في آخر لقاء جمع الثلاثي: الشيخ عيسى قاسم، زعيم المعارضة البحرانية (المنفيُّ، أو المهاجر إلى قم، فلا أحد يعرف شيئاً عن طبيعة الصفقة التي أنهت وضعه تحت الإقامة الجبرية في البحرين، بذريعة السفر للعلاج!)، بمسؤوله الحزبي وآمره الميداني، الحاج قاسم سليماني، قبيل استشهاده بأشهر قلائل، بحضور السيد الخامنئي ولي أمره ومرجعه وإمامه… استعرض السيد القائد حال المنطقة، الوضع في العراق واليمن وسوريا ولبنان، وخلص إلى رسم تكليف جديد للساحة البحرينية، ودور طارئ عاجل عليها أن تنهض به. وقد أصدر في هذا السبيل إرشادات وتعليمات تضمنت أمراً صريحاً للشيخ عيسى، مؤداه المباشرة بتصعيد الساحة في البحرين، والانتقال بها إلى صدام حاد لا يتوقف قبل إسقاط النظام! يقال إن بصيص الورع في الشيخ عيسى قد شعَّ، ولحقته بعض شجاعة، حملت الرجل على التوقف ورفض الفكرة، فالمعطيات المتوفرة لديه لا تسمح بهذا الأمر، بل إن الحالة العامة للحركة الإسلامية ستنتكس بآثار عكسية ونتائج مدمرة! انفضَّ الاجتماع حينها على غضب وتبرم شديدين من الشيخ عيسى، وأوامر بإقصائه وعزله، بوشر بتنفيذها بوتيرة حادة ومتصاعدة، سرعان ما تباطأت حتى تلاشت مع تلاحق الحوادث التي أثبتت صحة تقييمه وسلامة موقفه، والكلفة العالية للبحث عن قائد جديد للبحرين. وبالأمس القريب، تناقلت الأخبار شيئاً مشابهاً تلقاه الشيخ نعيم قاسم، أوامر مباشرة من الخامنئي بالتصعيد في الساحة اللبنانية! والأمر بعد هذا الهراء وذاك، خطير يجري أنهاراً من دماء، ويتهدد مصير الشيعة في بلادهم ومستقبل المذهب في بنيته وركائزه وموقعيته!
يبدو أن لا سبيل لخلاص الشيعة وراحتهم في دينهم ودنياهم ما دام الخامنئي في موقع القيادة، لن تفلح إيران، ولا الشيعة في البلاد التي يمتد إليها النفوذ الإيراني، وبالتالي المؤلم، لن يستقر الشيعة في العالم. لا بدَّ من عزل الخامنئي عن القيادة والولاية، لا لعجزه وتخلُّفه، وافتقاده الشرائط الشرعية والأسباب الموضوعية فحسب، ولا حتى لشؤمه ونحوسته وسوء طالعه على محيطه، بل لكتلة ضخمة من العقد النفسية ومركبات النقص التي تسكن الرجل، وتداعيات ما برحت تخلق العوائق في طريق النجاح، تأخذه للتعثُّر والسقوط في كلِّ منعطف ومنزلق، ما حال دون تحقيقه أي انتصار وبلوغه أي هدف وإنجاز يذكر على امتداد عهده! ولك أن تقف على حجم الأزمة من عجز هذا التعِس عن قراءة نقلة نوعية تعيشها المنطقة، فأدرج تحولات تاريخية خطيرة بدأت خطواتها التنفيذية واضحة جلية، أدرجها في سياق تقصَّد حراك تافه يقوده، وصنَّفها مؤامرة تستهدفه، يحسب نفسه ودولته محور العالم وقطب الوجود! مما لا يمكن تفسيره إلا ضرباً من النرجسية خلقت فيه غروراً وإعجاباً بالنفس تركه و”مرآة” يتطلع فيها فلا يرى إلا قسامته وجماله! يلحقه بشيء من جنون العظمة، أنهى معه أي دور استشاري يستعين به، وأورثه شعوراً بالتفوُّق على محيطه، ناهيك بالتقدم على عدوِّه! لا تفسير لاحتجاب الحقائق والانفصال عن الواقع إلا سطوة العُقد النفسية وغلبة الداء! وهذا بالتحديد ما حمله على قرارات قاتلة لا يمكن لأي عاقل يحيط بأوليات السياسة أن يسقط فيها. ببساطة شديدة، عندما بدأ الغرب بتنفيذ خارطة الشرق الأوسط الجديد، أُعطي العراق للأكثرية الشيعية، ثم جاء دور سوريا لتسلَّم للأكثرية السنية، فانصاع الجميع بما فيهم النظام البعثي والأسرة الحاكمة هناك، وأعدوا عدتهم لصيغة انتقالية توافقية، من موقع تفاوضي لا بأس به، الأمر الذي كان سيتراجع بمكانة التكفيريين ودورهم في المعادلة السنية لصالح القوى المعتدلة والعلمانية، ويجنب البلاد الدمار والعباد الهلاك في حرب أهلية طاحنة، وإذا بالقرار والفرمان الخامنئي يصدر من طهران ببقاء الأسد، ووجوب إرجاع الأمور إلى ما كانت عليه قبل اندلاع المظاهرات ومقدمات الثورة الشعبية والمعارضة المسلحة!
