كان سكان الجنان إذا أرادوا أن يجدّدوا بالحسن والجمال عهداً، وينظروا إلى شيء يفوق ما بين ظهرانيهم بهاءً وروعة، وكل ما حولهم بهيّ رائع، نظـروا إلى”ملكة جمال الجنان”، ويمّموا شطر: “لعيا”… يغترفون من مرأى الملاحة أنقى صوَرها، ومن الصباحة أزهى ما فيها، ويشربون أقداح نشوة صِرف، تسكرهم صَبوحاً وغَبوقاً.
و”لعيا” حوراء لها سبعون ألفاً من الوصائف والقصور، ومثلها غرف مرصعة جدرانها، مكلّلة أسقفها بأنواع الجواهر والمرجان… وقد اختصّت لنفسها من بينها بمنزل هو أعلى من كل القصور، بحيث كانت إذا أشرفت نظرت جميع مَن في الجنة، وأضاءت الجنة من ضوء خدّها وجبينها.
وكان أهل الجنان لا يعرفون لهذه الحوراء دوراً، كما كانت هي لا تعرف لنفـسها وظيفة وعملاً، إلا هذه الإطلالة!
أن تطلّ بين فينة وأُخرى، فيمتلؤون من جمالها العذري، وينتعشون مـن حسنها البديع، ترقّق إدراكاتهم، وتصفّي أحاسيسهم، وتشفّ ملَكاتهم… فالجمال صيقل القلوب ومجلى النفوس ومشذّبها.
ورغم وضوح هذا الدور، واقتناع “لعيا” به، وهي قناعة ترسّخت من تقادم الأيام وتكرار الأداء، لا من أسـباب عقلـية وأدلّة علمية… إلا أن نفسها كانت تحدّثها بأن القدر يخفي لها شيئاً آخر، ويدّخرها لمهمة أعظم.
ولم يخِب ظنّها، فها قد أزف الموعد وظهر الموعود..
فقد فوجئ “رضوان” يوماً، بأن الأمر صدر لتخرج “لعيا” من قصرها، ولكن، لا لتطلّ على الجنان وسكّانها هذه المرّة، بل لتغادر الجنة، وتطوي السماوات، وتهبط إلى الأرض!
وعلى طريقة صدور الأوامر والتكاليف، كان هذا الأمر مجملاً مختصراً يخلو من التفصيل وحتى التوضيح، بل كان غامضاً بعض الشيء، تلفّه عمومية وإبهام، إذ لم يعلَّل إلا بعبارة مقتضبة:
“حبيبة الله، وابنة حبيبه، سترزق بمولود”.
ولما ألحّت الحاجة وأصرّت، صدرت مذكرة (يفترض أنها تفسيرية!)، تقول: لقد تقرر أن تكون “لعيا” في قوابلها، وعليها أن تهبط لتخدم “ابنة الحبيب”، تؤنـسها وتسلّيها…
ولا يظننَّ أهل الأرض أن أهل السماء يعرفون تمام علل الشرائع وأسرار التكاليف الإلهية! كلا، فالأمر هناك مثله هنا، تسليم وانقياد، لا يخلو في الأكياس من سعي للكشف عنها واجتهاد للوقوف على فلسفتها.
من هنا تدفّقت التساؤلات:
لماذا تحتاج “ابنة الحبيب” للسلوة، ولمَن يمدّ إليها يد العون؟ ماذا دهاها حتى تنبري الحور لنجدتها؟ وماذا أصابها حتى تخفّ الملائكة لإسعافها وإعانتها؟
أليست هي من “الأنوار” التي تهبنا الفضل، وعنها تصدر الخيرات؟ هل ثمة تبدل في النواميس وانقلاب؟
ومن التساؤلات يعود الأمر إلى التحليل والبحث والدراسة:
ترى، هل عاودتها ذكرى أُمها “خديجة”، وتداعى لها ما جرى عليها، حين هَجَرتها نساء مكة عندما وَضعت ابنتها؟ بينما هذه صفية بنت عبدالمطلب وأسماء بنت عميس وأم سلمة، يحضرن فاطمة في ولادتها، ويحففن بها، يرعينها ويسلينها… فأدخلت المقارنة عليها الهمّ، وجدّدت الحزن؟
أم هو “الأصل البـشري”، الذي غرَس في كل امرأة وزرع فيها الرغبة، قبل الحاجة، إلى من يعينها، فبان أن غياب الأُم في هذا الظرف يخلق في الفتاة ويخلّف ثلمة لا يسدّها شيء؟
ترى، هل أبرزت عملية الوضع والولادة تلك الطبيعة؟ وسلّطت الضوء على الجانب البشري لهذا الوجود الملكوتي الأقدس جعلته يزداد تألقاً وظهوراً، وبعثته وهيّجته، فتداعت معه لوازمه ومقتضياته الطبيعية، كالحاجات النفسية، ومنها الرغبة في وجود الأُم؟
وعن هذا ومنه، نشأ الحزن ودخل الهمّ، فكانت الحاجة إلى “لعيا”؟!
