كيف تعقد شمطاء هزيلة، احدودب ظهرها وتجعدت بشرتها وتحاتّت أسنانها وتلبّد شعرها، وتنفث في “العُقد”!؟ وهل هي الدنيا واستدراجاتها وإملاءات شهواتها التي تواجهنا وتصارعنا؟ أم هناك ساحرة حقيقية تستوطن الغيران، وتعيش في رؤوس أشجار الغابات، أو هي جنيّة تطوي الأرض على ظهر مكنسة أو مسحاة!؟.. كيف تجدّل الظفائر من بقايا ما سُرّح، وتكوّر ما نُمّص من شعور النساء؟ أو من أصواف معِز وجداء ووَبَر نوق سوداء؟ وفي أي الآبار تُدلّي عُقدها، أو في أي الكهوف تدفن أو تُعلّق سحرها؟
قد يسفِّه علماني أو مادي حسي هذه التساؤلات، ويعجز عن تصديق وجود طاقات غير مرئيّة، وقوى غير ملموسة من نطاقات ما وراء الحس، ولا أقول ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقيا ـ metaphysic)، فهذه في صميمها وجزء واقع منها، يمكن أن تؤثر على سلوك الإنسان وتغيّر من تصرفاته ومواقفه…
لكن هل لأحد أن ينكر سحر البيان وفتنة الإعلام، وكيف يستلب “التزييف” العقول والأفهام، ويستحوذ “التغرير” على القلوب والأوهام؟ لا أحد يستطيع أن يجحد تسرب الشك إلى النفوس من باب “إعمال الفكر” وتحت غطاء “التدبّر” وإثارة الاحتمالات وطرح الفرضيات، ولا أحد يمكنه أن يتجاهل فعل التشكيك والارتياب وقدرته في التأثير على الحالة العقائدية والركون النفسي والاستقرار الذهني للمؤمن…
هذا ما تفعله الشياطين… هكذا يعمل الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والنَّاس! وحين يعجز عن قلع “الحق” في وجود الموالي، ويرى غلَبة النجابة، وكيف تشرّب حب آل محمد قلبه، وضرب أطنابه في حنايا نفسه، وسرى في أرجاء روحه، حتى هيمن عليه وملَكه، فلا سبيل لزحزحته وإزالته… يلجأ إلى سبل أخرى ومكائد وسهام ادخرها وأعدّها لهذا، فهو ـ بطبيعة حاله ودوره ـ لن ييأس ولن يتنحى جانباً ويخلي السبيل للمؤمن ويتركه يتكامل ويتسامى، ويرفل بالنعمة الكبرى ما شاء الله له… بل سيحتال بكل حيلة ويكمن له على صراط الحق في كل مرصد ومقعد.
ومن أبرز أسلحته وأخبث أدواته: تغيير الصورة وتبديل المشهد، وهو سبيل خروج الإيمان وتسلل المعتقَد من نفس المؤمن.. صورة الحبيب الجميل الكامل، الذي لا يعتوِره نقص ولا يدانيه عيب، الصورة التي تعلّق بها المحب فعشقها، وأغرِم حتى الوله فهام بها… يهمس الشيطان في أذنه ويوسوس في صدره: لا تتصور يا هذا أنه (وقد يعقبها بـ”عليه السلام”!) يعلم الغيب، وأنه يجمع علوم الأولين والآخرين، وأنه بطرق السماوات أعلم منه بطرق الأرضين، فهذا غلو وتأليه.. لا تتوهم أنه يسمع نداءك وتوسلاتك، ويجيب دعوتك ويقضي طلبتك، فهذا شرك وكفر بالله تعالى.. لا تصدّق ما يتناقله العوام، وتحسب أن لديه قوة تقدّ عدوه من ضربة قدّاً، وتقلع باباً يعجز عن هزها أربعون وأربع، أو قدرة على ردّ الشمس والتحكم بمدارات الأفلاك ومنازل النجوم، أو مُكنة تسمح له بالحضور عند كل روح حال نزعها.. ما هو ـ يا هذا ـ إلا بشر وإنسان محدود، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.
