هكذا علمنا أهل البيت عليهم السلام… فإن تك حدة وشدة، فهي وَصاياهم وتعاليمهم التي رسمت النهج واختطت الطريق، علمتنا أن لا نعير العمل والنتاج قيمة، ولو أن عبداً عبَد الله، صائماً نهاره، قائماً ليله، فأطال الله عمره حتى أصبح بدنه كالشن البالي، حتى قتل مظلوماً متعلقاً بأستار الكعبة، ثم جاء يوم القيامة بغير ولاية آل محمد فلن يقبل منه شيء، وسيكب على منخره في نار جهنم.

علمونا سلام الله عليهم كيف نقيّم الرجال ونصنّـفهم، وفي أي المراتب ننزلهم، وبأي ميزان نقدّرهم فنعرف أقدارهم؟ وأن ذلك كله محكوم بأساس وأصل وينبع من منطلق، فلا نؤخذ بالعبادة والزهد، ولا نغتر بالانتاج والخدمة.. علمونا أن ننظر إلى الراية التي يحملها أو يسعى تحتها الرجل، ويسخّر نفسه ويصب جهده في خدمتها، مَن يوالي ومَن يعادي، ما هي عقيدته وممن يأخذ دينه؟ ثم يأتي بعد ذلك العمل والعطاء.

هذا ما قمت ببيانه والتزامه، وسعيت إلى بلورته وعرضه، فلا يغفل عنه المؤمنون، ولا يضيع في ساحة يتناوشها ذئاب الإعلام ويتحكم بها قردة الأحزاب، تفعل بها ما كانت تفعل منذ الصدر الأول… فقد قلبوا الحقائق، وهيمنوا على العقول، وفرضوا إرادتهم الشيطانية منذ ذلك العهد، فأصبح سب أميرالمؤمنين، هو الواجب الأول لإمام الجمعة بعد الحمد والثناء والصلاة على النبي! والمصلون الأتقياء يثنون ويأمِّنون! فلما بلغهم خبر ضرب علي في محرابه، احتار السفهاء أن ما الذي جاء به إلى المحراب؟ أوَ يصلي علي؟

إذا لم يُصدح بالحق وترتفع الصرخة حتى تبح أصوات مطلقيها، وتوقر آذان الجناة والطغاة، سيعودون إلى قلب الحقائق وتزييف الوقائع وإملاء إرادتهم القذرة، مع إزالة القبح عنها. إذا لم تنصب منابر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسكت العارفون بالحقائق وأمسكوا عن بيانها، فإن الزمن سيعود ليقلبها وتمسخ من جديد، في ظل الهيمنة الإعلامية الشيطانية وبأدوات مضاعفة في هذا الزمان من وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات والدول والحكومات.

ولا تستبعدوا أن يأتي يوم يقلد فيه الناس ويأخذوا دينهم من الغلمان، ويقودهم ويدير أمورهم الصبيان، يخوضون بهم الحروب والأزمات، فتسفك الدماء وتخرب البلاد وتعطل المصالح والحياة، لسوء تقدير أرعن يقود الساحة، وفساد إدارة حزبي فاسق غلبه الجشع فأعماه.. ثم علينا جميعاً أن نصمت ولا ننبس ببنت شفة! ونجاري هذا الواقع الموبوء ونحاكيه كالقردة الثلاثة ونشهده صُماً عمياً بُكماً!

ليست هذه نبوءة ولا هو توقع وتحليل، بل واقع مشهود، فنحن نتابع في كل يوم تقدّم الأذناب، وتسيّد الصعاليك، ليس في عالم السياسة، فهذا سابق منذ عهد بعيد، بل في الدين، لا دين المخالفين، فذاك أيضاً سابق متأصل فيهم.. بل في دائرة التشيع ونطاق الإيمان، انظروا مَن ينبرى اليوم للمرجعية، ومَن يقود الساحات، وإلى أين يأخذوننا؟!

لن أدس رأسي في التراب كالنعام، كما لن اغتر، إن شاء الله وببركة مدد أهل البيت ورعايتهم، فأرفعها مكابراً ومغالطاً كاللئام… خلق الله للحروب رجالاً ورجال لقصعة وثريد، ليتنح المخنثون جانباً، وليتقدم رجالهم للبراز، وإن كانوا أراذل وطغاماً، فعندما تعدم الأقران والأكفاء لا مناص من مواجهة الحثالات، وليس على المضطر إلا ركوبها.

