في زمن قحط الرجال، وندرة الأبطال، أبطال ساحة تزكية النفس وميدان الجهاد الأكبر، وقد خاتل الدهر بصروفه وحبائله أهل علم ودين، يعدّون من الأعلام، سرقهم واسترقّهم، فمنهم من كتم الشهادة، ومنهم من زيّف وحرّف وقلَب، وذهب بها آخرون حد شهادة الزور! وخدعت الدنيا بغرورها فهزمت رجال سياسة ومجاهدين يشار إليهم بالبنان، وتملأ صورهم الأركان، فباعوا دينهم بدنياهم، وفرطوا بجوهرة الولاء، وبذلوها رخيصة لمن ابتاعهم من القادة والزعماء، وغرّرت نفس بجنايتها، فأسلمت مؤمنين صالحين، استسلموا للشهوات، وعجزوا عن مقاومة الأهواء والأمنيات… ارتهنهم المال، واستحوذ عليهم حب الجاه والمقام، وغلبهم الطمع في النفوذ والسلطة، وصرعتهم الشهرة وأسقطتهم الأضواء

وفي خضم هذا المد الكاسح والسيل الجارف، الذي استلب واقعنا وصار سمة زماننا، بقيت قامات صامدة كباسقات السرو، ووارفات السدر، وشامخات النخيل… في وسط هوامد هذه المعاهد، وخاوي تلك البساتين ومجدب هاتيك الحقول، وبين ركام وبقايا الأخلاق المندثرة المضيعة، وأطلال أماني المدينة الفاضلة…

صمد “رجل”، وأنِفَت هامة، وشمخت قامة، وعلَت نفسٌ، وحلّقت في السماء همّة، وبلغت في المجد قمة…

رسم دربه بحرص وعناية، واختط طريقه على هدي الأمانة، وراح في سير وسلوك يشعرك أنه منفكٌ من إملاءات المحيط الذي كان يعيش، وتسويلات غمرت وسوّغت لأقرانه، غير مكترث ولا مبال بالمؤثرات التي تريد أن تحتوشه، ولا يعير الأجواء، سواء باعتباراتها المفترضة، أو بمعطياتها المحسوسة، أية قيمة، أمام قيَم آمن بها وعاش لها ديناً، عقيدة وعملاً…

هكذا عرفت المرحوم السيد محمد علي الحكيم، بل هكذا يظهر ويفرض نفسه على كل من دَنَا منه، وتهيمن روحه أينما حل وارتحل. 

في الحديث الشريف عن أبي عبدالله عليه السلام: “… ولكن شيعتنا من لا يعدو صوته سمعه، ولا شحناؤه بدنه، ولا يمدح بنا غالياً، ولا يخاصم لنا والياً، ولا يجالس لنا عائباً، ولا يحدث لنا ثالباً، ولا يحب لنا مبغضاً، ولا يبغض لنا محباً… إنما شيعتنا من لا يهر هرير الكلب، ولا يطمع طمع الغراب، ولا يسأل الناس بكفه وإن مات جوعاً… أولئك الخشن عيشهم، المنتقلة دارهم، الذين إن شهدوا لم يُعرفوا، وإن غابوا لم يُفتقدوا، وإن مرضوا لم يُعادوا، وإن خطبوا لم يزوَّجوا، وإن ماتوا لم يشهدوا، أولئك الذين في أموالهم يتواسون، وفي قبورهم يتزاورون، ولا يختلف أهواؤهم وإن اختلفت بهم البلدان”.

وكلما قرأت هذا الحديث (وكذا خطاب أميرالمؤمنين لـ”همام” في صفات المتقين) وجلت بفكري أبحث عن مصاديق خطبته في زماننا… كان الفقيد العزيز السيد محمد علي الحكيم، ممن يتمثل ويشخص في خاطري. 

