نحو فهم سياسي واع…..
—————-
في “الخرايج” للقطب الراوندي، عن أبي بصير قال: كنت مع الباقر في مسجد النبي إذ دخل المنصور وداود بن سليمان، فجاء داود إليه، وجلس المنصور ناحية المسجد، فقال الباقر: أما ان المنصور يلي أمر الخلائق فيطأ أعناق الرجال، ويملك شرقها وغربها، ويطول عمره فيها حتى يجمع من كنوز الأموال ما لم يجمعه غيره. فقام داود من عند الباقر وأخبر المنصور بذلك، فجاء المنصور إليه وقال: ما منعني من الجلوس عندك إلا جلالتك وهيبتك، ثم قال: ما الذي يقول داود؟ قال: هو كائن لا محالة. ثم قال: مُلكنا قبل مُلككم؟ قال: نعم. فقال: ويملك بعدي أحد من ولدي؟ قال: نعم. ثم قال: مدة ملكنا أطول من مدة ملك بني أمية؟ قال: نعم، فيلعب صبيانكم بالملك كما يلعب بالكرة.
وفي الطور الأخير من عمر الدولة الأموية، حين كانت آيلة إلى السقوط، ندب عبدالله المحض شيوخ بني هاشم، إلى بيعة ابنيه محمد (الملقب بالنفس الزكية) وإبراهيم ليقوما بالأمر، وكان الصادق عليه السلام ممن دعي لهذا الاجتماع، وقد امتنع عن مبايعتهما، فقال له عبدالله: فمد يدك لنبايعك! فقال: “والله ليست لي ولا لابنيك، إنها لصاحب القباء الأصفر، ليلعبن بها صبيانهم وغلمانهم”، وكان المنصور العباسي يومئذ حاضراً وعليه قباء أصفر.
@ @ @
إذا أردنا أن نستشرف المشهد بوعي وبصيرة تتجاوز نتاجات العقل الجمعي، وتتخطى الأطر التي يريد الإعلام أن يصب فيها تفكيرنا ويوجِّه نحوها فهمنا ويقود تحليلاتنا، مما وقع فيه السياسيون الإسلاميون من التيار الحداثي التافه، فارتهنهم وأسرهم، لفرط جهلهم وضحالتهم، أو حين انقادوا لأهوائهم ونشبوا في حبالة عمالتهم.. فسنجد أن العالم يخضع لقوة عظمى، هي رأس وقمة منظومات متعددة من القوى الكبرى، تتقاسم السلطة وتتوزع المال، تهيمن على العالم وتتولى إدارته على النحو الشرير الذي نرى ونشهد.
عالم مطبق في الظلم والجور، ممتلئ بالفساد والانحطاط، غارق في التزييف والدجل، على الرغم من كل دعاوى التطور والمدنية، والتبجح بالقيم الأخلاقية والإنسانية، ومزاعم المثُل السياسية المتطورة ولا سيما الديمقراطية. كل هذه أكاذيب وخدع وخيالات وأوهام.. حتى التطور العلمي والتقني (في المعلوماتية والاتصال والنقل والطب والسلاح وغيرها)، فإن المبذول المتداول منه، هو طور وإصدار متخلف (لعله طوي منذ عقود) بالنسبة لما يستأثرون ويختصون به أنفسهم، في دوائر سلطتهم وأدوات حكمهم العالم.