ذلك رغم خصوصية هذه البشرية وطبيعتها، والتناسل الأعم من الحمل والمخاض والولادة، وتميّزه في هذا النسل الطاهر، بميزات وخصوصيات تستل من عالمهم الأول ونشأتهم النورية… فلا دم هنا ولا حيض، واللقاء إيماءة وتداخل نوري، والوضع يكون من الخاصرة اليمنى، أو يُشقّ له في الرجل اليمنى، ولا أثر للحمل إلا في ساعة الوضع أو قبيله، ثم لا نفاس للأُم ولا ختان للوليد، ولا حدَث ولا خَبَث، ولا نجاسة ولا قذارة. إنه ضحضاح البـشرية والحدّ الأدنى منها، وما يناسبها لأبدان الكُمّل. أو قُـل الخط الأخير من نطاق التجرّد والكمال المطلق، وما هم عليه في وجودهم الأول وخلقهم النوري… الخطّ الذي يضطر متجاوزه ـ المسافر، والداخل في عالم العنصر والمادة ـ أن يضع بعض ثيابه الأصلية، ويرتدي ما يناسب هذه النشأة الدنيا.
لا شك في أنهم بشر… لكن كيف بشر؟
يأكلون الطعام، لكن دون أن يخلّفوا فضلات، ويؤتى لهم بالغذاء الذي ستتكوّن منه نطفهم من طعام الجنة وثمارها! ويمشون في الأسواق، ولكن دون أن تترك أقدامهم أثراً على الرمل والتراب، بينما تجدها تؤثر فتنطبع على الحجارة والجلاميد! وينامون، ولكن أعينهم، دون قلوبهم وأسماعهم! يُرَون ويُشـاهَدون لكثافة أجسامهم، ولكن لا يُرى لهم على الأرض ظل إذا طلعت عليهم الشمس أو سقط عليهم ضوء! ولهم وُجهة وسَـمْتٌ فيستقبلون الأشياء والناس بوجوههم ويستدبرونهم إذا مضوا عنهم وعاكسـوهم في الوجهة، ولكنهم ينظرون مَن في القفا، ويرَون عكس وجهتهم كما يرون مَن أمامهم!
أما الطاقات والقدرات الروحية والكمالات النفسية، فلم تنل منها هذه النشأة شيئاً يذكر، فقد حلّوا بين ظهرانينا وتمثّلوا لنا، وماثلونا في الأشكال والسلوك، فـسكنوا البيوت، حتى صارت أسماؤهم في الأسماء وأجسادهم في الأجـساد، وشُخّصوا وأُشير إليهم… وهم في عليائهم التي لا يقربها أحد، وذُراهم التي لا يدانيها شيء.
بل إننا إن قلنا بأن “البدن”، هذا الجـسد المرئي المؤلف من لحم ودم، وعـظـام وعروق، وعصب وجلد… هو مـيدان تجلّـي “النـفس الناطقة” وساحة ظهور القوة العقلية، وهو الحق. كونه فرع الصيصة الإنسانية، أي البدن الإنساني الذي خُلق تامّ القوى والآلات، الذي هو باب الأبواب لحياة جميع الأبدان العنصرية.
فإننا نكون قد التزمنا قانوناً سيحكمنا في طبيعة هذا البدن… تجعله، في شرفه ورفعته وسموّه، وفي قدراته ومَلَكاته، متناسباً مع شرف النفس، وعظمة القوى العقلية، وخطر الطاقات الروحية الحالّة فيه، أو المتعلّقة به… وعندها لا يمتنع عن أبدانهم شيء من الكمال، ولا عجب!
فكلّما عظمت الروح وكمُلت النفس وسمَت في وجودها، صار البدن أصفى وألطف، ولحقه من تنامي الإمكانات وكمال الطاقات، ما يجعله متمتّعاً بأوصاف تدرجه في التفوّق والخصوصية.