لا أزعم أنه كان عالماً أو من الفضلاء، أنهى السطوح على يد هذا، وطوى المراحل العلمية على يد ذاك، قرّر لأساتذة، وألقى على تلاميذ، وخرّج طلاباً… وإنما كان مؤمناً بسيطاً، مغموراً، بالكاد تميزه عن سائر الناس، وحتى تفعل، عليك أن تكون من الفطنين الأكياس. لم يكن من أهل العلم بالمعنى التخصصي، ولا كان حتى متشرفاً بزيّهم (وكم كان حرياً به دون كثيرين من الأدعياء المستأكلين!)… لكنه كان في طليعة حقله، ومن الأوائل في ميدانه، ميدان التحقيق والدراسات والنشر. ضليعاً في اللغة، خبيراً باستعمالاتها، واقفاً على مواضع لحنها وشائع أخطائها وخفي أسرارها، حتى أنه كان يحفظ بعض كتب الفن كـ “قل ولا تقل” لمصطفى جواد، و”معجم الأخطاء الشائعة” للعدناني (وهو وما تلاه في الباب، عيال على الأول).

ففي الحوزة ـ كما لا يخفى ـ وكما في كل حقل آخر، هناك نطاق وميدان موازٍ لأصل التخصص، يمثل خدمة مساندة وحركة مؤازرة، توفر ما يحتاجه الحقل الأصلي، ترفده بمستلزمات عمله، وتهيئ له المقدمات التي يفتقر إليها، وتعينه على إتمام وبلورة إنجازاته، وبلوغ ثماره وتحقيق نتائجه. (كما هي نطاقات الأشعة والصور والمختبرات والتعقيم في عالم الطب، ودون هذه يقف أعظم طبيب عاجزاً، وأكبر مشفى مشلولاً أو قاصراً)… هكذا هو الحال في الحوزة العلمية التي تقدم للأمة المعارف الدينية. 

كان السيد الفقيد ممن يلاحق المخطوطات، والنتاجات العلمية الثمينة القيّمة، التي لم تحظ بما يليق بها من عرض ونشر وتستحقه من عناية ورعاية، فيحققها وينقحها ويصححها ويخرجها ليضعها في متناول العلماء والفقهاء، وعموم الساحة العلمية الشيعية (وآخر إنجازاته كان “دلائل الصدق” للشيخ المظفر بحلته الجديدة القشيبة). وهو أحد الأعمدة والأسس التي قامت عليها “مؤسسة أهل البيت” في قم (من أهم المؤسسات التي تعنى بالتراث الشيعي، وتتبع المرجع الأعلى السيد السيستاني) ونشرتها “تراثنا”، وقد أرسى ركائزها ورصَّ لبناتها الأولى بيديه المباركتين، على نهج وخطى وبرعاية أستاذه الكبير، محقق العصر، الراحل السيد عبدالعزيز الطبطبائي رحمه الله.

كان مباركاً في ما أُعطي من علم، ورزق من نور وفهم، بعد عمر مديد قضاه مع الكتاب، فيُـلهَم انتزاعات ويقف على وجوه وتأويلات، قل أن ينصرف إليها ذهن ويلتقطها فكر! وما كان يحتفظ بها لنفسه (ويحبسها عنده كما يفعل بعض الأشحة من أنصاف العلماء، يلتفت إلى فذلكة تعالج معضلة، أو يقع على مصدر لنص غريب، فيضن به ويستأثر، ويغلبه عليه البخل حتى يموت فيدفن معه!)… كان مباركاً معطاءً كريماً سخياً، وللعلماء يداً وعضداً ومعيناً، وما زال يرفدهم ويمدهم ويسعفهم بما يحتاجون من شاردات المطالب ووارداتها، التي كانت تخفى على جهابذة وأعلام، فيلتقطها “أبو حسن” أو يهتدي إلى مواقعها ومظانها، بنور إخلاصه وجهد تتبعه، ويقدمها بصمت وامتنان، ودون بهرجة وإعلان، راجياً الأجر من سادته الكرام.