وكنا في السبعينات نستشهد على هذا الظلم والتردي بتباكيهم على مجاعات تفتك بالهند وأفريقيا تستتبع حملات إغاثة، في مقابل إلقاء ملايين الأطنان من القمح في المحيطات، للمحافظة على سعره!.. وها قد ظهر كم هو ساذج هذا المثل، وقليل في إدراك مدى انحطاط وجور القوى الكبرى، مقارنة بما انكشف اليوم وبان، فهم يخلقون الإرهاب، يأسسون له عقيدة ويجعلون له ديناً، يغذونه ويربونه، يدعمونه بالمال والإعلام ويوفرون له الغطاء السياسي والحقوقي الذي يبلغ درجة الحرية المطلقة والحصانة التامة، ويتكفلونه في بيئات حاضنة، مستنقعات آسنة، ينشأ فيها ويتكاثر، حتى إذا استفحل بعد أن تتم الحشرات دورتها، والبيوض فقسها، وصارت تحمل الملاريا والطاعون، بل حين تخرج قطعان الضباع من أوجارها، وتفلت في الفيافي والقفار من عقالها، لتقحم المدن وتجوب الحواضر وهي تتضور جوعاً وتتعطش للدماء سفكاً، تنقض على المجتمعات الآمنة تنهش وتفترس، وتفتك وتدمر.. عندها، نهضوا لمحاربتها، وأدخلوا الشعوب والبلاد في طور جديد ومرحلة تالية، وخلقوا جبهات أقحمونا فيها، شئنا أم أبينا!
هذه القوى هي التي تحكم العالم وتسيطر عليه، وهي وإن تفاهمت وتقاسمت الحصص، لكنها تتنافس فيما بينها وقد تتصارع وتتحارب، هي ومن تبعها من بلاد متخلِّفة ودول موكول بها إدارة مناطقها وبلادها، بشعوبها وخيراتها..
فإذا انتفض شعب ونهضت حركة، وقامت على النظام العميل الفاسد، ينظرون: هل تصب الحركة في طول مصالحهم وتنسجم مع منظومتهم؟ (وهي عريضة واسعة تستوعب صوراً متنوعة وأشكالاً مختلفة، بل متناقضة في بعض الأحيان!).. فإن وجدوها تفعل، دعموها ونصروها، أو قل: أفسحوا لها لتنتصر وتسقِط سابقتها، ويبقون يرقبون، يتحينون ساعة تدخلهم ولحظة الجني والحصاد التي تعيد ملأ صوامعهم، وتجعل الثورة تنطوي تحت عباءتهم وتدخل في كنفهم، بعد أن تركوها حيناً ولسان حالهم: “ذره في سنبله”. أما إذا أدركوا في الحركة أصالة ونقاءً، وعرفوا سعياً لنشر العدل ونفي الجور، وتحسسوا خطراً جاداً قد يزهق الباطل ويقيم الحق حقاً، ورأوها تقاتل في الجبهة الحقيقية، لا تخدعها الجبهات الوهمية ولا تنشغل وتلهو في الجانبية، حاصروا الثورة وقمعوا الحركة ونكلوا برجالها، حتى يقف المؤمن الذي تعجَّل القيام على حقيقة أنه “فرخ طار ووقع من وكره فتلاعبت به الصبيان”، وكيف “اصطلمته البلية وكان قيامه زيادة في مكروهنا وشيعتنا”..
وبعد، فإن القوى العظمى ليست أمريكا ولا روسيا، ولا بريطانيا ولا فرنسا، ولا الصين ولا اليابان ولا ألمانيا، ناهيك ـ بطبيعة الحال ـ بالأنظمة التابعة، والدول الموزعة على مناطق نفوذ هذه وتلك… هذه كلها دمى على مسرح عرائس، أحجار بيادق وفرسان ورواخ وفيلة، على رقعة شطرنج تحركها مراكز أصل ومنظمات أُم، كالماسونية والصهيونية ودوائر أخرى لم يظهر لها اسم ولا بان لها رسم، ولم تطالها حتى الإشارة بعد!
ووراء ذلك كله شخص واحد غائب عن المشهد، متوار عن الأنظار، قابع في مخبئه، مستتر بمكائده وحيَله، متخف بأشكال لا تخطر على البال! وهو ـ في الوقت نفسه ـ ملازم لجنده وأبنائه، ومرافق لأنصاره وأعوانه، ملتصق بهم، لا يتركهم خطوة ولا يفارقهم طرفة، حتى إنه ليجري منهم مجرى الدم في العروق! إنه الشيطان الرجيم… الكائن الذي تحدى الله تعالى منذ خلق البشر! وأبى لهذه الحياة إلا الصراع، وآلا على نفسه إثبات فشل فكرة جعل خليفة لله في أرضه، وبطلان وراثتها وإعمارها بما يرضيه سبحانه وتعالى.