تلقيت عتاباً من بعض الإخوة الكرام، ولا شأن لي بالمهرجين والعوام، ولا بالحزبيين الموتورين من قبل، فرأوها فرصة سانحة، أبت دناءتهم أن تعف عنها، فالتهموها لحماً ميتاً ولم يبالوا، فهؤلاء لا يريدون أن يسمعوا، وإن سمعوا فلن يعوا… عاتبوني على مقالتي السابقة وموقفي من الشيخ الآصفي.

وإن سُجِّل هذا وحُسِب على شيء، فسيادة الباطل وصولة الضلال التي تحكم ساحتنا…

ما لكم يا كرام، أفي الله شك فاطر السماوات والأرض؟أفي انحراف حزب الدعوة وضلاله ترديد يا أولي البصائر والألباب؟ أفي حسن البنا وسيد قطب وتقي الدين النبهاني خير يرجى؟ أفي غرس الإخوان المسلمين وبذرة حزب التحرير أمل في ثمرة تغذي شيعة أهل البيت؟! ما لكم كيف تحكمون؟

دع عنك الضلال الفكري والانحراف العقدي للحزب الذي يستقي معارفه من المتردية والنطيحة، ويريد إلغاء المذهب من رأسه (فهو يحمل فكرة إسلام بلا مذاهب)، وبجميع معالمه وفي طليعتها المرجعية والشعائر الحسينية.. دع عنك هذا وانظر في سقم الأنفس وتردي الحال مذ سلَّمهم الأمريكان حكم العراق! كان أحدهم لا يملك قوت يومه، ولا يحسن عقد ربطة عنقه، فصار اليوم مليارديراً يصعب حصر أملاكه، ومتأنقاً لا يرضى إلا بالماركات ودور الأزياء العالمية! وهو وضع لم ينج منه إلا نادر كالمعدوم. وما اكتفوا حتى سلموا البلاد للعدو، ولولا تدخل المرجعية وفتواها بالجهاد، لكانت رايات داعش ترفرف على بغداد.

بالله عن أية أكرومة في حزب الدعوة وفضيلة في الحداثيين الشيعة الذين هاجمتهم يدافعون؟

الآصفي داعية من الرعيل الأول والطبقة الأولى التالية للقادة المؤسسين.. أشرب فكر الدعوة في روحه، وتغذى به حياته كلها، فكان يسقط الحوزة وعلومها على هذه المدرسة، ويقدم حسن البنا لطلبة العلم نموذجاً يقتدى، لا زرارة ومحمد بن مسلم، ولا الجواهري والنائيني، ولا حتى الحكيم والخميني (الذي رفض ترجمة كتابه الحكومة الإسلامية لأن رائحة الشيوعية تفوح منه، وكان السافاك قد أصدر تعليماته فالتزم القوم ولم يتخلف الأوفياء!).

لم يكن الآصفي مجرد عضو صغير ونصير مستضعف في حزب الدعوة، حتى يُلتمس له العذر وينظر للأمر من زاوية أخرى وحيثية قد تغطي هذا الشين والسوء، بل كان الناطق الرسمي باسم الحزب، أي قائده ورئيسه الفعلي.. وتعديد مآثره الأخلاقية وسجاياه الشخصية مقابل هذه الطامة الكبرى، أشبه بدعوى نزاهة طارق عزيز والتماس المحافل الدولية البراءة له من حزب البعث لأنه من أقلية مضطهدة مغلوبة على أمرها، لم يكن لها خيار غير الالتحاق بركب الطاغية!

ومن هنا أتناول تأبين مكتب السيد السيستاني للآصفي، صح ذلك أم لم يصح، أدرج في الموقع الرسمي لسماحته أم لم يدرج..

نعم، الآصفي يختلف عن فضل الله… فهو لم يروج علناً للبدع ولم يجاهر بالضلالات، ولا تحدى، ولا طلب البراز كما فعل ذاك، بل تدرع بصوَر محبوبة تحسن تسويقه، وتدثر بدهاء ينجيه من المعارك والصدامات المباشرة.. من هنا اختلف تعاطي المرجعية معه في تأبينه.