قد يكون الخامنئي خطيباً مفوَّهاً، أو شاعراً أو متذوقاً للشعر، أو أديباً بارعاً، ولعلَّه قارئ نهم، لم يغادر شيئاً من القصص والروايات العالمية، كما يقال عنه، ويكرر هو عن نفسه، مطَّلع على الثقافة الغربية من هذا الباب الحرج، بل التافه في الميزان العلمي، لكن من المؤكد أنه ليس عالماً دينياً ولا فقيهاً، ولا سياسياً حكيماً، وهو في هذا الميدان يقف على الأعتاب الدنيا، ويحوم في الحمى الأبعد، فإذا مضى فعلى هامش أقرب إلى المهمل المتروك، اللهم إلا ما يخلقه لنفسه، وتكرره مؤسسات جمهوريته، ويروِّجه محازبوه، من لوحة إلهية، يجد له موضعاً فيها، يدير القدر ويعيد قراءته بما يوافق قراراته الخاطئة ومواقفه الطائشة الجانحة، فإذا عبث بذيل النمر الأمريكي أو ناوش الضبع الإسرائيلي وتلقى ضربة مدمرة تطيح به وتضيع جهود عقود خلت، وتهدر ميزانيات فلكية كانت كفيلة بتحويل إيران إلى جنة الله في أرضه، قيل عنها ضربة ردَّت الأنكى الأسوأ، ودرأت الأفظع الأشنع، ودفعت ما هو أعظم! وإذا بدأ بخرق وبلادة حرب إسناد غزة التي دمرت ذراعه الأقوى ومفخرته القدوة في لبنان، قيل لو كنتم تعلمون ما ينتظرنا من البلاء والنكال لولا هذه الحرب الرحمة! فإذا أعلنت النتيجة على الصعيد السياسي وانكشفت عن هزيمة ماحقة، قيل: ما زلنا هنا، وحياتنا أكبر رقم مقاومة، وإن كانت ترسم صفراً كبيراً! ثم لا ينقضي العجب حتى يعمد لإثبات نظريته والبرهان على أوهامه، فيستعيد أخطاءه في سوريا ويكرر الفاجعة في لبنان، حين يعود للتهديد والوعيد من جديد، في أداء منفصل عن الواقع، لا تجد له من تعبير غير المكابرة والعناد، كمن خاصم زوجته فأجبَّ نفسه. الرجل تغلبه الصوَر وتؤثر فيه الأخبار، وتطوح به المفاجآت المباغتات، وتستخفه الأماني والأفكار، ولا سيما هاجس النصر وتحقيق النتائج، التي لم ينجز منها شيئاً، ما برح في الطريق يسعى ليل نهار. أزمته الكبرى أنه لم ينجح في جبهة ولا سجَّل انتصاراً في ميدان، ولا أتمَّ عملاً وأنفذ وعداً قطعه ومنَّى به جمهوره. في السنة الأولى لتوليه الحكم، غلبته نزعة التنبؤات، فبشَّر بفتح إخواني وشيك في مصر، ومنذ ذلك الحين والحركة الإسلامية هناك في تدهور وانهيار!
لست أدري على التحديد ما هو منشأ العقَد التي تسكنه، وجذر مركَّبات النقص التي تنفعل في نفسيته وتفعل في سلوكه، ولكن يبدو أن الوضع العائلي أحدها، فهو من بيت متواضع، عاش في فقر مدقع، خلافاً لحال رفسنجاني على سبيل المثال، وحتى السيد الخميني نفسه، الذي ينحدر من حالة إقطاعية وزعامة اجتماعية، قبل أن تثنى له الوسادة في الزعامة الدينية والسلطة الحكومية. وقد تكون العلة في أُنسه المفرط بالروايات الأدبية وتأثره بالقصص العالمية وموقع البطل فيها، لست أدري، ولكن ليس من العقل والدين، ولا من الصواب والحكمة ترك الرجل يعبث بمسير المذهب ومصير الطائفة! والسؤال المدوِّي الذي يتردد حول سبب التدخل الأمريكي لوقف غارات إسرائيلية كانت تستهدفه؟ والتبرير “المقنع” الذي قدموه للإسرائيليين بأننا لن نقع على الأفضل منه في تدمير الشيعة، فلن نكرر غلطتنا مع صدام!
إذا لم تطوَ هذه الصفحة فسيبقى الشيعة في بلاء، ولن يخرجوا من النفق الذي أُقحموا فيه.. الأمل والرجاء في تدخل المولى عجل الله فرجه، ودورنا أن نعينه بورع واجتهاد وعفة وسداد، أدناه إنكار هذا المنكر، والتبري من هذه الولاية الباطلة.
التعليقات