إن من شأن الخلق ونزعته الطبيعية ومجاري الأمور العادية أن يكون في الدنيا ظلم وقبح وشر… ظلم سياسي يورث قهراً واستبداداً وقتلاً وتشريداً واضطهاداً، تمارسه أنظمة جور يرأسها فراعنة ويتولاها جبابرة وطواغيت في كل عصر، وظلم اقتصادي يورث فقراً وأمراضاً وجهلاً وتخلّفاً، يقوم به قوارين كل زمان من الفاسدين المترفين البطرين، وظلم اجتماعي يستعبد المستضعفين ويذل أهل الحق، ويعلوا فيه الطلقاء وأبناء الطلقاء، على الأشراف والنجباء…
وإزالة ذلك والقضاء عليه، وتغييره إلى الحق والصواب، ليس من شأني ولا شأنك، ولا في مقدور أحد من عامة المؤمنين، إنه اختصاص الإمام المعصوم، المتصل بالغيب، المطلع على حركة القدر ومسير عجلة القضاء، والعارف بموقع الحدث من الزمان والمكان المناسبين، وهل آن الأوان وحان الحين للقيام، أم هو زمان “ذي القباء الأصفر”؟ (كان عبدالله بن الحسن قد جمع أكابر العلويين للبيعة لولده، فقال له الصادق: إن هذا الأمر لا يتم! فاغتاظ من ذلك. فقال عليه السلام: “إنه لصاحب القباء الأصفر، وأشار بذلك إلى المنصور! فلما سمع المنصور بذلك فرح لعلمه بوقوع ما يُخبر به، وعلم أن الأمر يصل إليه”).

ترى، مَن عنده «مصحف فاطمة عليها السلام»؟ أو مَن اطلع على «الجفر الأبيض»؟ ليعرف مَن سيكون له نصيب في الملك، وكيف سيكون ذلك ومتى؟ كما في حديث الفضيل بن سكرة قال: دخلت على أبي عبدالله عليه السلام، فقال: “يا فضيل! أتدرى في أي شيء كنت أنظر قبيل؟ قلت: لا. قال: كنت أنظر في كتاب فاطمة، ليس من ملِك يملك الأرض إلا وهو مكتوب فيه باسمه واسم أبيه، وما وجدت لولد الحسن فيه شيئاً” (الكافي 1 / 242). (وأذكر أن أحد العلماء كان قد “تنبأ” باستشهاد السيد محمد باقر الحكيم بعد سقوط صدام، وقبل أن يستقر العراق فيحكمه، فلما سُئل عن الأمر ذكر هذا الحديث الشريف، فآل الحكيم سادة طباطبائية ينتهي نسبهم إلى السّبط الأكبر عليه السلام). وفي حديث آخر.. قال عبدالملك بن أعين لأبي عبدالله عليه السلام: إن الزيدية قد أطافوا بمحمد بن عبدالله بن الحسن (أي يدعون إليه ويطلبون له البيعة) فهل له سلطان؟ فقال: “والله إن عندي لكتابين فيهما تسمية كل نبي، وكل ملك يملك الارض، لا والله ما محمد بن عبدالله في واحد منهما” (الكافي 1 / 242).

إن نجاح الحركة (بمعنى تحقيق النصر)، يتوقف على أن تكون موافقة لسنن الكون ومنسجمة مع نواميسه، وهي أعم من الأحكام الشرعية الظاهرية، والعوامل والنطاقات الكونية الحاكمة.
فإذا أراد أحد ـ بعد هذا ـ أن يعمل بواجب النهي عن المنكر، فيتصدى للظلم، ويسعى لتقويض نظام جائر وإسقاط حاكم ظالم، مرتكزاً على الحكم الشرعي، دون اتصال بالغيب ومعرفة بالمقدرات وآجال الأنظمة والحكومات، فله ذلك، إن “أراد أن يكون المصلوب في الكناسة”! لكن ليس له أن يمنّي الناس بالباطل، ويعدهم بنصر موهوم وعزٍّ قادم.

