تعيش الساحة الشيعية ظاهرة خطيرة، ما زالت تنقض عرى الدين والإيمان، وتهدّ في المذهب أصلب القواعد وأقوى الأركان… وبعد هتك المرجعية والعبث بمقام التقليد والإفتاء، ها هي ثورات التغيير وحركات الإصلاح تُهتك وتُبتذل على أيدي عبدة ذواتهم من المعقدين والصبيان!
بعد أن كان الأمر في الحركات والثورات، وحمل رايات الدعوة والإصلاح، شأن السراة والعِلية والأشراف، من ذوي العلم والنباهة والصيت والوجاهة، الذين تمتد إليهم الأعناق ويطبق ذكرهم الآفاق.. فلا يتسنمه إلا معظَّم في قومه وأهله، موقَّر في بلاده ومصره، مفخَّم بين أترابه وأقرانه، فيقال إذا قام ودعا: أهل ومحل… صار يطمح في الدوْر والمقام كل رذل لئيم، دون خسيس، نكرة تافه، ساقط جاهل، لا يعرف الهر من البر، ولا كوعه من كرسوعه، فُـلْ بن قُـلْ (كما يقال)… غدا ـ فجأة ـ يطمع أن يُطاع، وأصبح ـ بين ليلة وضحاها ـ يروم أن يُلتف حول راية رفعها، وتنقاد الجموع لرئاسة ادعاها، وهو مَن لا يُحفل به ولا يُعبأ، ولا يأبه له ولا يُلتفت! صار أضراب هؤلاء هم مَن يقوم ويعلن الدعوة، ويقود الحركة وينهض بالثورة!..
والعوام تستهويهم الآمال، وتغويهم الوعود والآماني والأحلام، فيلحقون ويتبعون، ويلوذون بهم ويكثرون سوادهم!
ولد طائش، نرجسي حالم، يريد أن “يصحح” العقيدة ويعيد رسم منهاج الشيعة!
وآخر ظالم لنفسه وغيره، مريض معقد، طاغ مستبد، لا يطيق همس معارض له، ناهيك برفع صوته، دون فعله ودوره، فيفتك به ويجهز عليه! تراه يدعي القيام لإزالة الظلم والجور، وطلب الحرية للناس وتحقيق الكرامة لهم!..
وغيرهما عشرات، تزدحم بهم الساحة وتضج الفضائيات، وتتوالى المواسم وتعج، دون أن يعتمر أحَد أو يحج!

وإذا أراد متابع أن يحلل الظاهرة بعيداً عن شبهة التحامل، ووفق معطيات حسن الظن، فإنه سيسجلها:
واحدة من أخطر مَواطن الخطأ والغفلة التي ابتلي بها جملة من المؤمنين، وسقطت فيها جماعات من الغيارى الملتزمين، ولعلها بلغت حد الظاهرة التي تعم الساحة الإيمانية… أن رسموا لأنفسهم ووضعوا أهدافاً كبيرة وغايات ضخمة عظيمة، ليست من شأنهم ولا من مهامهم وتكاليفهم، وبالتالي لا ينبغي أن تكون في مساعيهم وأدوارهم، لا لمجرد أنها قصية، بعيدة المنال، لا يمكنهم أن يقربوا ويدنوا منها، وليس لهم أن يتناوشوها، فضلاً عن أن يطالوها… بل لأنها ـ في صيرورتها ـ تخضع لعلل غيبية، ومسببات خارج نطاق الإرادة البشرية.

أهداف تحوم في فلك تغيير الأنظمة الحاكمة في هذا العالم، وتبلغ تبديل الخارطة الجيوسياسية المهيمنة على الأرض (ومن ذلك الفتح العقائدي الذي يعيد الحق إلى نصابه وينصف أهله وينهي ظلامتهم)!.. إنها أُمور تخضع لدوران عجلة القضاء وحركة القدر، وانتظام ناموس الكون والحياة وفق طبيعة هذه الدنيا الدنية. إنها شؤون عامة خطيرة، ونطاقات قاهرة منيعة، تحيط بها أسوار عالية، وسدود منيعة، وتحكمها موازين كونية وسنن غيبية تتعلق بغاية الخلق وأصل اتخاذ هذه الدنيا دار امتحان وابتلاء، ثم سنة الصراع والتدافع التي تتكامل من خلالها الأشياء وتبلغ مقاصدها التي أرادها الله لها.

إن الإخوة الداخلين أو الخائضين في الشأن العام عليهم أن يعوا أحجامهم وقدراتهم، ثم يرعوا ذمم أهلهم وإخوانهم، ومذهبهم وطائفتهم، فلا يهلكوا أنفسهم بلا طائل، ولا يبذلوها في غير موضعها، إنما هي نفس واحدة، ولا سعة لمحاولة ثانية، فليست هناك فرصة لإعادة الكرّة وتجديد التجربة. وقد ورد عن الصادق عليه السلام: “اتقوا الله وانظروا لأنفسكم، فإن أحق من نظر لها أنتم، لو كان لأحدكم نفسان فقدم إحداهما وجرب بها واستقبل التوبة بالأخرى كان، ولكنها نفس واحدة إذا ذهبت فقد ذهبت والله التوبة، إن أتاكم منا آت يدعوكم إلى الرضا منا، فنحن ننشدكم أنا لا نرضى، إنه لا يطيعنا اليوم وهو وحده، فكيف يطيعنا إذا ارتفعت الرايات والاعلام؟” (علل الشرائع: ص 577).

