كثيراً ما تعمد أجهزة المخابرات (وكذا الأحزاب الإسلامية) إلى وَاجهات تتستر خلفها، ولافتات تختفي وَراءها، تداري قبحاً طالما عرفت به، أو تَنفّر الناس وتحسّسهم، بل خوفهم منها، تنشئ بذلك النطاق الذي تحتاجه لحركتها، وتخلق الميدان الذي يلزم لفعلها ونشاطها، فتنفذ في الساحة عبر هذه الواجهات وتتوغل في المجتمع من خلال: مراكز دراسات، لجان بحوث وعمل، وحدات متابعة وإحصاء، مؤسسات إعلامية، جمعيات ثقافية، منظمات حقوقية وإنسانية، ولربما مساجد وهيئات!
“مركز الإسلام الأصيل” هو إحدى هذه الواجهات.. هذه هي حقيقة هذا المركز وخلفيته.
والعمل “الحركي” الإسلامي كان وما زال ويبدو أنه سيبقى على ضربين: فاعل ولاعب.
الأول ينخرط في الجهاد والنضال، يحمل السلاح ويأخذ بأسباب التأثير العملي، وعناصر التطويع الفعلي، وعوامل التغيير الحقيقي، كالعنف والقوة، رداً ودفعاً، يقحم ساحات المقاومة وينبري للمواجهة، يخوض المعارك ويشهد الحروب، فيصاب ويجرح وتنزل به العاهة والإعاقة، وقد يستشهد، أو يُأسر فيعدم، أو يعتقل ويعذَّب فيُحكم ويُسجن، وقد يشرَّد عن الوطن ويقصى عن الأهل والولد، نفياً وإبعاداً، أو هجرة تلتمس في الأرض مراغَماً وسَعة.
والثاني (اللاعب السياسي) ينقسم بدوره إلى معلِن متجاهر، وآخر مخابراتي متستر، وهذا الأخير ذو تشعبات وفروع كثيرة، أخسها وأرذلها الجناح الجاسوسي في الساحة الإيمانية! فئة ينتخب لها الدون الخسيس، ولا يلتحق بها إلا الرذل اللئيم، توكل إليهم مهام يأنف منها المؤمن، ويترفع الإنسان السوي عنها، ناهيك بالماجد الشريف والنجيب العفيف.. فئة شغلها الشاغل التجسس على الناس، رصد وملاحقة آرائهم، ومراقبة مواقفهم، وإحصاء حركاتهم، وإذا امتد النفوذ وبسطت اليد يوماً أو في مكان، فتمكن “الإسلاميون”: بثوا ـ عبر هؤلاء ـ الرعب في النفوس ومارسوا الإرهاب الفكري، وعمدوا إلى التزييف والتدليس في سبيل تلميع قادتهم ورفع رموزهم وتسويق شخصياتهم، وهيمنة فكرهم وتمرير مقولاتهم، وقمع معارضيهم.
ومما يوكل إليهم فيؤدونه بمهارة ويضطلعون به بتفوق وامتياز: خلق الفتن في الساحة الإيمانية، وبث الدسائس وإثارة النعرات وتأجيج الخلافات وخلق المعارك وإحداث الجبهات، كل ذلك بما يخدم مصالح الحزب ومشروعه، فإذا اقتضت يوماً الصلح والوئام والهدوء والانسجام، رأيت تلك الذئاب الضارية حمائم سلام! إنه دور”وضيع” ومهمة “قذرة”، هكذا تصنـف في نطاق المؤمنين، ويشار إلى الناهضين بها والقائمين عليها في أوساطهم، فالمؤمنون يكنون احتراماً للمناضلين ويحملون تعاطفاً مع المجاهدين، ذلك أن الشجاعة والبذل والتضحية قيمٌ وكمالات تفرض نفسها على أية حال، وَافقك من يتَّصف ويتمتع بها في الفكر والرأي أم خالفك، فهو يفرض احترامه عليك وينتزع تقديرك له. فأنت تميز ـ على سبيل المثال ـ بين يساري ثائر كـ”جيفارا”، ترك الدنيا (وكانت مبذولة له وفي متناوله) وعاش في الأدغال حاملاً سلاحه، وبين”منظِّر” قابع في مكتبه يتنطَّع ويتفلسف بالهراء، مثل ذاك “الثوري المتخم بالصدف البحري ببيروت، تكرَّش حتى عاد بلا رقبة”، كما يقول مظفر النواب.
“مركز الإسلام الأصيل” (له أفرع في مختلف بلاد الشيعة ولا سيما دول الخليج)، هو واجهة مخابراتية من النوع الثاني، الجاسوسي القذر.. لم يحمل مديره في عمره بندقية ولم يطلق رصاصة (ودع عنك الاستعراض والتقاط الصور الدعائية)، لم ير معتقلاً وسجناً ولا عرف وتعذيباً ولا قاسى حرماناً، لم يلاحق في حياته بمذكرة توقيف ولا كان مطلوباً لحكومة ولا طارده عدو.