إن حجم الضغوط التي تعرضت لها حوزة النجف ومورست على المرجعية لتأبين فضل الله، سواء من لبنان أو إيران أو من الخليج أو من العراق نفسه.. لا يوصف، ولو عرضتُ جانباً منها لأورث ذهولاً تجاه رموز يقدسها العوام! وهي تبدأ من رئيس الوزراء السابق نوري المالكي والأسبق إبراهيم الجعفري، ولا تنتهي عند رجال الأمن الإقليمي مبسوطي اليد ونافذي الحكم هناك! ومع ذلك امتنعت المرجعية عن تأبينه، فقد كانت تملك من الحجج والمسوغات الموضوعية والمعطيات السياسية ما يبيح لها الامتناع، ويسمح لها بالإحجام. لكنها هنا كانت أمام نمط مختلف من الفتنة والإغواء، فالسيل الجارف هنا هم العوام المغلوبون على أمرهم، فهذا مصحف فوق السنان، فهل من الحكمة أن تتخذه المرجعية غرضاً؟! هذا ما قدَّره السيد السيستاني ووازنه فأصدر مكتبه بيان التأبين لأجله، لا أنه إمضاء لحزب الدعوة وإقرار بنهجه المنحرف والعياذ بالله.

لقد كان الآصفي رأس الحربة في مشروع المرجعية والحوزة الإيرانية (بمعنى الحكومية التابعة للدولة)، مقابل الحرة المستقلة التي يريدها السيد السيستاني للنجف ومرجعيتها.. وكان يدير معركة حامية الوطيس، لكن أدواتها تختلف، ووسائلها ليست مثل معركة فضل الله، لذا كانت الحكمة في مجاراته بأدواته، ومحاكاته بتكتيكاته، وفي النهاية هي عقبة أزيحت.

وأخيراً: من الطبيعي أن يعيش المؤمن في مواقفه (الدينية وغير الدينية، والدينية هي ما تعنينا في هذه المقالة) تجاه الآخر، فرداً كان أو مجتمعاً، حالات مختلفة، تتفاوت حسب المرتكزات التي ينطلق منها، هذا بعد الفراغ من العلم وإصابة الحق، ثم الوعي والبصيرة… تراه يجاهر بعقيدته تارة، ويفضّل كتمانها أخرى، وقد يعمد في بعض الحالات إلى إظهار عكسها وادعاء نقيضها! ومدار ذلك الحكمة والمصلحة والمداراة والتقية… فليس كل ما يعرف يقال، ولا كل ما يصلح أن يقال حضر أهله، وليس كل ما حلّ وقته وآن أوانه صحّ قوله، ولا إذا حلّت ساعته واكتمل ظرفه وصحّ قوله، ساغ نشره بأية لغة، وناسبه كل خطاب.

هذا في الفرد من عامة المؤمنين، فكيف بالمراجع العظام ومسؤولياتهم الجسام؟

وعندما يقال إن من يأبِّن الآصفي هو من أنصار الباطل ومروجي الضلال، فهذا حكمُ مَن ينطلق في ذلك من الإيمان بنهج الآصفي رجل حزب الدعوة، وحامل الفكر الإضلالي وناشر الانحراف العقدي… أما إذا كان لغير ذلك فمن الطبيعي أن لا يشمله الإطلاق، وأن يخرج بتقييد، بل بتخصُّص يخرجه من أصل الحكم لاختلاف المناط. كأن يكون لمصلحة… فالسيد السيستاني مرجع يقود الأمة، وهو ملزم بتصرفات معينة ومواقف خاصة عليه أن يتخذها درءاً للمفاسد والشرور، وحفظاً للمذهب والحوزة، وحتى لشخصه الكريم، فحياته تفدى ودوام ظله يستحق التضحية، أنا ومَن في طبقتي من عوام الناس في حلٍ من هذه المواقف وفي سعة ومندوحة، لذا يتوجه إلينا تكليف آخر، يتعين في العارفين بالحقائق، الواقفين على الوقائع، أن نعمل بكل ما آتانا الله على توعية الناس وكشف الزيف وإماطة اللثام عن الباطل…

من هذه الشبهة انطلق الحزبيون المغرضون، وتبعهم السفهاء المتميعون لتشويه الحقيقة وقلبها مرة أخرى..