فلا عجب لبدن شفّ ورقّ ولطُف، أن نَظَرَت عينه الملائكة ورأت الجن وغير الجن من عوالم الغيب… لم لا وهذا البصر يغدو حديداً حين ينفصل عن البدن بالموت ودخول البرزخ. ولا غرابة أن يبلغ صوته أقصى البلاد، فيخاطب أهل المشرق ويرد عليهم جواب أهل المغرب! أو أن يتنقّل بطيّ الأرض، فيقطـع الفيافي ويجوب البلاد التي بينها مسيرة أشهر في لمحة بصر، ويسافر بالأشياء ـ مهما عظمت ـ وينقلها… كما جيء بـ “بلقيس” وعرشها من “سـبأ” إلى “بيت المقدس”. ولا غضاضة أن تنبعث في عضده طاقة تقلع باباً يعجز عن هزّها أربعون من ذوي الأنفس الغـليظة والعقول الواهية أو الناقصة، وبالتالي الأبدان الضعيفة والقوى الخائرة، وإن كانوا من الأبطال والعمالقة…
ولا غرو أن يصبح ريقه وسؤره شفاءً يفوق عقاقير الأطباء أثراً ونجعاً، ويخترق قواعدهم وضوابط صنعتهم. ولا أن “ترشح” منه “البركة” فتسري في يده ومسحتها، وفي ثوبه ومَلمَسه، وفي تربته والبقعة التي يحلّ فيها…
بالله كيف تنفعل هذه الأنفـس الكاملة وكيف تتـفاعل؟
كيف تعيش بشريّتها وتجمعها بنورانيتها الأصلية؟
حقّ أن تتساءل الملائكة وتكرر وهي أعرف بـ “فاطم”:
هل دخلها الهمّ والوَجَل من التحسّر على حال أُمها خديجة، أمْ من غيابها وفَقدِها الـساعة؟
وهل أن الحزن على غيابها لنزعة بشرية وحالة دنيوية، اقتضتها طبيعة هذه النشأة، أم أنها لأمر معنوي، وحالة مرتبطة بالدور الرسالي، والحسرة على عدم شهود خديجة الكبرى وحضورها هذا الحدث العظيم، الذي اضطربت له السماوات وانقلبت؟! أم ترى أن استدعاء “لعيا” من الجنان هو مجرّد تشريف ومحض تعظيم، ومراسم احتفالية ينبغي إجراؤها على أية حال، أي أنها قضية شكلية ومسألة “بروتوكولية”! وأنه لم تكن هناك حاجة لمدد ولا مقتض لِعَون ونجدة، ولا دعا الداعي لشيء من هذا؟
ثم ماذا لو كان السرّ في المولود المنتظر… لا الأُم، ونحن مستغرقون في البحث عن وضعها والحَوم حول حِمَى حالها؟
المولود الذي “بُشّـر” بشهادته قبل استهلاله وولادته! لعلّه هو الذي استنزل الملائكة من الجنان، وقلب الدنيا، وأربك السماوات، وأذهل سكانها… أم أن هذا “البيت”، من الأُم إلى أبيها، فبعلها وبنيها، “بيت” يحلّق فوق البحث والتحليل ولا تطاله دراسة وتفسير؟
* * *
وبين إعجال تحفّزه فطرة جُبِلت عليها الحور، من طاعـة الأمر وامتثاله، واعتياق تبطؤ به البغتة والمفاجأة… كان شوق “لعيا” لرؤية “ابنة الحبيب” والتلهّف للتعرّف عليها، هو ما يشغلها:
متى ألقى مَن ينتدبني الله، ويخرجني من الجنان لخدمتها وتسليتها، ويحرم أهل الجنة نعيم مرآي في سبيلها؟ مَن تكون هذه المعظَّمة المكرَّمة؟
وما إن عرض لها الـسؤال، حتى أُلهمت الجواب!
فصارت تنادي في وصيفاتها وتصيح:
إنها “الزهراء”، ربّاه إنها “الزهراء”…
بهذا الاسم يعرف سكان الملكوت فاطمة…
إذ انجابت الظلمات وأشرقت السماوات بنور فاطمة. ولم يكن قـبـل ذلك ثمّـة منظـر ولا مرأى، ولا لموجود صورة تُدرك، ولا شكل يُعرَف، بل ظلمة حالكة فوقها ظلمات.
حتى “لعيا” نفسها، ما تألقت وأزهرت إلا من ذلك النور، الذي شعّ من قنديل علّق في قرط العرش، أضاء به الوجود وأزهر.
فعرفت فاطمة عليها السلام بـ “الزهراء”.
