من أخطر ما يواجه الأُمم والمجتمعات، ويتهدد المدن والحضارات: الغفلة عن السخط الإلهي، أو قُل عدم إدراك بوادر السخط ونذُر الغضب وما سيحلُّ على العباد والبلاد من نقمة وعذاب! يلوح في أُفقها فلا تلمحها، ويسطع في سمائها فلا تراها، ويبرق في غيمها فلا يجتذب من أهلها الأنظار ناهيك بأن يختطف منهم الأبصار، حتى يحلَّ وينزل ويجتاح ويزلزل! والتحدي الأكبر هنا لدور الطلائع والروَّاد، ولا سيما القائد الأعلى والآمر المطاع، وهو ما يحدد فيه الشروط ويرسم المواصفات، وعمدة ذلك، بعد العلم والعدالة والحكمة والحنكة، ومعرفة الزمان، برجاله وحوادثه وما يحاك ضد دينه وأُمته، ثم كمالات الشجاعة والتواضع وسعة الصدر والخبرة في التدبير والقدرة على إدارة الأزمات… بعد كل هذا وذاك: التمتع بروح شفافة مرتاضة وقوى روحية متعادلة ونفس سامية متعالية. ما يمكِّن الرائد والقائد من التقاط الإشارات واستقبال العلامات وتلقي الوَمضات، وتَعرُّف الموارد والشوارد، وتحسس الخطوب، وتَبيُّن السُّبل والمقاصد، وتمييز الصوَر والأشكال عن الحقائق والجواهر، والمظاهر عن المخابر، لا تغرُّه هذه فينخدع بها عن تلك، هكذا يتنزَّه عن التوافه ويعرض عن الأسقاط والسخافات، وينصرف إلى العظائم الجلائل والجسائم الخطيرات، وينأى بأتباعه عن التردي والانحطاط، وينقذهم من الهلاك، ويأخذ بأيديهم في سبيل النجاة.
وإنما هلكت الأُمم وماتت المجتمعات، لما تسالمت مع الباطل فظهر، وهادنت الزيغ فغلب وقهر، سكتت عن المنكر فشاعت الفاحشة، حتى إذا تمكَّنت واستحكمت، انقلبت معروفاً وصار النهي عنها منكراً مرفوضاً! وليس الأمر في أضراب الربا والخمر والزنا فحسب، بل يسري إلى الأفكار ويجري في المعتقدات، وأخطرها على الإطلاق صرف الولاية عن أهل بيت النبوة والتنكُّر لحقهم وما حباهم الله من خصائص وصفات ووهبهم من مناقب وكمالات، فقوله تعالى “ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس”، يحكي الحال في الصدر الأول، كما عن الباقر عليه السلام: “ذلك والله يوم قالت الأنصار: منَّا أمير ومنكم أمير”. والأحكام يومئذ ظاهرة نافذة والحدود جارية، الصلاة مُقامة، والصيام بالتزام، والحج بلا تعطيل وانقطاع، والنساء متجلببات بالحجاب، لا حانات وخمَّارات ولا مواخير ودور بغاء، غاية ما هناك أنهم انتكسوا في الولاية وتخلَّفوا عن حق أميرالمؤمنين، فتحقق “ظهر الفساد”!..
تُرى، هل العبث بالحوزة العلمية والمرجعية الدينية أو النيل من الشعائر الحسينية، تعطيل هذه وهتك وابتذال تلك، أو الدسُّ والبدعة فيها، وأخذها في صراعات مُهلكة وإشغالها بأزمات خانقة، خطْب يتطلَّب وقفة وتصدياً، وقضية توجب اصطفافاً ومواجهة؟ أم هو أمر جزئي عابر لا ينبغي اللبث عنده والمكث عليه؟! وكذا التشكيك في ظلامة الزهراء، هل هو كارثة تقتضي النهضة والقيام، وتوجب الاصطفاف وتستدعي الانتفاضة والصدام؟ تفرض نشر البيانات وتأليف الكتب وإصدار الفتاوى والأحكام؟ أم هو أمر هامشي ثانوي، لا يسوغ أن يشغلنا، فنسمح لـ “التاريخ” أن يصرفنا عن حوادث زماننا وما نعيش من قضايا عصرنا وأزمات فاعلة في سائر شؤون الحياة؟! هل من الحكمة الانشغال بأُمور دينية خلافية يعود متعلقها إلى ما تنطوي عليه النفس، وترجع فاعليتها وتأثيرها إلى يوم القيامة والحساب في المعاد؟ ألا يحكم العقل بأولوية أُمور دنيانا ومعايشنا، وفي طليعتها السياسة والاقتصاد وشؤون الدفاع، وعرض الدين من خلال قدرته على معالجة هذه الأزمات والموقف منها؟
تُرى ما هي الإجابة الصحيحة المحقَّة على هذه التساؤلات؟ بل قل أين وجه المغالطة في طرحها والمكيدة في إثارتها؟ ولا سيما مع ما نلاحظه ونشهده من أكثر هذه القضايا سخونة وكُلفة (في إراقة الدماء وهدر الأموال وخراب الدور ودمار الأمصار)، حين تعود في نهايتها وتظهر وكأنها مقالب في برنامج الكاميرا الخفية الهزلي!؟ فالتلويح بالحرب والتهديد بنهاية العالم ووقوع ما يقلب شرق الكرة الأرضية على غربها، لا يلبث أن ينكشف كفقاعة أو ألعاب نارية، تخبر العدو بساعة توجيه الضربة، وإخلاء المواقع المستهدفة، لتكون النتيجة واحدة، أصابت السهام أم طاشت، فهذا البحر لا يجيش إلا بموج يهمد على الساحل، وزبَد يذهب جفاء، وهذه ناقة طال بها المخاض فلم تلد غير فأر مختبرات!.. وما زال المشهد يتكرر والأداء يُستنسخ، وما برح الانفعال والحماس من الأتباع في أوجه، وكأنهم لم يلدغوا من هذا الجحر مرَّات وكرَّات!