هنا فقط يجري الصراع وتدور رحى الحرب وتقوم المعركة، هذه هي الجبهة الحقيقية الوحيدة، أما بقية الجبهات فظاهرية وهمية، جلها تكتيكات ومناورات، فرقعات إعلامية تصم الآذان وتغشى الأبصار عن الحقيقة.. هذا هو الميدان فحسب! وما سواه يريد الإغواء ويهدف الإلهاء، والغريب أن الجميع هنا يجهد بإصرار أن تبقى الحرب الحقيقية خفية، ويحرص أن تمضي غير معلنة، لا تظهر للعيان، ولا يأتي أحد على ذكرها في الإعلام! كأنها لا تدور في مكان ولا تحتدم في زمان، حتى إنهم لا يتداولون اسم القائد وذكر الآمر الأكبر الذي يدير الحرب، ويوجه المعركة ويتولى أمرها! وقد ترى أحدهم يلعنه ويستعيذ بالله من شره إذا نسي شيئاً أو تثاءب من نعاس، وهو منخرط في جبهته، متموضع في صفوفه، خادم مخلص لمنظومته، جندي متفان في جيشه ودولته!
لقد صنع الشيطان بكيده اصطفافات وخلق جبهات، أغوى بها المؤمنين فالتحقوا وانتظموا في صفوفها باسم الحركية الإسلامية، والمعارضة وانتزاع الحقوق، والتطوير والحداثة، والتنوير والعصرنة.. وقد وهبهم بعض الفتات كطُعم، حتى تنطلي الخدعة ويغلب الوهم. والمهم الذي حققه، والخطير الذي أنجزه، أنه ألحقهم بمنظومته وأدخلهم تحت مظلته وسقيفته!
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين أعوان الظلمة ومن لاق لهم دواة، أو ربط كيساً، أو مدَّ لهم مدة قلم، فاحشروهم معهم. وقال الصادق عليه السلام: ما أحب أني عقدت لهم عقدة، أو وكيت لهم وكاء، وإن لي ما بين لابتيها، لا ولا مدة بقلم، إن أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم الله بين العباد. وعنه عليه السلام: من سوَّد اسمه في ديوان ولد سابع حشره الله يوم القيامة خنزيراً. وعنه يضاً: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الظلَمة، وأعوان الظلمة، وأشباه الظلمة، حتى من بري لهم قلماً، ولاق لهم دواة قال: فيجتمعون في تابوت من حديد ثم يرمى بهم في جهنم.
هكذا يسيطر إبليس وينتصر.. وعبر هؤلاء يدير معركته ويباهي بتفوقه، لا بالمال والاقتصاد، ولا بالسلاح والعتاد، ولا بالتطور التقني، فهو يعلم أن لا قيمة لهذه ولا شأن لها ولا خطر، فهي ستتعطل وينتهي أمرها بين ليلة وضحاها إذا ظهر قائد الجبهة الأخرى وبدأت المعركة النهائية الكبرى، إنما القيمة كل القيمة للهيمنة على النفوس وتطويع الأرواح، بعد خداع العقول والضحك على الذقون!
انتصر الشيطان وما زال منتصراً وهو يجند الناس ويلحقهم بمنظومته وجبهاته ويدخلهم في حروبه ويخوض بهم معاركه، ولو كشف الغطاء لرأيته يسخر من فرحة بعضهم بالنصر هنا، وحزن آخرين على الهزيمة هناك، فكلها غيوم ستمطر في حقول إليه محاصيلها، وله نتاجها وريعها، والمغلوبون المخدوعون يحسبون أنهم يجاهدون ويناضلون ويحسنون صنعاً.