لذا تراها إذا قامت في محرابها لتُصلي، أي لـ “تتصل” بالسماء، عالمها الأول ووطنها الأصلي، وهكذا عندما تلتقي بَعلها علياً، شقيق النور الأول، بل نفسه… عاد نورها ليزهر، وضياؤها ليتألق، فتضيء “المدينة” وتطـفأ السرج والمصابيح، حتى إن النساء لتغزل في الليل الحالك على ضوء ذلك النور.
أخذت “لعيا” تفخر، وتصعّر على الحورخدّها، وتشمخ على الملائكة بأنفها، ولعله زهو لا يحبه الله إلا في مثل هذا الموضع… فمَن مثلها، وقد غدت هي “الخادمة”، لا سواها!
زُفّت الحوراء “لعيا” في موكب ملائكي عظيم، خرج من الجنان إلى السماوات فالأرض، تحفّها وصيفاتها، يُسَرِّحن شعرها المتهدل فـوق كتـفيها العاجيتين، ثم المنثور المتطاير من فرط نفرتها وسرعة نهضتها، ويصلحن هندامها الذي أهمله انشغالها بالمبادرة وإسراعها بإنفاذ الأمر. فتدلف بينهن بقدّها الأهيَف، في خفة ورشاقة، غرّاء غـيداء، باسمة الثغر، وضّاحة الجبين… فكلّما خطت خطوة، قبّلت الأرضُ قدميها المعروقتين، وكلّما مرّت ببلقع اهتز وربا، وأزهر واعشوشب.
وفي حين كانت الشغل الشاغل لكل مَن مرّت به ورآها، كانت هي في شغف ولهفـة أذهلتها، وترقُّب وفكرة صرفتها عن كل ما ومَن حولها، تسرع الخطى، وتطوي الطريق، لتبلغ مرامها بأسرع ما يمكن… فـقد تحققت غايتها من الخلق، وبلغت مناها، وأدركت السرّ الذي كانت تبحث عنه عمرها كلّه… ها هي على خطوات من كمالها وتمام شرفها!
وفي الطريق إلى “البيت”، أزاحت “لعيا” أستار دمقس مُوَشّى بخيوط العسجد عـن عربتها المطهّمة، وهي تعرج في قبة زرقاء من اللازَوَرد، فوجدت الكمالات ورأتها متجسّمة، ناطقة، متجلّية بأروع صورة ومنظر:
العدالة تواكبها على ظهور الرياح، والعفّة تقودها على الغمام، والجود يسوقها على البراق، والجلال يخفرها من فوقها ومن تحت موكبها، والعزة ترفل في أثوابها الزاهية، تكلل المشهد بأجمعه.
وعلى أعتاب البيت، وقفت الفضيلة تفرش لهذا الركب العظيم بساطاً من الورود، والملائكة ترفرف وتحييه بالحمد والتهليل والتسبيح، والصلاة على ربّ “البيت” وقاطنيه.
وعلى الباب… تلقّت “لعيا” التـعليمات النهائية من جبرائيل، وأُفهمت أن هذا الميلاد ليس كغيره من المواليد، فقد كان الحمل يحدّث أُمّه، ويكرر عليها: “أنا القتيل، أنا الذبيح”!
إنه ميلاد ومأتم، فرحٌ وتَرَح، سرور وحزن… فعلَيها أن تحسن أداء مهمتها في السلوى، وأن تـشغل “الأُم” وتصرفها عن الفكرة في ما ينتظر مولودها الأعظم من البلوى.
وعلى مشارف الطَور الأخير من طـقوس اللقاء وإجراءات الدخول، وقفت “لعيا” تنتظر جواب طلب الإذن الذي رفعه جبرائيل…
وقد رأت اضطراب الملائكة وإهطاعها، وارتباكاً وهلَعاً يعمّ الأجواء ويلفّها… هذا يعرج وذاك يهبط، وطائفة متحفّزة وأُخرى في خفر، وقبيل يترقّب وآخر يستعد ويتهيأ، والجميع في هيجان واستنفار.