ولن يقف الشيطان حتى يجعله يتساءل، مجرد تساؤل: أي نبي تتبع؟ أية عصمة تزعمها له وهذا القرآن “يصرح” أنه يذنب؟! ويستوقفه ـ لعنه الله ـ عند “ليغفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر”، وهذا “وَصيّه” يقرّ على نفسه ـ في دعاء كميل ـ باقتراف ما يستحق شديد عقاب الله وأليم عذابه!.. هكذا تضطرب صورة “محمد وعلي” في عين محبهما، ويتشوش المشهد عليه، وينتقل المؤمن من اليقين إلى الظن فالشك والريبة: ترى أي نبي أحبُّ وأتبع؟ أي إمام أعشق وأُوالي؟
وكان اللعين قد حجب مخاطَبه وضحيته من قبل عن أجواء العلم والفضيلة، وأقصاه عن عالم الحديث والتفسير، وأشغله باللهو والصحافة وقراءات سطحية تمليها الأحزاب الدينية المنحرفة، والسياسية الخاوية، وتروجها الجماعات المتأسلمة، أي سلَبه قوّته وجرّده من سلاحه… فعندها تستحكم الشبهة، وهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، ولا ينجو إلا من سبقت له من الله الحسنى.
هكذا يتوغل اللعين، عبر أعوانه وأبواقه من الجن والإنس، ممن استحوذ عليهم وتمكن منهم وسخرهم بعد أن أتاهم من حب الجاه والمال والشهرة والرئاسة، فباعوه دينهم، مقابل أن يتوّجهم “مراجع” للدين ويكرسهم ملهمين روحيين، وهم يعرفون حق المعرفة، ويعلمون علم اليقين أنهم خارج دائرة الأهلية والكفاية والاستحقاق، وفي الأقل الأدنى والقدر المتيقن: دائرة الأولوية والأعلمية… هكذا يتحرك من خلالهم ليشوّش أذهان المؤمنين ويلبس عليهم في عقائدهم، وينال من صميم مفاهيم الدين لديهم…
فواحد يميّع مفهوم البراءة ومصداقها فيبرئ أول الظالمين ويلتمس الأعذار لأكبر لَعين، وآخر ينبري لمحاربة الشعائر الحسينية ويصوّرها بدعاً من الدين، وثالث يتباكى الغيرة على النساء فيمنع زيارة الأربعين، ورابع يريد أن يجعل الفلسفة أساس المرجعية والتقليد، وخامس ينادي بالحداثة والتجديد، وسادس وسابع…
وهنا لصيق ادعى الاجتهاد وانتحل المرجعية، وهو خالي الوفاض، صفر اليدين، لا عن شيخ تلقى ولا شهادة يحمل، ولا فقاهة في البين، كل رأس ماله صوَر لزيارات وأخبار عن لقاءات جمعته بأعلام، يلتمس من خلالها حشراً يدرجه في عدادهم! ها هو يدخل في الفتنة (ولا أظنه قاصد متآمر، بل مغلوب على أمره، وعبد لطموحه وعنوانه!) ويعمد إلى اللبس في صورة المهدي المنتظر عليه السلام.. فيطرح ويثير ما يشوّش أذهان أتباعه ويربكهم، فلم يعودوا ينتظرون ويندبون: “أين مبيد العتاة والمردة، أين مستأصل أهل العناد والتضليل”! لأن ذلك يخالف ـ كما أوهمهم ـ الصورة الحضارية ومعاني السلم والسماحة التي يقوم عليها الإسلام! ويحمل أنفاساً وأجواءً ورائحة تخالف “عبير الرحمة” الذي ينبغي أن ننتظره، ورسالة عنيفة تناقض “الحب والحياة”، ويعكس عنا صورة تدخلنا التطرّف والمتطرّفين!
