مع قدسية عنوان الوحدة وروعة الوفاق بين أهل الإيمان، وبشاعة الفرقة وقبح الخلاف.. تُرى هل من الحكمة أن نقضي على التعددية في الوسط الشيعي؟ نطمس التفاوت بين المناهج، ونطمر التباين في المشارب، ونغلق باب الاجتهاد الذي عُرفت به المدرسة الإمامية؟ أليس من المصلحة الدينية والدنيوية أن يظهر الشيعة في العالم متَّحدين تحت فكر واحد، ولا سيما في تطبيق الكليات وتحديد الموارد وتشخيص المصاديق، ثم إلى قيادة واحدة، يأتمرون بأمرها ويمتثلون لتوجيهاتها وإرشاداتها، ترسم مسارهم، وتحدد تموضعهم، وتبين نهجهم بعد هويتهم؟! تُرى هل في هذا خير وصلاح للمذهب والطائفة، ولا سيما في طور غياب الإمام المعصوم، وانتقال الأمر إلى مرجعيات متعدِّدة في فهم الدين وتقدير المصالح، متفاوتة في التقوى والعدالة، والزهد في درجات الحياة الدنيا، ثم في العلم والقدرة على بلوغ الأحكام الشرعية، ناهيك بالمدوَّنة المثبتة في اللوح المحفوظ، فضلاً عن الحقائق الماثلة في عالم الملكوت!؟ وهم في الإيمان ورسوخ الاعتقاد على أقدار وحظوظ!

ماذا لو اجتمع الشيعة في العراق ولبنان والخليج وباكستان وأفغانستان وآذربيجان وسائر البلاد على زعامة إيران، ثم سقطت الجمهورية الإسلامية؟! هل من الحكمة في شيء أن نتجاهل خصوصيات كل بلد، ومعطيات الوجود الإيماني فيها، لصالح مغامرة لا تدري مَن يقودها؟ بل قامت الشواهد على تخلُّف قادتها، وقد حصدهم العدو كسنابل القمح بمنجل الاختراق التقني والرصد الاستخباري وكشف المخابئ واختراق الصفوف والتوغل في أضيق الدوائر؟! إنها دعوة لمزارع ساذج أن يجمع كلَّ البيض من قن الدجاج في سلة واحدة، ثم يعدو بها في طريق وعرة ليبيعها في السوق!؟

في العام السادس للهجرة، بعد الهزيمة النكراء لقريش وحلفائها في غزوة الأحزاب، وما أعقبها في غزوة بني قريضة والنكال الذي حلَّ باليهود، والمسلمون في ذروة عزِّهم واقتدارهم، خرج رسول الله صلى الله عليه وآله في جمع كبير إلى مكة قاصدين الحج، لا يحملون سلاحاً ولا عتاداً، وقد ساقوا معهم هديهم، غير أن المشركين منعوهم من دخول بيت الله الحرام، فنزلوا بالحديبية، وفيها تم الصلح الذي كان من بنوده أن لا يدخل المسلمون مكة عامهم هذا، ولهم ذلك في العام القادم بعد أن تخرج قريش منها، حتى ينتهوا من أداء مناسكهم. فأمر رسول الله المسلمين بالحلق وذبح الهدي، والعودة من مكانهم والانصراف دون سعي وطواف! فكبر ذلك على الصحابة، فلم يستجب لأمر النبي منهم أحد البتة، حتى أعادها ثلاثاً دون جدوى!

انقضى الابتلاء وطويت صفحة الامتحان، على سقوط ذريع وفضيحة مدوِّية، ما زالت الألسن تلوكها، والأقلام تحتال في التماس وجه يبررها، حتى شاء الله أن تتحوَّل ظاهرة “الحلق” من علامة على الطاعة والتسليم والانقياد للنبي الأعظم، إلى مَعلَم للضلال وسمة للانحراف! فقد اقتبس  الخوارج أمر “التحليق” (إزالة شعر الرأس، لا مجرد تزيينه بالحلاقة)، وكأنهم يستدركون ما فات الصحابة، ويمتثلون ما هو أبلغ في العبادة، وأظهر للخضوع والذلَّة، وأدلُّ على العزم والنية، وكأنهم لا يريدون أن يبقوا في أنفسهم شيئاً مما يتزيَّن به المقصِّر دون الحالق.. هكذا تحوَّل الحلق من علامة حقٍّ إلى شعار للباطل! تماماً كما كان “الجهاد” مع الإمام المجتبى عليه السلام ذروة الطاعة وأعظم القربة، ثم أصبح في حضيض الضلال وقعر الانحراف، عند الإصرار عليه، والذهاب في التمسك به إزاء التسليم بالمهادنة ومعارضة الصلح الذي أمضاه الإمام مع الفرقة الباغية، والحق لا يتجزَّأ، والصواب والسداد لا يقبل القسمة على الزيغ والاعوجاج، والرشاد والحكمة تأبى الجنوح والفساد!