فجثت على ركبتيها، ونشرت جناحيها، ستراً، أو مبالغة في الضراعة وفي ما هي مقبلة عليه! وأمسكت بعـضادة الباب، وأسندت رأسها على رتاجه، وأخذت تقبّله، وأرسلت زفرات وتنهدات وأطلقت عبرات وأخلت سبيل دموع طال حبسها… وقد سجى طرفها الأخّاذ، فترقرقت من بين أهدابها الوطفاء عبرات لؤلؤية، تتقاطر على صفحة خدّ مورّد أسيل، وراحت مَلِكة الجمال وأميرة الحسن وربة الدلال تتمتم:
رحماك يا رب… ويح قلبي، أين أنا من هذي الدروب؟ أنا ما عرفت إلا الجنان، والراحة والاطمئنان… وهذه مصائب وويلات، وقُلل دونها تنقطع الأنفاس، وهموم ومحن تندك لها الجبال. إنها أهوال هذي التي يعيشها هذا البيت، وعظائم يُدَبَّر من خلالها الوجود، ورحى تدور عليها النواميس والأقدار، هذا قطبها. وأنا لا عهد لي إلا بركن أنفرد به، وزاوية أنطوي فيها. فأي معترك هذا الذي أقف على أعتابه؟!
لعمري، أهذه هي حياتكم يا “أهل البيت”؟
أي قلب يطيق هذا؟ إنني أعجز عن تدبير أُموري وشؤوني الخاصة، على صغرها وتـفاهتها، ولربما وَهَت أركاني وتداعت، وشَرُفتُ على الانهيار، إن علِمتُ بخلاف عارض بين اثنتين من وصيفاتي!
فكيف تعيشون يا سادتي؟ وكيف تمرّ الأيام عليكم وتـتـوالى الليالي؟… أي قلب حمول للنائبات يخفق في هاتيك الصدور؟ أي روح مضطلعة بالشدائد تدبّ في تلك الحنايا؟ أي جأش تثبتون به على النوازل والخـطـوب؟… أي عرىً للجَلَد، وأساطين للصبر، وأطواداً للأناة قامت هنا؟ فإن أشـرق صباح البِشرِ يوماً، وتهلل وجه الدهر، عن ميلاد تقرّ به الأعين، وتسكن به النفوس… نَعِبَ غراب البين، ورفرفت الهموم، لتخلط سروركم بالمرارة والأسى؟!
أميلادٌ وقتل؟!… إيه يا مولاتي يا “زهراء”!
وكانت قد أهوت إلى الأرض، واستـقرت على هيئة السجود، وصارت تقبّل أعـتاب الباب، قبـل رتاجـه وعضادته… عندما أُبلغت الاسـتجابة لطلبها، وتلقّت صدور الإذن بالدخول.
دخلت، ليتفتّح فمها الأحوى ومبسمها الجميل، عن تحية عـطـرة، وسلام كامل تام وشامل عام.
وإن وارت الحزن وغالبت الكمد، وتصنّعت الجلَد وإظهار البشر والسرور، وفقاً لما تقتضيه “المهمة” المناطة بها… فقد قالت في رقّة وعذوبة، ودلال مطبوع، ما تكلّفت منه شيئاً: “السلام على الصديقة الطاهرة فاطمة الزكية، حبيبة حبيب الله ونبـيه، وأُم أحبائـه وأصفيائـه، التي انتجبها الله وفضّلها واختارها على نساء العالمين… ما قرّت عيني ولا هنئت، منذ كنت، كما أنا الساعة في حضرة مولاتي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين”.
أجابتها “الزهراء” وردّت السلام… وقد لحقها الحياء من “لعيا” إذ لم تَدرِ ما تفرش لضيفتها الجميلة الكريمة، وبم تستقبل هذه المترفة المنعّمة، القادمة من الفردوس الأعلى؟! إذ ليس في هذه الدار من أثاث ومتاع إلا فراش من جلد كبش، ومخدّة من ليف، وقدر وخوان، وجرّة وكوز، وعود نُصِبَ هنا تتدلى منه قربة وسقاء، ولوح سُمّر في الجدار هناك تُعلّق عليـه الثياب… هذا والبيت مهبط الملائكة، ومعدن الوحي والتنزيل، وفي أكـنافه مقاليد السماوات والأرض، وإليه تهبط ومنه تصدر مقادير الرب الجليل!
وبينما “سيدة النساء” متفكرة في ما تصنع بضيفتها، حان منها ما صرف شيئاً من إرادتها، دون أن تلتفت، ولا أن تومئ وتشير، ناهيك بأن تأمر أو تطلب… إذ حضرت ـ في الآن ـ حور حسان لتسـعفن الموقـف، وهن يحملن درنوكاً من درانيك الجنة، بسطنه في رحبة الدار، لتجلس عليه “لعيا”.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
* مشهد من رواية “القربان”، يناسب حدث الميلاد، ويسطر بعض ما وهبتني الزهراء لأقدمه إليها في ذكرى ميلاد قرة عينها.
التعليقات