تلاقى سببان وتضافرت علتان، فأسقطتا إيران الجمهورية الإسلامية من موقع الصدارة في العالم الشيعي، وأزالتا عنها مقام “بيضة الإسلام”، وأقصتاها عن المكانة الأولى التي جندت الشيعة في العالم لنصرتها وجمعتهم عليها، وصار أتباعها وحُماتها اليوم مجرد مجموعات ومنظمات، أما ذلك المد الجماهيري والالتفاف الشعبي، فقد زال عنها ولم يعد سمة لها، بلا أدنى شك وريب…

السبب الأول: قيام عراق جديد بغالبية شيعية ساحقة تناهز ٨٠ ٪، نهض كمارد خرج من القمقم. ونتيجة لعقود متمادية من الحرمان والاضطهاد والتنكيل والإبادة التي عانى منها هذا الشعب المظلوم، تقدم في ظهوره الجديد منقطعاً إلى الله، خاضعاً لدينه ومذعناً لشريعته، متمسكاً بهويته ومعتزاً بمذهبه، ثم عارفاً بقيمة الحرية، ومقدراً هذه النعمة العظمى.. ناهيك بمحامد الصفات التي جبل عليها وغرست فيه طبعاً وسجية.

السبب الثاني: لقد كان العطاء المباشر والنتيجة الطبيعية لتبني الجمهورية الإسلامية الفكر الضلالي للدكتور علي شريعتي، والعقيدة المنحرفة لحزب الدعوة (فكر فضل الله)… هو تخلف الثورة الإيرانية في ثقافتها وخطابها الديني عن معطيات التشيع ومسلمات الولاء لأهل البيت عليهم السلام، والانتقال إلى جبهة الحداثة والالتقاط، التي تُفقد حمَلتها (مهما حاولوا وتحايلوا) المد الشعبي والانتشار الجماهيري، ذلك أنها تعارض الفطرة الشيعية السليمة، ناهيك بافتقادها الأسس العلمية السليمة والمنطلقات الفكرية السوية.

من هنا دخلت الجمهورية الاسلامية معارك ثقافية وعقائدية في منتهى الحساسية، تمس التشيع في الصميم، ما أفرزها وصنفها في جبهة أخرى.. فحين ترى سبعة من المراجع العظام للطائفة يحكمون بضلال شخص (محمد حسين فضل الله)، تقوم “الجمهورية” بتعظيمه وتأبينه! مستخفة بالثقل الشرعي والشعبي لهؤلاء، بل متجاهلة ما ارتكب ذاك الضال المضل من جريمة شنعاء… فكأن الزهراء عليها السلام لا حظ لها في هموم إيران وأولوياتها، وكأن “الجمهورية” اصطفت مع من يجحد مصيبتها ويريد نفي محوريتها!
واستمر الأداء الإيراني في هذا السياق المدمر عبر قناة الكوثر، بإثارة فتنة كمال الحيدري، الذي جاهر بالتخلي عن المذهب والدعوة إلى نهج مبتدع في الاستنباط والمرجعية والمذهب والعقيدة، وهتك مسلّمات الدين ومقدساته…
وبين هذا وذاك لم يتوقف النصب للشعائر الحسينية، ولا تراجع تأجيج الحرب عليها، بعنوان تهذيبها وإصلاحها وما إلى ذلك من عناوين لم ينطلِ شيء منها على الشارع الشيعي الذي غلبه الألم والحسرة على هذه المواقف، والغضب من هذا الأداء، وقد نكب بمصيبته وشرق بغصته، ولم يجد إلى بث شكواه من سبيل إلا… العراق.

في العراق وجد الشيعة ضالتهم، ورأوا واقع دينهم وعقيدتهم، وصاروا يمارسون شعائرهم، ويشكرون للشعب هناك حسن الوفادة وطيب الرفادة، وسعة الصدر والنخوة، على الرغم من ويلات يعانيها ومصائب لا تتركه ساعة يلتقط فيها أنفاسه…

حتى جاءت زيارة الأربعين هذا العام، وهو الأول الذي شارك فيه الإيرانيون بهذا الشكل الكبير، صاحَبه حضور لافت للقوى الموالية للسلطة (كانت في شغل عن الزيارة بتوزيع صور السيد القائد!)، وسلوكيات بعيدة عن الخلق الإسلامي والشرع الحنيف، أورثت بقية الزوار (حتى من الإيرانيين أنفسهم) ضيقاً واشمئزازاً، فصاروا يقارنون ويسجلون المفارقة، بين هؤلاء وأولئك…
إن العراقيين يسطرون ملاحم قل نظيرها في التاريخ، وهذا أداء سيترك أثره بالتأكيد. ولم يصمد ما التمسه بعضهم لتلك الفئة المعتدية في كونهم من العوام والجهلة (والحال أنهم شباب وفتيان من موظفي الدولة ومأموري النظام)… فكيف لـ “المعيدي” العراقي أن يتعامل مع زوار سيد الشهداء بهذا النبل والرقي، بينما يتعامل “الدهاتي” الإيراني بمنتهى الوقاحة ودون مراعاة لأية حرمة؟! حتى بالغ بعضهم في إساءة الظن وسجل ذلك على العمد في أذية الزوار والتآمر على الشعيرة بالإساءة إليها ودفع الناس لتركها…

وبعد هذين السببين، جاءت ثالثة الأثافي في بروز المرجعية الدينية في النجف الأشرف، وتألقها، وقدرتها على قيادة الساحة بأداء سياسي متفوق، استطاع تعبئة الشعب وخلق المناعة للعراق، ما أوقف تقدم التكفير والإرهاب، وأنقذ البلاد والعباد…

هكذا انكفأ دور إيران وتراجعت مكانتها في قلوب الشيعة، وسقطت عن صدارة تبوأتها طويلاً… لتعود الأمور إلى نصابها، ويرجع الناس لتلقي معالم دينهم من المرجعية الأصيلة واتخاذ مواقفهم من منطلقات شرعية وأحكام دينية بعيدة عن لوث السياسة وخداعها.

Posted in

التعليقات