لا إطلاق في الجهاد، ولا اطراد في فعله وممارسته، إن هو إلا حكم شرعي وطاعة لله، تتحقق إذا تحققت شروطها، وتبطل إذا تخلَّفت واختلَّت.

لست أدري إن كان السيد مجتبى حي يرزق أم أن منيته حلَّت وتوفاه ربه؟ فهو ليس المهدي الذي لولاه لساخت الأرض بأهلها، فنستدل على وجوده ما دامت الجبال شامخات راسيات، تصنع أوتاداً تشد الأرض وتقيم الكوكب، والسحب تلقي مراسيها وطنُبها، فتستقرُّ وتجود، والبحار تحمل السفن لتمخر عبابها، ما دامت الأفلاك في مداراتها، والنجوم في أبراجها، والشمس تجري لمستقرٍّ لها، فالمولى حيٌّ يرزق. إنه واسطة الفيض، وعمود خباء الوجود الذي لم يتقوَّض. أما الأمر في القائد الجديد للجمهورية الإسلامية، فمختلف تماماً، تحوطه معطيات تنظيمية وحيثيات أمنية، وهي مفهومة في نفسها ومقبولة على علَّاتها، لكن بشرطها وشروطها. وأُولى الشروط أن تنسلخ عن النظام الإيراني صبغته الدينية، ويكف عن استمداد مشروعيته من الأحكام الفقهية، ويتحوَّل إلى دولة مدنية شأنها شأن غيرها من الدول والأنظمة التي تحكم العالم، فالمرجعية والفقاهة لازمتها العلَنية والظهور، ومباشرة الدور بشكل مشهود مشهور، يمكِّن الأتباع من مراقبة مرجعهم ومتابعة قائدهم، سواء في استيفائه شروط العلم وتوفره على العدالة المطلوبة، ثم في بقائها واستمرارها، أو في آلية الملاحقة والمحاسبة، وكذا النقد والتوجيه والمشورة، فنحن لسنا إسماعيلية نزارية، يديرنا “شيخ الجبل” من مخبئه، ولا حشاشين يقودنا حسن الصباح من القلعة في “ألَـموت”.من هنا يمكننا التمييز بين الجهاد والدفاع الذي يحكم به المراجع العظام من الفقهاء العدول، وبين النهج الانتحاري، والإغراق في المغامرة، والإسراف في دفع الثمن، ما يطفئ في السلوك وهجه الديني، ويخمد في الفعل نبضه الشرعي، ويمسخ عنه صفته الإلهية، ويحوِّله إلى تحدٍّ وعناد ومكابرة، وهي أُمور قد تكون لها مسوغاتها من مفاهيم الأنفة والعزة والكرامة، والزهد في الدنيا والرغبة في الشهادة، لكن، هل هو الحق الذي كُلفنا به؟ أليس الصبر السجادي، والمضاء الباقري، والألباب الجعفرية، والتضحية الكاظمية، والسياسة الرضوية، والحكمة الجوادية، والسداد النقوي، والحنكة العسكرية، ثم الغيبة المهدوية، تساوي النهضة الحسينية والجهاد العلوي والفتح النبوي؟!

