مما يحز في النفس ويؤلم الروح، بل يندى له الجبين وتنكس الرؤوس، أن يعجز المثقف الشيعي ويقصر في فهمه وإدراكه، ناهيك بفعله وموقفه، عن مواكبة ظاهرة جماهيرية وممارسة شعبية وحركة اجتماعية تعد أعظم ما يمكن أن تعيشه أمة على الإطلاق…
حين تبقى حادثة وقعت قبل نحو أربعة عشر قرناً نابضة وتستمر متألقة وتمضي متفجرة في نفوس وحياة وواقع أصحابها بهذا الزخم، ويتكرر إحياؤها في كل عام بحدود ونطاقات لا نظير لها من الحماسة والانفعال، والبذل والعطاء، وبسعة عددية تناهز الإطباق وشمول الناس كلهم…
إنه أمر خارق للعادة، غريب منتهى الغرابة…
حـريٌّ بمئات الدراسات والأبحاث العلمية التي تؤسس لنهج ونظرية جديدة في علم الاجتماع وحركة التاريخ!

كيف يتجاوز الشيعة الموانع الأمنية ويهملونها، ويتحدون التهديدات ويتخطونها، ويحيون الذكرى بمزيد زخم وألق، وبعفوية وإصرار لا يبالي بالموت والقتل والتفجير؟ كيف لفقير مدقع أن يبذل كل مدخراته لهذه القضية، وينفعل حتى يجهش بالبكاء والعويل، ويذهب في ذلك ليبلغ الجزع وسائر مظاهره بما فيها الإدماء؟.. ثم تسري الظاهرة وتعم لتتجاوز الحالة الفردية والنخبوية فتبلغ المجتمع كله والأمة بأسرها؟!

إن الشعائر الحسينية (في جنبتي العزاء والزيارة) تحمل مادة غنية، بل كنزاً كبيراً وثروة طائلة من حقول البحث وميادين الدراسات الاجتماعية والسياسية والروحية والنفسية والأخلاقية وغيرها…
دراسات تنهض بها فرق عمل جادة ومتخصصة، تقوم على استبيانات تغطي جميع الشرائح والأبعاد، وتوثيقات بالوصف الدقيق (العلمي والأدبي) والصور الثابتة والأفلام المتحركة (الفنية والوثائقية)، وإحصائيات (تغطي البشر والخدمات والزمان والمكان والإمكانيات والموارد)، ومعاينات ميدانية، ومتابعات صحافية، ومقارنات تستشرف الملل والنحل، ومقاربات تستطلع الأمم والمجتمعات المعاصرة…

لكن مع الأسف الشديد فإن المثقفين الشيعة في غفلة عن هذا كله وشغل شاغل… فإن التفت بعضهم تراه وقف في زاوية حرجة مظلمة، وألقى نظرة تلقاها عبر تلقين عفّ عنه العوام وتنزهوا، فعصوا على أربابه وأعجزوا أصحابه! وقع فيه المثقف وأخذه لقمة سائغة! فصار يجتر مقولات الحسّـيّـين ونظريات الماديين، ويتحرك من منطلقات الأعداء والمتربصين!

إنني أعرف المعطيات الموضوعية والأسباب السياسية والبواعث المصلحية، والإملاءات التي تغذي هذا الاتجاه المريض في النظرة إلى الشعائر الحسينية، وتجعل المثقف يعجز عن مشاهدة كل هذه العظمة ويفشل في رؤية هذا الكم الهائل من الحسنات، ويقصر عن قراءة موضوعية تشعر بالإيجابيات، ويتقوقع في دائرة الخور والعجز، بل الخجل من هويته، وهو يريد أن يحاكي الآخر في فكره وعقيدته بعد ملبسه ومأكله ونمط معيشته…
وتحول ـ بالتالي ـ دون نهضة علمية وثورة ثقافية تفي الحدث بعض حقه، وترفد الأمة وتسد الثلمة على هذا الصعيد..
إن هذه العلل والعوامل معروفة ومكشوفة، كما خيانة القوم لقضيتهم وأهلهم…

لكني في حيرة من النخب المخلصة، وشكواي من المثقفين الأحرار، وهم كثر، أن قصّروا في واجبهم وفرطوا في مسؤوليتهم واكتفوا بأقل الأدوار، وقنعوا بالسير على هامش المسيرة، فخسروا شرف النصرة وفخر العمل وتاج خدمة سيد الشهداء.

Posted in

التعليقات