كان الموضوع في أصله عابراً، ولم يقدّر أن تكون له تداعيات تذكر، ولا تصوّر أحد أنه سيتفاقم ويصبح كرة ثلج تتدحرج، أو قُل يتحول إلى جرثومة سريعة التكاثر والانتشار تنذر بهدم وسقوط قصر مشيد تكلّف عشرات المليارات، وتقويض جهود مضنية ومكابدات مذلة مهينة استمرت خمسين عاماً…

هكذا بدأ:
كوادر عليا من حزب إسلامي صغير، لكنه طموح، يتطلع ـ مستلهماً من مرجعيته ـ ليطرح نفسه كبديل عالمي عن “التشيّع الإيراني” كما يسميه الغرب، وعلى الرغم من سذاجة هذه الرؤية، وكم هي خرقاء، وطبقات الخيال التي تتقلب فيها، فالقوم في حقيقتهم مجرد حزب صغير ومرجعية عائلية متوارثة، لا تعترف بها الحوزات العلمية، ولا يتجاوز حضورها في الساحات الشيعية أكثر من ٢ ـ ٣٪ من مجموع المؤمنين الملتزمين (في تقديرات مستقاة من إحصائيات ودراسات ميدانية)…

إلا أنهم راهنوا على الصولة الإعلامية التي يتمتعون بها، وجولة العناوين المتكثرة للمراكز والمؤسسات والفضائيات التي أسسوها وأغدقوا عليها بإسراف، وما زالت تنفخ فيهم التيه والغرور وتخلق الآفات والأورام.

كان ذلك الوفد الحزبي يعرض خدماته على الدائرة الأمنية، أو قل المخابراتية، في وزارة خارجية دولة عظمى، ويرجو في المقابل توفير الدعم الحكومي لفروعه في مختلف البلاد، ولا يعني هذا العرض والبيان اتهام القوم بالعمالة، بل هي فكرة استغلالية وخطوة متحذلقة متشيطنة تريد أن توظف “التدافع” بين إيران والغرب، لتحقق لحزبها ومرجعيته أملاً سابقاً طالما خامرها وحلماً متقدماً كثيراً ما راودها.

في ذلك الاجتماع المشؤوم قدمت للوفد لائحة مواصفات ومعايير (ستاندرد) وشروط ابتدائية سابقة لكل دعم، لا بُـدّ من توفرها قبل أي تبنٍّ واحتضان… مجموعة قيم ومبادئ تتعلق بالمساواة بين البشر وعدم التمييز والتفاضل من منطلق عرقي أو ديني، والموقف من الأديان الأخرى (ولا سيما اليهودية ومسألة عداء السامية)، وكذا قضية المرأة، وما إلى ذلك، (وفي هذا السياق جاءت كلمة أحد قادة الحزب في مؤتمر حوار الأديان الأخير في ديسمبر ٢٠١٤ الذي عقد في الفاتيكان وداس فيه التعس على شريعة جده وأمضى شرعة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان!)…

وكان مما طولبوا به وأُلزموا: نفي العنف وإدانة جميع أنواعه، والتبري منه في الفكر والممارسة على السواء، ولم تقوَ احتيالات القوم على الصمود أمام نصوص قرآنية ومسلّمات عقدية وفتاوى فقهية تناقض هذا الأصل والأساس الذي لا يسمح دونه للإدارة هناك بدعم ومساندة أية حركة تحرر في العالم.

ومما وُوجه به الوفد أن دينكم يبث الكراهية ضد اليهود والبوذيين والهندوس ويحتقر الكفار ويراهم أدنى طبقة ودرجة من المسلمين، وكذا المرأة، وتحفظوا على بعض أحكام الحدود والقصاص، والإيمان برب من أسمائه “المنتقم”، والتبشير بإمام سيقوم بالسيف، ويؤسـس دولته على إبادة أعدائه، بل نبش قبور أسلافهم والانتقام منهم بعد إعادة الحياة إليهم وصلبهم!

خرج الوفد من اللقاء بوعود وتعهدات، تلتزم إصلاح البنية الفكرية والعقدية للحزب، محورها نبذ العنف والقوة، وبث “الحب والحياة” شعاراً وثقافة في أوساطه، وخطاباً ينشر في مجتمعاته.

في هذا السياق جاءت مهزلة “عبير الرحمة”، وهو كتيّب صغير في حجمه وقدره، متهافت في محتواه، هزيل في استدلاله، ركيك في احتجاجه.. لكنه مع كل هذا التردي والوهن خلص إلى ما يقلب الفهم الشيعي في أمر قيام المهدي عليه السلام إلى ما يقرب من الرؤية والعقيدة السـنّية!