وبعد، فلا شأن لنا بهذا الأداء، فالقوم أحرار في الطريقة التي يديرون بها بلادهم وشعبهم، ولكن دون أن يحسب ذلك على المذهب والطائفة، ويساق غير الإيراني معه بعصا واحدة، بل حتى الإيرانيين، فإن فيهم من يرفض هذا النهج الانتحاري، ولا يؤمن بولاية السيد مجتبى، والحوزة العلمية والمرجعية الشيعية الحقة معنية بهؤلاء كما بغيرهم من شيعة أميرالمؤمنين، ولو علِمَت للسيد مجتبى طريقاً لسألته: هل من الحكمة جمع الشيعة جميعاً تحت راية الجمهورية وسياستها؟ ماذا يفعل من لا يراها تتمتع بالمشروعية، وماذا يفعل من يراها راية ضلال؟! هل من الحكمة ربط مصير المذهب والطائفة بمآل دولة مضعضعة، ونظام حكم يترنح؟ يقف على أعتاب الاضمحلال، ويستشرف أفقاً سوداوياً، أحسنه، في فرض البقاء، عقود ممتدة من إعادة الإعمار والبناء، تستهلك الطاقات وتهدر الإمكانيات التي كان يفترض أن تأخذ المذهب والطائفة في آفاق جديدة متألقة من التبليغ التي يعرض نموذجاً يتطلع إليه كل مسلم، فيتحقق “كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم”.

المؤمنون ليسوا جبناء، ولا هم طلاب دنيا يزهدون بالجهاد، لكنهم متفقهون متورعون، لا تخدعهم السياسة بألاعيبها، ولا تنطلي عليهم أحابيلها، ينزلون تعاليم أئمتهم وإرشادات ساداتهم مكانتها من التبجيل والتوقير والالتزام والعمل، يرون ـ على سبيل المثال ـ في حديث الصادق عليه السلام: “يجيء يوم القيامة رجل إلى رجل حتى يلطخه بالدم والناس في الحساب، فيقول: يا عبدالله ما لي ولك؟ فيقول: أعنت علي يوم كذا وكذا بكلمة فقُتلت”، يرونه ناقوساً يقرع في آذانهم، ووازعاً يملأ قلوبهم، وزاجراً يسكن ضمائرهم، يحذِّرهم الخوض في الدماء، ويردعهم عن نزعة التراخي والاستخفاف التي يتعاطى بها القوم، وهم يسوقون آلاف المؤمنين إلى حتفهم، يستفزون شياطين الإنس والجن بضروب المناكفات السياسية والتحرشات العسكرية، فيميلون على الناس قتلاً وسفكاً، كأنه ما بلغهم قول رسول الله صلى الله عليه وآله: “لا يغرنكم رحب الذراعين بالدم، فإن له عند الله قاتلاً لا يموت، قالوا: يا رسول الله، وما قاتل لا يموت؟ فقال: النار”.

ليست هذه ساعة انشغال بهذا، ولا الانصراف عما يراد بالمؤمنين ويُدبَّر لهم بقضايا قد تلحق بالترف الفكري، ونحن في معترك الحرب والدمار، وتهديد بات وجودياً من سوء أداء القوم وفساد رأيهم وتدبيرهم، ولكن اندفاع القوم وجسارتهم على الحوزة والمرجعية، والضغط على وكلائها، وملاحقة الأصوات الحرَّة، وتهديد تولية العتبات المقدسة، ومطالبتها بموقف يدفع نحو الدخول في الحرب، يفرض التصدي لهذا العبث، والوقوف في وجهه، وهذا ما لا نريده ولا نطلبه، فليمنعوا صبيانهم، ويردعوا صعاليكهم، وليعودوا إلى الامتثال لإرشادات المرجعية العليا بالكف عن الحروب، وقطع أسبابها، والأخذ بالإعمار والتنمية والبناء، وما يمنع الفقر الذي يدفع نحو الكفر بالعقيدة، والانحلال في الأخلاق.

الحقيقة الكبرى التي على الخامنئية أن تعيها، هي أن الإمام زين العابدين عليه السلام لم يخذل (والعياذ بالله من التعبير) عمه زيداً، ولا أسلم لعدوٍ ابنه يحيى، كما لم يفعل الإمام الصادق سلام الله عليه مع محمد ذي النفس الزكية وأخيه إبراهيم قتيل باخمرى، بل هم، رضوان الله عليهم، من شذَّ وخرج. فلا يلوم أتباع إيران أحداً إلا أنفسهم، ولا يندبون إلا حظوظهم.

Posted in

التعليقات