وبعد الغفلة عن النُذُر، يأتي الجهل بأنواع السخط والعذاب، يحسبه الغافل منحصراً في صاعقة وزلزلة، أو قحط ووباء، والحال أنه ـ وفقاً لمبدأ الكيد والاستدراج والإملاء ـ قد يكون مالاً وسلطاناً وجاهاً! كما في الآية: “فلما نسوا ما ذُكِّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أُوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون”، وقوله تعالى: “فذرهم في غمرتهم حتى حين أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون”، وآية: “ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خيرٌ لأنفسهم إنما نُملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين”… إنَّ أزمة الساحة الإيمانية اليوم تنبع من عاملي: الغفلة عن نذُر العذاب والخلط بينها وبين مظاهر الرحمة، ثم السهو عن الاستدراج والكيد والإملاء، وكأن الغضب والعذاب محصور في شكل نمطي ونطاق تقليدي! وترجع إليهما. ولو تدبَّر البصير وتأمل الخبير لرأى أن حلول الغضب ونزول البلاء، بدأ في صورة عجز القائد عن الرؤية الصحيحة والأخذ بالرأي السديد، وفشله في التشخيص، التبسَت عليه الأُمور وتداخلت، فلم يرَ فساد الفاسد، ولا شعر بخطأ قراره وموقفه، ومع أنه أمرٌ بيِّن في بطلانه، جليٌّ في زيغه واعوجاجه، لكنه رآه رشداً وصواباً! ثم تصاعد الأمر وتمادى وتعقَّد لينتقل من الخطأ في التشخيص والإصرار عليه، إلى الذهاب في المكابرة والعناد، ليبلغ الغاية حين تنكَّر للدليل الحسي والبرهان الوجداني، فجحده ولم يره، أو رآه مقلوباً معكوساً، على غرار ما يحكيه المثل: “نعجة وإن طارت”! أما الكارثة فهي في الانتقال من تحقُّق المثَل فيه إلى انطباق الآية عليه: “فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا، بل هو ما استعجلتهم به، ريح فيها عذاب أليم”… بوادر عذاب عظيم يقرب، وطلائع غضب وسخط إلهي يلوح في الأفق، ينتصب كجبل يحجب الرؤية ويطمس الفضاء، وهم يقولون: “هذا عارض ممطرنا”! أما الطامة، ففي الغفلة عن سنَّة الاستدراج والإملاء، فهم يقعون في معضلة وتحل بهم أزمة، فإذا خرجوا منها حسبوا أن الله أنجاهم منها!
فالقوم منذ دخولهم في محاربة الشعائر الحسينية وهم في دائرة السخط وبؤرة الغضب، تسلَّط عليهم الشيطان واستزلهم، فأخذهم إلى إخضاع الحوزة للدولة وتحويلها مؤسسة حكومية، وصرفهم إلى دعم الضلال ونصرة الحداثة، حتى سقطوا في مركز دائرة البلاء وقعر وادي الشقاء، حين نهضوا بإنقاذ فضل الله وإحيائه بعد الهلاك! وما زالوا يرعون كل من يحارب الأصالة ويُسقط التراث، بما فيه من كنوز أحاديث الأئمة الأطهار ونتاج العلماء الأبرار، ودعم كل ساع وعامل في تمييع الهوية الولائية، برجاء أن تُصرف إلى “ولي الفقيه” والجمهورية!.. وهم يسجلون هذه وتلك انتصارات! وهي، لو يعلمون، نقمات تفوق الصواعق والزلازل، وتتجاوز القحط والوباء والقمل والجراد، حلَّ بهم ونزل، وهم لا يشعرون! بل حتى العقوبات المباشرة ومظاهر الغضب الصريح، لم تتوقف ساعة ولا انصرفت لحظة، فالجمهورية الإسلامية ما انفكت في حصار خانق وتدهور مهلك، لم تر يوماً هانئاً ولا ساعة راحة ورغد، منذ أن ناصبت الشعائر الحسينية العداء وصدرت الفتوى المشؤومة، ما زالوا في دوامات متلاحقة تنال من دنياهم ومعاشهم، لا يخرجون من إحداها حتى تأتي التالية، ما أورثهم بعد الشقاء العناء، ولا من متنبه واعظ، أو متيقظ ناصح!