ولست هنا ـ بطبيعة الحال ـ في وارد التنظير والافتاء وبيان التكليف الشرعي للناس، فهذا مما يأخذه كلٌّ من الفقيه الحق والمرجع الجامع للشرائط (لا المتَّجر المتسلّق والمزيف المستأكل)، ولكني أريد الإضاءة على حقيقة يتجاهلها الخطاب السياسي الذي نعيش، ويتعامى عنها الحركيون، ويغيِّبونها، ليسلم الناس إليهم القياد، ويسهل منهم الانقياد..
الحقيقة التي يرسمها النبوي الشريف: “يا علي، إن إزالة الجبال الرواسي أهون من إزالة ملك لم تنقض أيامه” (الوسائل:11/38).
إن للدول والأنظمة الحاكمة، ملكيات وجمهوريات وغير ذلك، آجال وأعمار كما للإنسان، لهم أطوار لا بد أن يقضوها، ومراحل لا بد أن يقطعوها، ليأتي غيرهم ويرتسم المخطط الإلهي، ويتحقق في سعي الجميع وكدحه إلى لقاء ربه وفقاً لما اختاره من دربه.

دع عنك الشعارات البراقة والدعاوى المغررة التي تخلط بين الثقة بالنفس وبين الطغيان والغرور، وتخلق تداخلاً بين الإيمان بالقدرات الذاتية التي تبعث على السعي والعمل والإنتاج والإبداع، وبين الوهم والخيال الذي يأخذ صاحبه إلى التيه والخيلاء، وتجعله لا يفرّق بين الممكن والمحال، ويخلط بين الوقائع والآمال…
شعارات تسوّل وتزين وتغري، وتنفخ في كانون النفس وجذوة الأنا حتى تحرقها، وتضخم في الروح وتبعث فيها الأورام، وتُركِب صاحبها منطاداً تقطعت عنه الحبال وأسقطت الأوزان والأثقال، فيعلو ويرتفع، حتى إذا أقلع وحلّق، وطار وارتفع، وتناولته الأهواء وتناوشته التيارات، لم يعد يدري أين يحط وكيف يهبط، ثم يخترق البالون ويتمزق المنطاد، ويهوي الراكب صريعاً على أم رأسه!

جميل أن يعيش المؤمن أمل دولة العدل الإلهي، وأمنية تحقق التطبيق التام لأحكام الله على كل البسيطة، ونفوذ الولاية وحاكميتها الشاملة العامة، وهزيمة الكفر والنفاق، وزوال الشرور ونهاية الظلم وانتهاء الفسق والفجور… بل هذا من الأمور المطلوبة، المثاب عليها، ومن روافد تزكية النفس وطرق تهذيب الروح، أن تساق الأماني والآمال، فتصب في الغاية الإلهية من خلق هذه الدنيا. ولكن دون غفلة وخلط، يتجاهل فيه المرء حجمه، ونطاق الممكن والمتاح من عطائه، ويغفل النواميس الكونية والقوانين والسنن الطبيعية التي تحكم تحقق تلك الغايات العظيمة…
نحن مكلفون بأداء أدوارنا الشخصية وإنقاذ أنفسنا “يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم“، وفي الدائرة الأوسع أهلينا “يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً”، أما الشؤون العامة ومصير البلاد والعباد، وعاقبة الأُمم والشعوب، ومآل الدين في عقائده وأحكامه، وتحقيق العدالة الاجتماعية ونشر الحق والفضيلة… فهذه تحكمها نواميس وسنن، وتخضع لعوالم وقوى، وتتطلب حروباً وصدامات وصراعات، وما أحدنا منها (فرداً كان أو جماعة وحزباً) إلا سِنٌّ ونتوء صغير في واحدة من آلاف التروس الضخمة الكبيرة، التي تتحرك مرتبطة كل منها بالأُخرى، وتدور لتصنع الحدث وتحقق الصيرورة التاريخية!
وبعد هذه الآلية المتداخلة المترابطة، والتراتبية التي تجعل التالي والقادم محالاً دون آلاف المقدمات، وما أنا وجماعتي وحزبي، إلا مجرّد واحد من هذه الآلاف!.. هناك طاقة ويد محركة، هي التي تدبر الكون وتدير عجلة أقداره، وأين هذا من مبدأ الإرادة وأصل الحرية ونفي الجبرية؟ فكل ما يمكن أن يقال هنا مما تسعه مقالة، أنه أُجيب عنه وتمّ في معالجات العلماء المتخصصين، فذره الآن في سنبله وارجع إليه في محله، أو كما قال الآخوند الخراساني: “كُفَّ اليراع وانثلم حين بلغ هذا الموضع القلم”.
Posted in

التعليقات