“ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين”. 

هناك انحرافات وضلالات، بدع وشبهات، تصيب الدين في مقتل، وتنال من العقيدة والولاء في الصميم… يضطلع بها تيار ينهض به نوعان، الأول غلبه الجهل البسيط أو المركب فارتكس على أم رأسه، ودُقت عنقه في الهاوية، ولم يشعر! وما زال ينظّر هراءً يحسبه علماً، ويعرض حشواً يظنه ديناً. والآخر تحدوه المصالح وتدفعه المنافع، وقد غلبته آفة حب الجاه والشهرة، وحكمته نزعة الوصولية، وما إلى ذلك من مظاهر وتبعات غلَبة الهوى ومعطيات اللوث الروحي والأخلاقي، الذي يزري بدين الإنسان ويهتك عصمته ويفسد عقيدته، فينمق خبثاً ويزيّن زخرفاً…

ومما نزل بالساحة الإيمانية مؤخراً فأورث ميوعة في الهوية، ونال من النقاء والأصالة، وكان له دور أساس في الحط من السلوك والعقيدة الخالصة: الخلط في فكرة التبري، والعبث بها بين إفراط الجهلة المستأكلين، يزايدون ويكابرون ويشعلون الساحة ويشغلونها باسم الولاء والحمية لآل محمد، وبين تفريط أقرانهم السياسيين، الذين جعلوها ورقة يلعبونها في مقامراتهم، يطمسونها طوراً باسم الوحدة، ويلقونها على المائدة أخرى حين احتاجتها معاركهم واقتضتها صراعاتهم، وسيعاودون طمسها ثانية حين تنتفي الحاجة وتعود الحالة السابقة!… وقد أزرى هذا الأداء (في جانبي الإفراط والتفريط على السواء) بمفهوم التولي والتبري وميّعه بشكل سلخ عنه جوهره، بل محَقه فما عاد له وجود في حياة المؤمنين وسلوكهم!

وكان لهذا الواقع المؤلم طريقه الشيطاني المشؤوم، الذي بدأ يسرى ويسلك في ساحتنا الداخلية، ولا بد أن نسلط عليه إضاءة تكشفه، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيّ عن بينة:

فقد اضطر العالم الإسلامي (شعوباً وحكومات)، في هذه السنين الأخيرة، التي تفشّى فيها وباء التطرّف الديني، وشاعت وذاعت لغته التكفيرية وأداته الإرهابية، اضطر إلى مواجهته بخطاب يُسقط في يد الغلاة، ويسحب البساط من تحت أقدامهم، فكان خطاب التعددية والانفتاح، ولغة نبذ العنف، والدعوة إلى المحبة والسلام.

وكان من آفات وتبعات هذه الحالة، والأعراض والآثار الجانبية لهذا الخطاب، أن تسرّب إلى الساحة الإيمانية فكر سقيم وثقافة باطلة، تقول وتنادي بأننا كلنا جميعاً على خير: ليس هناك كفر ولا كفّار، لا ضلال ولا ضُلّال، لا انحراف ولا منحرفين، لا زيف ولا باطل ولا شرك ولا فسق ولا فساد، ولا أي شيء يقتضي التموضع ضد “الآخر” كائناً من كان، ناهيك باتخاذ موقف، وترجمة الأمر إلى فعل وسلوك فيه أي مستوى من الخصومة والعداء! وأصبح مرتكزاً في أذهان الشباب وعامة المؤمنين: أن لا شدة في الدين ولا حِدّة، لا غضب ولا غلظة، لا قوة ولا قسوة… تسامح وسلام، خفض جناح ولين عريكة، والأخطر من كل ذلك، التأسيس لمذهب التشكيك: كلنا على حق، رأيي صحيح يحتمل الخطأ، ورأيك خاطئ يحتمل الصواب، ليس هناك يقين وجزم، لأنه ليست هناك حقيقة ثابتة ولا أحكام قاطعة، كل شيء قابل للتغيير والتبديل، لذا يجب أن تكون مرناً طيّعاً، تجاري الزمان وتحاكي متطلبات العصر.