ولما كان الأمر عقائدياً، ينذر بخروج الشيعي من دائرة التسليم المطلق لإمامه، إلى وضع أُسس ومعايير يحاكِم بها المأمومُ إمامَـه، ثم يحكم عليه (هل سيقوم بالسيف وينهض بالقوة أم بالدعوة والموعظة والحسنى؟ هل هو عنيف أم مسالم؟ هل يرحم أعداءه أم ينتقم منهم؟ هل سيثخن فيهم قتلاً أم يرسلهم طلقاء كما فعل جده؟)! ويغدو ناظراً ـ والعياذ بالله ـ عليه، لا تابعاً له ومنقاداً إليه! وهي حالة حذرت منها الروايات وتنبأت بأن قوماً من أتباع المهدي عليه السلام ينكصون عن بيعته ويتخلون عن نصرته بذريعة النقمة وعدم الرحمة في سيرته… ونحن أمامنا ـ عند الظهور الشريف (القيامة الصغرى) ـ مواقف مهولة ومشاهد مرعبة وأحداثاً يهتز لها ويتزلزل كل مذبذب مُعار الإيمان لا ثابته، مستودَع العقيدة لا راسخها، ولا ينجو إلا من نشأ وترعرع على التسليم المطلق، وترسخ فيه الأمر عقيدة لا تنال منها فتنة ولا يطالها إغواء وتغرير، ممن لا يقول: لم وكيف وما بال؟! ولا يتساءل: فيمَ وعلام ولماذا؟!…

لذلك انبرى جملة من العلماء الأجلاء، في طليعتهم السيد إمام الجزائري دام ظله والسيد هاشم الهاشمي حفظه الله لرد الشبهة وتصحيح العقيدة، وهكذا عمّ الوعي الساحة الإيمانية بحمد الله وفضله، حتى نهض المؤمنون من النخبة المثقفة الغيورة بالدفاع عن دينهم وإمام زمانهم، فصدرت أخيراً سلسلة “عبير الانتقام” للأستاذ حسن يوسف، وقد أحسن فيها وأجاد.

لكن المأساة ما كانت لتتوقف!..

ما زال القوم في حيلة والتفاف، يخرجون من مطب ليسقطوا في حفرة، يجتازون حاجزاً ليهووا في واد.. يزيفون الأقوال ويحرّفون الكلام، يحوّرون الآراء ويقلبون المقولات، يدسّون ويزيدون، يجتزئون ويقتطعون، يغالطون ويصادرون، ثم يعاندون ويكابرون!

وما زال الأمر يتفاقم فيهم ومعهم، كملسوع يسرع الحراكُ سريان السم وانتشاره في بدنه، وكحافر الحفرة في عسر خروجه حتى دفنه وطمسه ورمسه!

وإن أثبت هذا شيئاً وأكّد أمراً، فشبهة الغرض السياسي وحقيقة المرض النفسي والسقوط الروحي في القوم، وإلا فقد كان يكفي الإخوة أن يقفوا موقف إيمان وأخلاق، ويعترفوا بالخطأ دون مكابرة، ويتوبوا إلى الله دون أن تأخذهم العزة بالإثم، فمطلِـق الفكرة، إن اعتقد غافلٌ باجتهاده، وظن ساذج بفقاهته، وصدّق بسيط بأنه متخصص قادر على استنباط المفاهيم الدينية والأحكام الشرعية.. فهو ليس معصوماً لا يخطئ، ولا “أعلمَ” يجوز تقليده!
وكان يكفيهم الاعتذار وسحب الكلام ومحوه، ليتوقف الجدال وينتهي المراء وتطوى القضية، وعفا الله عما كان وسلف.

إن الانحراف العقائدي (خلافاً للعملي السلوكي الذي يصعب إثباته في غير المتجاهر بالفسق) هو مقصلة كل مدّع، ومقبرة كل مزيف..

وما أضمر أحد شيئاً إلا أظهره الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه، ويبدو أن الأمر في هذا النص الشريف لا يتوقف عند الأسرار والأمور المكتومة، بل عموم السجايا والخصال المضمرة، من خبث وكيد وجهل يخفيه المرء، فتفضحه الزلات وتعرّيه السقطات.. ثم يغلبه الكبر ويودي به الإصرار ويهلكه العناد!

لا شك بأن مقولات القوم وجهودهم ستذهب أدراج الرياح، وأنهم أعجز وأقل شأناً من أن يبدلوا معالم مذهبنا ويغيروا عقيدة شبابنا.. ولكني مشفق على بضعة نفر من المؤمنين المخلصين، يخصني بعضهم برَحم، استغفلهم القوم وأضلوهم…

أما الشمس فلا يداريها منخل ولو كان بحجم عشر فضائيات ونيف، والحقيقة العقائدية التي صمدت أمام حرب وقمع واضطهاد وطوفان، لن تغيرها زوبعة في فنجان.
والحمد لله رب العالمين

Posted in

رد واحد على “نبذ العنف والعزة بالإثم …”

  1. رشيد

    لمست في المقال نفَسا غريبا في صياغته وتوالي أفكاره لم اكن اعهده وأحسبه مؤثرا جدا فيهم ولا عذر لهم

    إعجاب

التعليقات