كل من خاض هذا المعترك وقحم هذا الميدان، تحت أي عنوان كان، فهو داخل في هذه المنظومة ومنتسب إليها بنحو وآخر، كل من اجتهد وأراد أن يحكم ويشخص الواقع بواهي نظره، ويبني على قليل علمه، ويراهن على سخيف عقله (هذا للمخلص المستضعف، ولا شأن لنا بالعامد الذي باع نفسه)، فهو مغلوب مهزوم، مركوب، امتطى إبليس ظهره وسخّره دابة يقضي عليها وَطره، وإن كانت ثمة عمامة تجلل رأس صاحبها، وغطاء يستمد المشروعية من الحركية الإسلامية والثورية والجهاد، يواري هنا ويضلل هناك، فهو لن يخفي الحقيقة، ولن يغير في الواقع الشيطاني شيئاً، وها هو قرنه ينبت في رؤوسهم ويظهر من فوق عمائمهم.
@ @ @
ترى مَن يملك اليوم ويحمل “مصحف فاطمة”؟ من له أن يعرف الحاكم القادم “ذا القباء الأصفر” في هذا الزمان؟ من يحيط بآجال الدول والأنظمة والحكام والسلاطين؟ فإذا تحرك وثار وقام، لا يكون كنازح البحر بمغرفة أو دلو؟! أو مزيل الجبل بإزميل ومعول؟ و”إن إزالة الجبال الرواسي أهون من إزالة ملك مؤجل لم تنقض أيامه”؟ ماذا لو كشف الغطاء عن بعضهم، أو عادت بهم عجلة الزمن ليعيشوا ثانية فترة سبق أن عاشوها، وشهدوا مسبقاً ما سيجري ومن سيحكم فيها؟! كيف عساها أن تكون حركتهم، وهم يعلمون أنهم يلاحقون سراباً ويجهدون بلا طائل، فلا نصيب لهم في حكم ولا حظ في ملك؟ أتراهم سيقومون ويثورون؟ هل سيضحون بالدماء والأعراض ويبذلون الأموال؟!
لا سبيل للخروج من هذا المعترك الشائك والمعضل العصيب، معضلة الحمل على الوجوه، وجدلية النقض والإبرام، والنزاع على التشخيص والمصداق، إلا بالانتساب والالتحاق بالجبهة الأخرى، الوحيدة الصادقة والقادرة على مواجهة إبليس وقهر الشيطان، والارتباط بقائدها الحجة بن الحسن العسكري صلوات الله عليه:
عمَلياً: عبر الرجوع إلى نوابه الحقيقيين، المخلصين المسددين، الذين لا ينشدون حكماً ولا يسعون إلى سلطان، لا يرفعون راية ولا يدعون إمامة وولاية… ولا بد هنا من خوض معركة التمييز بينهم وبين الأدعياء المزيفين، فلا مناص من هذا ولا سبيل سواه. وعندها إذا أفتى المرجع الأتقى الأعلم بجهاد، ودخل في حركة وخاض معركة (كما هو الحال في تصدي الحشد الشعبي للتكفيريين)، علمت أنك في جبهة الحق، وأنك من كيد الشيطان في حصن وأمان.
وروحياً: عبر زيارته وتعاهد سبل التواصل معه والارتباط به (وحري بنا التزام مراجعة “مكيال المكارم”)، ولا سيما مبايعته وتجديد العهد له في كل يوم..
لا ينجوا من كيد الشيطان الذي توعد: “رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين” ، “إلا عبادك منهم المخلصين”، الخارجين عن تلك السقيفة، الذين لم يغتروا بالحياة الدنيا عن الآخرة، فزحزحوا عن النار.
