغامرات الأحزاب وصفقات الدول ومحاسبات أروقة السياسة. إنَّ من أشد التغرير تصوير القضية الفلسطينية بالشكل الذي يجري اليوم! فلا غزة هي كربلاء، ولا طوفان الأقصى عاشوراء، ولا أحمد هنية هو حسين جولته، ولا مشعل عباس صولته، ولا مجاهدي القسام كحبيب وزهير، ولا أطفال غزة كعبدالله الرضيع ورقية! كل ما يجري هو فيلم سينمائي تخرجه دول عظمى وكبرى، وهذا لا يعنينا بقدر ما يعنينا التغرير الذي يمارسه العلماء والمثقفون وهم يوظفون مقدساتنا ومفردات عقيدتنا، ويستهلكونها وقوداً يدير آلة العرض، حتى يبقى الناس على مقاعد المشاهدين، تلسعهم هذه الدراما المؤلمة، وتحشدهم سواداً في جبهة الشياطين!
الذين يحتجون ويتمسكون ببيان المرجعية وموقفها من غزة، هل سألوا عن رأي المرجع الأعلى وموقفه من الاعتداء على القواعد الأمريكية في بلادنا، ولا سيما العراق؟ إنهم يعلمون جيداً أنَّ المرجعية ترفض ذلك، وتحرِّم الإخلال بالعقود والمعاهدات التي تربط دولنا بالدول العظمى، وتحصر سبل إنهاء الوجود الأجنبي بالطرق الدبلوماسية والوسائل السلمية… إنهم يعرفون ذلك جيداً، ولكن هذه المعرفة تصطدم بحقيقة يخفونها، هي “رجعية” هذه المرجعية، وعدم مواكبتها للحركة الإسلامية التي تتسنَّم دور المهدي، تريد أن تطهِّر الأرض من الظلم والجور! وإن كان الثمن الإزراء بعقائدنا وسحق مقدساتنا، فتُقرن أرض ما زال يُهتف فيها لمثل صدام، ويجري في ربوعها الترحم عليه، ببقعة عرشية، السجدة على تربتها تخرق الحجب السبعة! وقد “اتّخذ الله أرض كربلاء حرماً آمناً مباركاً قبل أن يخلق الله أرض الكعبة ويتَّخذها حرماً بأربعة وعشرين ألف عام، وأنه إذا زلزل الله تبارك وتعالى الأرض وسيَّرها رُفعت كما هي بتربتها نورانيَّة صافية، فجعلت في أفضل روضة من رياض الجنَّة”…
من هذه البؤرة المظلمة تنساق عمائم وينخرط مثقفون في هذا المشروع، ويلحقون إعلاماً شيطانياً ما زال يعبث بأفكار شبابنا ويسفِّه عقول أبنائنا!
التعليقات