وأراني كلما قلّبت أمر الضلال والمضلين، وأجلت النظر في نداءات الباطل ومقولات المبتدعين، وتدبرت في عمق هذه وحال أولئك، وجدتهم يستهدفون موقعاً بعينه ويلتقون على قضية دون سواها، ويلاحقون هدفاً دائماً لا يخطئونه: التشكيك في ظلامة الزهراء!…
إنها صلوات الله عليها أساس الوجود، وجذر التكليف والامتحان الإلهي، وموقع النزاع الأول، وجبهة الصراع الأولى بين الحق والباطل، وقد قال الصادق عليه السلام: “وهي الصدّيقة الكبرى، وعلى معرفتها دارت القرون الأولى”… فاطمة هي محور الحركة، وقطب رحى الحق، وعروة الولاء التي بها تنضد لآلئ عقد الدين، وتنتظم جواهر أحكامه، وتتألق درر مفاهيمه وأفكاره.. وكما يدور حولها ويطوف بها الموالون، ويرابط في حماها المحبّون، ترى الأعداء والخصوم والجهلة، يرمون ويقصفون أسوار قلعتها، ويتطاولون على منيع حياضها، ويسعون بأي نحو للنيل من قدس ساحتها…
ولعمري، لقد انفصمت تلك العروة وهتك حجاب الله فيها… فعن موسى بن جعفر، عن أبيه عليهما السلام، في حديث طويل عن رسول الله صلى الله عليه وآله عند قرب وفاته: “ألا إن فاطمة بابها بابي، وبيتها بيتي، فمن هتكه فقد هتك حجاب الله”. قال عيسى (راوي الحديث): فبكى أبوالحسن عليه السلام طويلاً وقطع بقية كلامه وقال: هُتك والله حجاب الله، هتك والله حجاب الله، هتك والله حجاب الله”.
وها هم التَّالُون يتبعون غبّ ما صنع الأوّلون، يحذون حذوهم، ويلتحقون بصفوفهم وينتظمون في جبهاتهم… وإن لم يجمعوا حطباً ويضرموا ناراً ويقحموا باباً وينبتوا مسماراً ويكسروا ضلعاً ويسقطوا جنيناً.. فهم (من أضراب محمد حسين فضل الله) يشككون في الوقائع، ويلتمسون الأعذار للجناة، وآخرون (كالحيدري) رأوها مبالغات وصنفوها تهويلات أذكاها، بل اخترعها “الاستعمار” لتثير الطائفية! هكذا أصبحوا يحومون في فلك النيل من فاطمة والتطاول عليها!
وكان بعضهم قد وقف ـ في معركة الدفاع عن ظلامة الزهراء ـ على التل والتزم الحياد، وأخضع الأمر لحساباته، فصنفها تصنيفاً سياسياً، من فرط ما يغمر وجوده، مما انخرط في لوثه وبنى عليه حياته وأسس لكيانه، وتوهم أنها الكأس التي أذاقوها أخاه من قبل وجرعوه مرارتها، تملؤها الحوزة والمرجعية من جديد لتسقي بها فضل الله!… فلا تعجب إن ظهرت الآثار الوضعية لهذا الخذلان، ورأيته اليوم يتفلسف وينفي الانتقام للزهراء، ويسقط فكرة أخذ المهدي عليه السلام بثأرها! هكذا لحق بصفوف القوم وانتظم في جبهتهم! ويا لسوء العاقبة.
إنهم في الواقع العملي، وفي جوهر الخطاب وكنهه، ينهون القضية، أو يؤجلون الحكم والبت فيها إلى جلسة ومحكمة قادمة، هناك في المعاد! ويطوون الملف ويغلقونه في الدنيا، وكأن لا رجعة ولا قيام ولا انتقام! هذا من أخطر معطيات نتن الرحمة لا عبيرها… نعم، قد يكون للرحمة عفن ونتن عِوَض العبير والعبق! فأنت إذا أشفقت على يزيد، وتكفلت أيتام داعش، وبنيت مسجداً للنواصب، ورحمت انتحارياً يتمنطق بعبوة ناسفة… فقد أسأت للرحمة، وهتكت المسجد، وازدريت الإنفاق في سبيل الله، وشوهت الشفقة، ونلت من كل قيمة إنسانية! إن من يغضي عن جرح غائر تلوث بالجراثيم وأنزل بالجسم “الغرغرينا”، ويشفق أن تُبتر ساق المريض المصابة وتستأصل، رحمة به وشفقة عليه، هو جاهل لا يعرف معنى الرحمة، ومتكلف لا يدري ما الشفقة! أو هو عطار انتحل الطب وزعم أنه جراح!