وبعد، فإن ما ترى من غلبة وملك وسطوة وقهر، لا يعني أن القدرة لحزب الشيطان دوماً والنصر حليفه أبداً… كلا، فإن كيد الشيطان ضعيف، وإن يسلب الذباب جنده شيئاً لا يستنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب…
إن السلطان والقوة الواقعية في مكان آخر، والأمور طرّاً بيد المولى صلوات الله عليه، وهو يدير من مغيبه المعركة ويدبر أمر العالم، ولا سيما أمر مواليه ورعيته.. لكنه لا يشاء إلا ما يشاء ربه، وقد قضى أن تجري الأمور بأسبابها، فحكمت الطبيعة، وغلب قانون الأرض والمادة والدنيا، فلزم أن تستوفي الفتنة مداها، ويأخذ الابتلاء وسعه، ويقضي أرباب الباطل وطرهم ويأخذوا فرصتهم.. وهذا كله مجلل محكوم بأصل: “إنا غير مهملين لرعايتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطلمكم الأعداء”.
ويكفي للتدليل الوجداني ما يُشهد في أدائهم من مواقع ومحطات تبعث على الذهول، أخطاء قاتلة، وسعيٌ أشبه بالجنون، يتخبطون ويتصارعون، فيخربون بيوتهم بأيديهم، ويقوضون صروحهم بمساعيهم. ماذا عسى المراقب أن يحلل ما فعلوه بطالبان أفغانستان، وبصدام العراق، وبالقاعدة في كل مكان؟! هل من خدم وجند لإبليس أوفى من هؤلاء؟ هل من أنصار للباطل أخطر من أولئك؟ ماذا عساه أن يتمنى الشيطان ويرجو من أعوان وأنصار أفضل من هؤلاء الذين صب حممه على رؤوسهم ودك مواقعهم وأجهز عليهم!؟ بل حتى القاعدة نفسها، مَن الذي استدرجها وأعمى عينها وكاد بها، لترتكب تلك الحماقة وتضرب في عقر دار سادتها وتطعن ظهر الذي غرس نطفتها وزرعها في رحم الجزيرة من قبل وغذاها؟
إنها إرادة المولى، ويده العليا، أدارت كيدهم ليعود عليهم ويرتد إلى نحورهم، وساقتهم ليعثروا في حبالتهم ويسقطوا في حفرتهم.
إنه صلوات الله عليه يرعانا، ويتولى أمرنا بدقة تفوق حواسيب القوم وأجهزة رصدهم وتجسسهم، والتقارير تعرض عليه، كل اثنين وخميس… وليس علينا إلا أن نحسن علاقتنا وارتباطنا بإمامنا، نتأدب في حضرته، والعالم كله حضرته، نحذر ما يوجب سخطه من هتك المقدسات، لا نخرج من حزبه وكنفه إلى انتسابات وانتماءات وولاءات منحرفة، تعظم تافهين، وتوقر حقيرين، وتتبع منحرفين… وإذا وقع غيرنا في فخ وبلاء وفتنة غيبته صلوات الله عليه، فشككوا في وجوده، فلا نقعن نحن أولياؤه في تغييبه، فنجاريهم ونقترن بهم، ونتجاهله والعياذ بالله.
لقد قضى الله سبحانه وتعالى أن لا يُعبد إلا إياه وبمحمد وعلي إحساناً، ووعد أن يرث المستضعفون الأرض ويمكنهم فيها.. فإذا استوفت الأمور مقاديرها، ونضجت، ومضت البشرية المستكبرة في عصيانها وجبروتها وجورها، وأمعنت في تمردها وعقوقها، أتاها أمر الله بما يرغم أنفها، ويمرغ كبرياءها في وحل الهزيمة، ويركسها في الضعة والهوان.
وحتى ذلك الحين، علينا أن لا ندخل في بيعة غيره، ولا نتخذ دونه وليجة وسواه مطاعاً، وأن نأوي إلى كهف ولايته، وإن اقتضى الأمر أن نبات ونرقد في سبات، فهناك أيد ستقلّبنا ذات اليمين وذات الشمال، وإذا وافانا الأجل، فإن الميت في فراشه وهو على هذا الأمر شهيد، كالمتشحط بدمه بين يدي رسول الله، وسنبعث من جديد في الرجعة لتقر أعيننا بيوم النصر الموعود، فهل من رحمة ونعيم بعد هذا؟!
“وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقاً”
التعليقات