وبعد ما يعيشونه من فوضى عارمة في معالم الدين، وتداخل في الأفكار والمفاهيم، ما عادوا يعرفون فيها الله من الجبت والطاغوت، ولا بماذا يؤمنون وبماذا يكفرون، مَن يوالون ومَن يعادون، هل هم إلهيون دينيون، يعتقدون بالغيب وينتظرون المعاد، أم هم ماديون حسيون، دهريون يقولون “إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين”؟ لا يدرون ما هو الأساس في الإيمان، وأين العقل من التسليم؟ وأين الغدير والسقيفة والجمل والنهروان؟ كغراب البين، أراد أن يقلِّد مشية الحمامة، فأضاع المشيتين، حتى ما عادوا يعرفون كيف يعزُّون ويبكون، ومتى يفرحون ويضحكون؟! هناك اضطراب بل انهيار عقائدي، فإن منظومة القيم والأخلاق والمبادئ التي قامت لها الثورة وتأسست عليها الجمهورية الإسلامية، هي اليوم في الحضيض، تراجعت إلى أضيق نطاق، ما عادت ظاهرة شعبية ولا حالة جماهيرية كما كانت في العهد الأول للنظام، وهذه حقيقة ظاهرة في الميوعة والاختلاط والانحلال الأخلاقي، وفي حجم الفساد والسرقة وانتهاب المال العام وما إلى ذلك مما بات مشهوداً لا ينكر. فإلى أين يتجه النظام، وكيف عساه أن يتجنب الغضب وينجو من النقمة؟
على السيد القائد وأعوانه في الأجهزة والأحزاب التابعة، بل على الشيعة في العالم، وهم يسمعون قرع طبول الحرب، ويشهدون الآلة الحربية للعدو الإسرائيلي تلاحق لائحة الأهداف، وكأنها فرغت من القادة العسكريين بعد الأدمغة العلمية، فتوجهت إلى مخازن الأسلحة ومستودعات الذخيرة، والقوم في عجز تام عن أي رد وانتقام، أن يميزوا ويتبيَّنوا: هل هو أوان “فتح خيبر” أم هي ساعة “صلح الحديبية”؟ هل لأحد غير رسول الله أو الإمام الذي يقوم مقامه أن يحدِّد ذلك؟ هل باتت الدنيا مستباحة من هؤلاء القادة والزعماء؟ هل خلع لقب “الولي” على من ادعاه يحققه بالفعل؟! الحقيقة أن علماء الطائفة وحكماءها وكل بصير فيها، في ذهول من هذا الربط الأهوج والاندفاع الأخرق واللهث الذي يريد أن يلحق بالمعركة الدائرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين بأي شكل! وفي صدمة من الأداء المغتر الذي علَّق مصير إيران ولبنان، ويكابد ليلحق بهما العراق، على طيش حماس ومغامرتها. وما يثير مزيد العجب والحيرة هذا الاندفاع واللهفة من إدارة العتبات والمدن المقدسة في العراق والبرنامج التبليغي في زيارة الأربعين للالتحاق بالركب المتداعي المنهار، والإصرار على الدخول في العمل الانتحاري الذي تقوده إيران وأحزابها، كمسافر أرعن يعدو بكل طاقته لركوب حافلة تهوي في وادٍ سحيق!.. مؤتمرات فلسطينية تخترق الأربعين، لافتات وصور لهنية تلوث أعمدة الإنارة في شوارع مدينة أميرالمؤمنين، وأخرى لقادة في هذا الحزب وذاك، تأخذ الشعيرة في خطاب موجَّه، وتصبها في قالب سياسي، نتيجته الوحيدة الدمار والزوال، واستمطار النقمة والغضب!
إنهم لا يستأثرون بالقرار الإيراني واللبناني ولا يصادرون دور الطوائف الأخرى بحجج عمالة أحزابها وخيانة قادتها، ولا يصادرون كلمة الطائفة ويسرقون موقف مجموع الشيعة فحسب، بل يعتدون على دور صاحب العصر والزمان، إن كانوا يعتقدون بوجوده.
لعمري، هل لضيف أن يتصرف في الدار؟ يغيِّر مواضع الأثاث ويبدِّل المتاع، بل يعمد إلى الهدم فيها والبناء؟! الفرق الجوهري بيننا وبين غيرنا في العقيدة بالمهدي، أنهم ينتظرون ميلاده، ونحن ننتظر ظهوره، فهو عندنا حي شاهد ناظر، يراقب الأعمال، ويلاحظ السياسات، ولا سيما التي تمس رعيته وتطال شيعته، فهل الوكالة العامة للفقهاء (ودون إثبات الصغرى خرط القتاد) تسمح بهذا العبث والتدمير؟ هلَّا اكتفى القوم وردعتهم النُّذر عن حلول الغضب ونزول النقمة والبلاء؟!.. يا ليت قومي يعلمون.
التعليقات