وقد جاراهم بعض المؤمنين المخلصين مكرهين مضطرين، عاملين في هامش الالتقاء ومساحات الاشتراك التي تخدم ضرب العدو التكفيري وتعين في الحرب عليه، وتفسح لهم وتفتح أمامهم بعض الميادين.. وإذا بهؤلاء مثلهم بعد حين!

وفي ظل حاكمية الجهلاء وغلَبة السفهاء.. طال الداء في المنع والحظر حتى ميدان الفكر والبحث العلمي، بذريعة أنه قد يفضي إلى تموضع ويورث حدّة وشدّة! بل ذهب بعضهم إلى ضرورة إزالة مواقع وركائز قائمة في بُـنية الدين، وحذف أصول مُسلّمة يزخر بها التراث.. لأنه صنفها في هذا السياق!

هكذا اختفت الاصطفافات العقائدية، والمواقف المنبعثة من الغيرة والحمية والغضبة الإلهية، وتداخلت الأمور حتى قربت من: «”سيدنا” معاوية قتل سيدنا حجر»… وصار بعض المؤمنين يفخر ويباهي بأنه يقف في ساحات الصراع الفكري والعقائدي على الحياد، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء! غافلاً أن التذبذب قد يكون منشأ أو علامة للرياء، بل النفاق! وأنه يلتزم نزعة ويعيش هوس حفظ علاقاته مع الجميع، وإن جمع بين النقائض والأضداد، ووَالى أعداء دينه وصاحب خصوم مذهبه.. ويزهو بأنه مرضي عنه عند جميع الأطراف والأحزاب والتيارات!

وكما أسلفت، هناك جانب مصلحي نفعي وُصولي في هذا الأداء، وهو مأساة، ولكن هناك جانب آخر أكثر مأساوية وأشد خطراً، هو انقلاب المفاهيم وتداخلها. هناك من ينبذ “العصبية” و”الحمية” من رأسها، ويغفل أن منها ممدوح مطلوب، ويرفض “الشدة” و”الحدة” و”القوة” في أي شيء، ويتجاهل آيات قرآنية تدعوا إليها وتحث عليها.

يقرأ في الجامعة الكبيرة: “برئت إلى الله عز وجل من أعدائكم، ومن الجبت والطاغوت، والشياطين وحزبهم الظالمين لكم، الجاحدين لحقكم، والمارقين من ولايتكم، والغاصبين لإرثكم، الشاكين فيكم، المنحرفين عنكم، ومن كل وليجة دونكم”، ولا يفقه أو لا يكترث أنه يقلد ويدعم مرجعاً مزيفاً، ويداهن ويضارع مَن يحمل معولاً يهوي به على أسس الحوزة وركائز المذهب! ويقرأ في القرآن الكريم: “وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم”، وتراه يصاحب جماعة تستهزئ بأعظم آيات الله، وتسخر من شعائر الله، وتجحد مقامات أولياء الله.. ولا يبالي!

في الحديث الشريف عن سليمان الجعفري أنه قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول لأبي: مالي رأيتك عند عبدالرحمن بن يعقوب؟ قال: إنه خالي. فقال له أبوالحسن عليه السلام: إنه يقول في الله قولاً عظيماً: يصف الله تعالى ويحدّه، والله لا يوصف، فإما جلست معه وتركتنا، وإما جلست معنا وتركته. فقال: إن هو يقول ما شاء، أي شيء عليّ منه إذا لم أقل ما يقول؟ فقال له أبوالحسن عليه السلام: أما تخاف أن تنزل به نقمة فتصيبكم جميعاً؟ وكم هو مؤلم ومفجع أن يتلى هذا الحديث على مؤمن، فلا يقطع علاقته بمنحرف ضال فاسد العقيدة! والسخط الإلهي ليس بالضرورة أن يكون هدماً وخسفاً وصاعقة وفقراً ومرضاً… بل قد يكون بسلب المصاب المبعَد لذة المناجاة، يتهالك على دمعة في جوف الليل فلا يحظى، يستوي في مجلس عزاء سيد الشهداء ويستمع لمصاب يصدّع الجبال، فلا يلين قلبه ولا تسيل عينه، بل يعجب من فجعة بعضهم وصرخته، ويراها بدعة وإغراقاً!…