لقد فقدت الحوزة العلمية، ولا سيما حقل النشر والتحقيق والدراسات، جندياً مجهولاً من خيرة جنودها، وبطلاً صامتاً كتوماً من خيرة فرسانها… رجل آثر عزَّ الآخرة على شُهرة الدنيا وزائل نعيمها، وعاش الزهد بمعناه الواقعي. ولا أزعم أنه كان عارفاً واصلاً ذَا مكاشفات وكرامات، ولا عابداً منقطعاً في صومعة، ومنصرفاً عن زينة الدنيا، متبتلاً عن لذاتها… بل كان مجرد مؤمن متديّن، يحرص ـ ببساطة ـ أن يكون ملتزماً بأحكام الشرع، ومتخلِّقاً برسالة أحاديث آلِ محمد التي كانت أُنسه في ليله ونهاره.

كان يعيش صخب المدينة، بل في صميم جلبتها الحسية المشهودة، والمعنوية التي يمكن أن تأخذه إلى معترك صنع القرار، وتفسح له تجاه دهاليز السلطة وأروقة النفوذ والشهرة. وكانت له اتصالاته العلمية وعلاقاته الاجتماعية، وبعضها مما يتهالك طلاب الدنيا على الفوز بها وتوطيدها، فهي مفتاح المناصب، وباب إغداق الأموال والمكاسب، أو فتح السبل إليها… لم ينقطع “السيد الفقيد” في صِلاته وعلاقاته إلا من اللهو والفضول، ولم يزهد إلا في الحرام والمكروه، ولم يتجنب إلا مواطن الشبهة والريبة، ولم يتقوقع وينعزل إلا عن المريبين الملوثين…

ولم يكن من الذين زهدت الدنيا فيهم، فزهدوا فيها! فإذا بُـشّر أحدهم بها، خرج إليها مهرولاً يسعى، وعانقها حتى هوى!.. بل كان من الذين أقبلت عليهم وسعت إليهم، وأتيح له اغتراف ما يشاء منها، فزهد فيها، وأنا واقف بنفسي على موارد وحالات بذلت له فيها الأموال فعفَّ وترفَّع، واحتاط وتنزَّه، على الرغم من كثرة الوجوه المبيحة، وسهولة التحايل، والتماس المخارج، والالتفاف “الشرعي” عليها!

والعظماء، في اللحظة التي يصنعون فيها المجد، ويخطّون تطبيقات القيم ويمارسون المبادئ ويعيشونها… يفعلون شيئاً آخر، هو إتمام الحُجة على غيرهم، فيُـثبِـتون ـ عملياً ـ أن هذا سلوك ممكن، وأداء قابل للتطبيق، لا يحول بينه فساد الزمان ولوث البيئة وتردي الأجواء.. فقد اخترقها “السيد الفقيد” كلها وتخطّاها إلى قمة تربع عليها، وها هو يلقي درسه وموعظته بأفصح لغة وأبلغ بيان… بيان الموت وكفى به واعظاً. إنه يتمُّ الحجة على غيره ممن عرفه، أو بلغه عمَله ومسلكه… وها أنا أفعل (وأنا أنشر صفاته وخصاله)! ليكون مباركاً حتى في موته، وعبرة في وفاته، ومعلّماً لنا وهو راحل عنا!

كثيرة سجايا فقيدنا العزيز، فيعجز بيان مقتضب كهذا أن يفي بعض الحق من تأبينه، ولكن مما يُعد سلعة نادرة في عصرنا هذا: الإيثار، ونكران الذات، وجحد الفضل، واختيار الخفاء على الظهور، والغمور على الشهرة والسمعة، وهذه بعض خصاله ولسان حاله “لو كان في يدك لؤلؤة، وقال الناس أنّها جوزة، ما ضرّك وأنت تعلم أنّها لؤلؤة”.

إيه يا “أبا حسن”، هذه مقالة ما كنت أحسب أنني سأكتبها يوماً، وأسرار أفشيها، أعلم أنك كنت تؤثر طيّها وكتمانها… وكل ما أسألك: شهادة عند أمك الزهراء صلوات الله عليها، بأنني خادم محب، بل عبدٌ قِن لذريتها. 

الناس للموت كخيل الطّراد، فالسابق السابق منها الجواد

Posted in

التعليقات