هناك أحزاب ومنظمات قامت على نشر هذه الثقافة وترسيخ هذا الداء وتعميقه، داء السعي للملك وطلب الجاه والشهرة والرئاسة، وآفة التمني وحلم تحقيق النصر والظفر والغلبة (مقابل قيام أعظم ثورة وحركة إصلاح في الوجود، وخطاب سيد الشهداء عليه السلام: “مَن لحق بي استشهد ومن تخلّف لم يدرك الفتح” !)، يغرسون في الشباب وَهم القدرة على الفتح، الفتح في شتى الحقول والمجالات (التي تورث الشهرة وتحقق لهم المجد)، يجتذبونهم بهذه الحقن والجرعات المخدرة المسمومة! حتى جعلوهم يعتادون عليها ويدمنونها، صاروا يتبعون ويلحقون من يعدهم ويمنيهم بها، وصدَّقوا أن لهم شأناً ومقدرة، وأن فيهم خصوصية إبداع وعبقرية… أعرف أحدهم كان حزبه ـ وما زال ـ ينفخ فيه كالقربة الفارغة، ويقرع عليه كالطبل الأجوف، حتى صدَّق المسكين نفسه وصار يسطر”الكتب” و “المؤلفات” وهو صبي لم يبلغ الحلم بعد! والولد لم يحصّل أصلاً ليقال أنه قطع أو لم يقطع شوطاً! وقحم آخر لا يختلف عن الأول كثيراً في ميله إلى يسير فهمه، ميدان الثورة العقائدية، وحمل راية ما زالت ساريتها مغروسة في صدر الطائفة، تفري الكبد منها وتدمي القلب!

وفي الجانب الآخر من مشهد المأساة، تجد مَن يلاحق أخبار الانتفاضة في فلسطين وانتخابات الرئاسة في فنزويلا، ويحفظ كلمات السيد القائد والزعيم الخالد ويرصد ليحتفل بتاريخ ميلاده، وهو لا يحسن أوليات معارف دينه، عقيدة وأحكاماً، ويقف في دنيا الالتزام والأخلاق دون الدرجة الأولى، بل يقبع في حضيض اللوث الروحي وركام الغشاوة والسواد، فإذا سمعته يتحدث عن إصلاح المجتمع والعالم تحسبه طوى العاشرة، وفرغ من الجهاد الأكبر وبلغ في تزكية نفسه وإصلاحها ما يكفيها، فانصرف وتفرّغ للأصغر، وراح يخوض هذي الميادين (وغالباً ما تجد هؤلاء من الثوار الكتبة والكسبة، البعيدين عن سوح القتال الحقيقي والتضحية) تطوعاً وتنوعاً. 

من المضحك المبكي أن يعمل أحدهم ويجاهد لتحقيق العدالة في الكرة الأرضية، ويسعى لقلب أنظمة سياسية طاغية، بجيوشها وأموالها وإعلامها، وهو صفر اليدين، لا من القوة المادية، بل المعنوية الروحية، فهو متخلف عاجز عن التزام النوافل بعد صلوات يؤيدها كنقر الدجاج! يصرف ساعات يومه وليلته في متابعة الأخبار، ويخوض معارك ضارية على كلمة قيلت فمسّت قائده وزعيمه، ولا يكترث بهتك ناموس الوجود والجرأة على حرمات الله ومقدسات الدين، يحسب أن ذلك من مقولات التاريخ والترف الفكري، والتصدي لها والانشغال بها هدر للطاقة وتضييع للجهد والوقت، وأن السياسة هي الميدان الحقيقي.

رحم الله عبداً عرف قدره فلم يجاوز طوره أو حدّه، وما هلك من عرف قدره…
إننا بحاجة إلى وقفة تقطع الطريق على هذا الطيش والزيف والإتجار، وتعرّف المؤمن بحجمه وموقعه، وتصرفه إلى ميدانه الحقيقي، تزكية النفس وتكميلها، ولا ينكر أن الجهاد أحد أبوابها، بل من أسماها وأشرفها، لكن بشروطه وآدابه وما يحقق مقاصده، والأهم الأخطر فيه: دون تغرير وإغواء، واستدراج إلى رايات ضلال ودعوات باطل، واستغلال يشغل ويهدر طاقات النجباء في خدمة مشروع الطلقاء!

Posted in

التعليقات