وهذا ديدن العوام وسيرة الهمج الرعاع، يغترون ببيان وصورة ولقاء، ويذرون أسساً علمية وموازين عقلية وأصولاً فقهية! يتركون جبالاً من الأدلة على أحقية فكرة، ويتمسكون بشبهة تافهة وإشارة عارضة! يزور الشيخ الوحيد الخراساني أحدهم فيتجاهلون خواءه العلمي وانعدام شهادات أهل الخبرة، ويعدون صورة التقطوها لهما دليلاً على فقاهة صاحبهم واجتهاده! وكذلك الحال مع الميرزا جواد التبريزي رحمه الله عندما عاده أحدهم، وهكذا يتجاهلون انحرافات وضلالات قصمت ظهر المذهب منذ الخمسينات وحتى الآن، وويلات خربت بلاد الشيعة وأهلكت العباد، كل ذلك يُمسح ببيان أصدره السيد السيستاني لمصلحة قدرها وظرف وازنه ورجحه!

تماماً كما رفض الأوائل ولاية أميرالمؤمنين وتجاهلوا مئات آلاف الأدلة التي تنهض بإثبات هذا الحق، أعجزت فقهاءهم ومحدثيهم ومتكلميهم، ليتمسك العوام بشبهات الصحبة والمصاهرة والنسب، وتسمية الأبناء، وما إلى ذلك مما تحكمه ظروف مصلحة الدين والمذهب، ودفع البلاء عن المؤمنين وحفظ بيضة الإسلام، والذود عن حياضه بكل وسيلة؟!

إن الحدث يضعنا أمام مسؤولية خطيرة في توعية الأمة، ولا سيما النشأ والجيل الجديد، بموقع المرجعية ودورها..

تعالوا لنعي ونبين للناس الفرق بين الحكم والموضوع، وأين يطاع الفقيه فلا يرد عليه، وأين للمؤمنين أن يستقلوا برأيهم، فيريحوا حتى مراجعهم!؟ تعالوا لنحرر العقول، بل لنطلقها من لجام الحزبية ونفسح للأمة بممارسة دورها بعيداً عن حالة تستبطن فيها القصور والسفاهة، فتفرض الحجر عليها وتنادي بالقيمومة.

إنني أتفهم سطوة المال والسلطة، وأعرف جيداً غلبة الإعلام، وهيمنة العقل الجمعي.. ولكني في الوقت نفسه أعرف أن في الأمة طاقة متفجرة لا تبقي على هذه الحثالات ولا تذر، وأنها ستكتسحهم وتنبذهم بين ليلة وضحاها، كما انتكس مشروعهم عند ظهور النجف المتجدد حوزة ومرجعية أبطلت كيدهم وذهبت بخططهم أدراج الرياح، وهي قادرة على تصحيح المسار، وهزيمة الأشرار، وأنا أنطلق من هذه الركيزة وكلي أمل، ما زلت أتحسسه في نصرة ومدد سادتي وأولياء نعمتي صلوات الله عليهم أولاً وأخيراً.

Posted in

ردان على “تأبين الآصفي ومعركة الوعي …”

  1. ابوناصر

    لله درك يا أبا عبدالزهراء كم أصبت كبد الحقيقة والصواب ؟؟!!
    لا كلمة تضاف ولا حرف ينقص ،
    ان المصيبة في جهلة العوام من ذوي الفكر المنحرف والمعتقد الساقط الذين اسبحوا رموزا يشير اليهم النواعق ببنان الهمجية المركبة ،
    كلما كان القذف بالحق على الباطل أصوب كلما كان صدى صوت الدمغ إعلا ،
    وعلى قدر المعاناة ووحشة الطريق يكون الثواب الجزيل .

    عذرا انه تعليق عابر مرتجل

    إعجاب

    1. hassan

      الله تعالى يقول: بسم الله الرحمن الرحيم
      (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ )

      إعجاب

التعليقات