أما نحن فنأخذ ديننا من آلِ محمد لا من أفواه الرجال… فعن زكريا بن آدم، قال: إني لعند الرضا إذ جيء بأبي جعفر وسنّه أقل من أربع، فضرب بيده إلى الأرض ورفع رأسه إلى السماء وهو يفكر، فقال له الرضا: «بنفسي أنت لم طال فكرك»؟ فقال: «في ما صنع بأمي فاطمة، أمَ والله لأخرجنّهما ثم لأحرقنهما ثم لأذرينهما ثم لأنسفنهما في اليم نسفاً». فاستدناه عليه السلام وقبّل ما بين عينيه، ثم قال: «أنت لها».
نحن ننتظر مهدياً من أسمائه “المنتقم”، يأخذ بثأر فاطمة، وإن أجرى لذلك طوفاناً كطوفان نوح، لكن من دماء، فلم يكن مسرفاً، وما دام يقيم العدالة ويحقق نقمة الله، فهو لم يجانب الرحمة الحقة (لا الجهولة) قيد أنملة.
إنها “رحمة” كذوبة نعرف مطلقيها حق المعرفة، زيفوا “حسن الخلق” واتّجروا بـ “السماحة” و”الوداعة”، ولو تمكنوا لحظة من خصومهم لقطعوهم إرباً إرباً، ولم يرقبوا فيهم إلّاً ولا ذمة.. ونحن نشهد فجورهم في الخصام حيث طالت أيديهم وتمكنوا، وفي نطاق لا يوفر هتك الحرمات والتعرض للأعراض!.. ومن العنوان يعرف المحتوى والكتاب
إننا ننتظر “الثائر” لفاطمة، ونتلو في الصلاة عليها: “اللهم كن الطالب لها ممن ظلمها واستخف بحقها، وكن الثائر اللهم بدم أولادها”، ونبايع “المنتقم” في دعاء العهد كل صباح ونردد: “… اللهم إن حال بيني وبينه الموت الذي جعلته على عبادك حتماً مقضياً، فأخرجني من قبري مؤتزراً كفني، شاهراً سيفي، مجرداً قناتي، ملبياً دعوة الداعي في الحاضر والبادي…” . أما القوم، فهم أحرار أن يكونوا سلميين متحضرين، وليرددوا: “…. مرتدياً بدلتي، حاملاً دعوتي، شاهراً وَردتي”.. ولك أن تضيف: مردداً أنشودتي، مقدماً بسمتي، باذلاً قصتي وحكايتي!
الذين يريدون أن يفتحوا العالم ببراعم الورود، ويستأصلوا الكفر والنفاق تلويحاً بأغصان الزيتون، أصحاب المحبة والسلام، ورسل الحب والحياة، لن يفتحوا إلا أبواب الأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي ومنظمات تسيطر عليها الماسونية… لقد دخلوا هذه المنظومة (ولعل ذلك بحسن نية، وتوهّم القدرة على خداعها واحتلابها)، فغدوا بذلك من أبنائها وأتباعها… والمهدي عليه السلام سيهدمها ويقوضها ويشيد بنيانه على ركامها.
إنهم نيام لن يستفيقوا إلا مع ضجة خيل الله تعدو، والسنابك منها تقدح شرراً، وأعين فرسانها تضطرم ناراً، ونفوسهم تتفجر سخطاً وغضباً لا يطفئه إلا طوفان الدماء، تعلو أمواجه الجبال وتغمر سيوله الوديان والسهول… حتى تستقر على الجودي في النجف الأشرف، تكمل وتتم مسيرة ضجيعيه آدم ونوح، وتهدي النصر لجاريه هود وصالح، والملائكة من فوقها ترفرف برايات النصر، وتكبيرات الظفر الإلهي الموعود.. وتشخص بأبصارها إلى جوار العرش تنظر سيدة الكون، وتناديها أن قري عيناً يا زهراء، هذا ابنك أخذ بثأر عمه المحسن، وأبيه الحسين.
التعليقات