نحن مأمورون بمقاطعة أصحاب الأباطيل وأهل البدع وأرباب الضلالات، هناك خطاب جاد وشديد مغفول عنه في تعاطينا الاجتماعي، غيّبته المصالح، وزواه ضعف الهمم وخوَر العزائم، فمَن يطيق الجفوة والخصام؟ ومَن يسعه أن يعيش منفرداً؟ وقل إن شئت مَن يطيق أن يقبض على الجمر؟ وسط نداءات مغررة ومغرضة كلها حث على الالتقاء والتماس للأعذار؟ وتلويح بوحدة الساحة ونبذ الفرقة؟ كيف لك أن تعظ أخاك وتحثه على العزلة والانعزال: لا تجالس هذا، ولا تعاشر ذاك، ولا تكثّر هذا السواد، ولا تروج لهذه العمامة الضالة المضلة؟

أذكر موقفاً صاعقاً للميرزا جواد التبريزي رضوان الله عليه وقدس سره، حدث في سوريا، في أول زيارة لابنه، أثناء الإعداد لافتتاح مكتب له في جوار السيدة زينب عليها السلام…

كنت أرافقه، وكنا قد استأجرنا شقة في نفس البناء الذي يقطن فيه السيد عبدالله الغريفي، وهو سيد معروف بوداعته ودماثة خلقه، لكنه من أعمدة الترويج لفضل الله! وممن ينهض باحتجاجه والدفاع عنه، ويستميت في دعمه ونصرته… وقد وافق خروجه يوماً من بوابة العمارة دخولنا أنا وابن الميرزا التبريزي، تنحيت أنا جانباً لأخلّص نفسي من المأزق المرتقب، فبادر الرجل بالسلام على الشيخ جعفر، ففوجئت به يعرض ولا يرد السلام! مضى الرجل في طريقه، وقد ارتسمت علامات الدهشة بل الذهول على وجهه! والتفت أنا إلى الشيخ بين استغراب واستنكار: ألا يجب رد السلام؟

فنقل الشيخ وصية والده رضوان الله عليه وقال: قبل سفري إلى الشام سألت الوالد عن مواقف قد أتعرض لها هنا، ففي عرف الحوزة والعلاقات بين أهل العلم، سيفِد إلى زيارتي بعض المعممين من أتباع فضل الله، فهل عليَّ أن أرد الزيارة؟ فأجابني: بل ليس لك أن تستقبلهم! إذا جاؤوك اخرج من المجلس وأعرِض عنهم! بل إذا صادفك أحدهم في الحرم أو في الطريق وسلّم عليك، فلا ترد عليه السلام! هذا لكبرائهم من أعوانه المروجين له والناهضين باحتجاجه، أما سائر أتباعه من العوام، فاحتضنهم وارفق بهم، وصلهم ما استطعت، عسى أن تنقذهم وتحييهم، ومن أحيا نفساً فكأنما أحيا الناس جميعاً.

هذا موقف أحد قمم العلم والتقوى والزهد والورع، والغيرة والحمية، يقابله نفاق ورياء منغمس في الشهوات، غارق في الجهالات، يحجم ويمسك عن اتخاذ موقف حذر الحدة والشدة، وحيطة لدينه الذي باعه من قبل بدنياه أو بدنيا غيره!… قتلنا التقدس الزائف والورع الأجوف، كما قتلتنا الإباحية وهتكنا التسيب. وما زالت صرخة علي عليه السلام تدوي وتعصف لتصفع الأجيال وتوقظها من غفلتها، وتسري في النفوس الحية فتصعقها لتنهض من سباتها وتصحح دربها: “قصم ظهري اثنان: جاهل متنسك وعالم متهتك”.

Posted in

التعليقات