فـرَّ من الزحف مبكراً وإسرائيل تسرح في بلاده وتمرح، فلم يخض جهاداً ولا شهد مقاومة، وترك الميدان وأخلاه إلى ما يناسب طبعه في التسلق والتملق، وراح يستأكل بالثورة من قم، ويتَّجر بدعوى الجهاد من هناك، منعماً بالمال، آمن السرب هانيء البال. والغريب أنه استطاع أن يتلون ويتقلب، حتى تهرب، فلم يشارك في الحرب المفروضة ولا التحق بالمجاهدين العرب هناك، فلا بات ليلة في مهاجع معكسر الأهواز أو خنادق فيلق بدر، ولا عرف جبهة ولا قاتل في محور، لم تأكله البراغيث في هور الحمار، ولا أرعبته خنازيره المتوحشة، لا تقرفص من صقيع جبال كردستان ولا حذر دببته الغادرة.. وباختصار يلخص الحال، لم يتحمل الرجل في طريق “ذات الشوكة” المزعوم وَخزة، ولا بذل للثورة من دمه قطرة، لا صرف لها من ماله قرشاً، ولا تنغص من عيشه وأقض وَثير فراشه ليلة.. بل قضاها في رفاهية من العيش وَادعاً فاكهاً، منعماً براتب جزيل وإمكانيات المخابرات وصلاحيات العميل، وإغداق مكاتب المرجعيات المزيفة وكرمها من جيب غيرها، من بيت المال وخمس صاحب الزمان ولي أمر المسلمين. كل رصيد الرجل و”عطائه” الثوري ينحصر في كتابة تقارير عن الطلبة اللبنانيين والعرب، ورفعها للمخابرات الإيرانية، ثم مساومة الطلبة وإذلالهم ملوحاً بسلطته ونفوذه ومسموع كلمته! ولا أريد التعرض إلى خفايا شخصيته، وتناول الثغرة الغائرة والخاصرة الرخوة، تلك التي ركَّبت العُقد وعمقت الآفات الروحية والأمراض في نفسيته، وكيف وظفت المخابرات ذلك وسخرته لمشروع الفتنة ورفد الضلال، فالدور القذر يتطلب شخصاً من تلك السنخية والطبيعة، لا يقوى على رفع رأسه والنظر في عين خصمه!
أما الحوزة والدراسة والفضيلة، فتكفي إجاباته في فضحه، وكشف درجته وسطحه.
يطالعنا هذا “المركز”ومديره مع اقتراب عاشوراء وبدء موسوم العزاء في كل عام، بحملة منظمة ضد الشعائر الحسينية، عبر مختلف أدوات ووسائل الإعلام، ومادتها طائفة من الآراء والفتاوى، وقل إن شئت من التفاهات والافتراءات، فهي مقولات أجيب عنها ودفعت عشرات المرات وأشبعت بحثاً وقتلت نقضاً ودفعاً، وفتاوى هي أكاذيب ملفقة ودعاوى مفتراة على المراجع العظام، مجرد تهريج ومزايدة، وتملق ونفاق، على طريقة من يرمي سهامه وهو يقول:“اذكرني عند الأمير”.. وقد انتهى الأمر منذ أمد، بعد سجال الاحتجاجات وجولات المناقشات، إلى تعصب وعناد، وحتى لا نساهم معه في فتنته، نقول: إلى قناعات يعمل بها كل مكلف، كأية مسألة خلافية، سواء في الفتوى أو التطبيق، كما هو الحال في ثبوت هلال شوال، أو حكم ستر الوجه للمرأة، أو طهارة أهل الكتاب، وما إلى ذلك، فلماذا الإصرار على إعادة إذكاء النار؟ لماذا يعيد “المركز” إثارة القضية ويجدد إضرام النار الخامدة فيها وكأنه يلتذ بالصدام والمواجهة بين المؤمنين؟ وينتشي من إشغالهم ودفعهم إلى التخندق والتموضع ضد بعضهم؟ وفي أدنى الأمر وأقلِّه، صرفهم عن التفرغ لواجب العزاء إلى هذا النزاع!؟
هل تراه يرجو حقاً لحملة إعلامية سمجة تخنَّث خطابها تملقاً لربها وممولها، وتضرع موقفها تذلُّلاً ونفاقاً لقائدها وموجهها، أن تصرف مؤمناً محباً لإمامه، ملأ العشق قلبه فصار في الغرام، وفاض به الولاء فبلغ الوجد والهيام، وأخذه الشوق إلى عنان السماء، في معراج تغبطه عليه الملائكة وسير ورقيٍّ تحسده الإنس والجن، يبلغ عناق ساق العرش، واحتضان أعمدة وأركان الفرش، ولثم أقدام سادته القوَّام والأشهاد هناك.. تصرفه وتثنيه عن الجزع والتطبير نزولاً عند هراء حقير، وكذب حبله قصير؟! ألا فأنشد مع المتنبي:
قُبحاً لوَجهك يا زمانُ فإنه @ وَجهٌ له من كلّ قُبحٍ بُرْقُعُ
نعم، هناك صغار وسذج وعوام يتراءى لهم السراب ماءً، ويحسبون كل لامع بارق ذهباً، وكل جعجعة طحناً.. يؤخذون بضجيج الإعلام، ويغرر بهم الوهج المصطنع والبريق الذي يخلع على بعض الأشخاص، والرنين الذي يقرن بأسمائهم، والأدوار الخطيرة التي توكلها المخابرات لهم، برعونة وعبث، كإجابة الاستفتاءات وبيان العقائد والأحكام للناس (غير مكترثين بالأخطاء الفاحشة التي تقع منهم، والخلط والخبط الذي يصدر عنهم، وجهالات تضحك الثكلى، آخرها ما نشره “المركز” حول مسألة ثبوت هلال ذي الحجة عند الخلاف بين ما يجري في السعودية وما يثبت عندنا، فقد أفتى الأرعن باسم السيد الخوئي برجوع الباقين على تقليده إلى غيره لمعالجة الأمر! والحال إن السيد الخوئي يفتي بعدم صحة الحج مع العلم بالخلاف!) ما يوحي أن لهم خطباً في العلم وشأناً في الثورة..
ولكن هذا لا يخدع طلاب العلم في الحوزة ولا مَن عاش الثورة منذ بدايتها، وواكبها عن قرب وسبْق لا يجاريه فيه أحد من هؤلاء الأدعياء، ركَّاب الموجة بعد نهاية الثورة، وفضلاء الفضائيات والإعلام، لا التحصيل والالتزام.. هناك من يعرف الرجال ويميز الأشخاص، ويدرج كلاً في موقعه: في أية مرحلة علمية هو؟ هل يتناسب واقعه العلمي مع ادعائه والدور الذي انبرى له أو أوكل إليه؟ ثم ما هو موقعه في خارطة الثورة ومنظومة الثوريين: هل هو من “السابقين الأولين” ليكون من “المقربين”؟ متى التحق بالثورة وماذا قدم؟ أين كان قبل “الفتح” وأين صار بعده؟ ماذا فعل في سني الفقر والحصار، وزمن الحرب والجهاد؟ أم هو ابن الغنائم والمكاسب وبطل بعد انتهاء الحرب ودخول الجمهورية في الرخاء؟.. هذه أمور ومعايير في التقييم لا ينطلي تزييفها والعبث بها علينا ولا يخدعنا ضجيج الإعلام وصخبه عن الحقيقة.
وبعد، فإن هذا المركز ومديره لا قيمة لهم ولا خطب، ذلك أن أمرهم خارج عن إرادتنا وفوق طاقتنا، تحركه مصالح عليا لدول وحكومات وأجهزة مخابرات، لا طاقة لنا بها ولا طائل من حربها… فإن هامش تكليفنا تجاهها ودورنا في مواجهتها محدود، ينحصر بعد تفنيد مقولاتها، في كشف وتعرية حالها، وبيان حقيقتها، فإن غلب سلطانها وطغت أموالها وقدراتها، فلا ضير ولا غضاضة، والدور بعد أداء التكليف ليد الغيب، هي التي ستجعل كيدهم في تضليل، وترد بأسهم عن عقيدة المؤمنين وحياض الدين، وترجعه في نحورهم، وتشغلهم عنا وعنه بأنفسهم.
إنما الخطر الذي يتوجه إلى الشعائر الحسينية يأتي من مكان آخر!..
فواعجباً! أن تشرع أبواب خدمة سيد الشهداء للقاصي والداني، للكبير والصغير، للعالم وغير العالم، للفقير والغني، وحتى لغير الملتزم كما هي للمتدين الملتزم.. ثم يحرمها المرء؟! ولا سيما بعد طور في الانخراط بها وعهد لا بأس به معها! ترى كم عساه أن يكون شقياً وتعساً حتى يحرم الدخول في هذي الرحاب؟ بل يخرج منها بعد أن دخلها يوماً واغترف من أنهارها وأكل من ثمارها وتفيأ بظلالها ما شاء الله؟.. كان فيها يخدم مولاه ثم انثنى يمدح سلطاناً أو يمجد عالماً أو ينصر جماعة وحزباً، أو جعل من نفسه محوراً وقطباً؟!
إخوتي وسادتي الأماجد خدام سيد الشهداء: خطباء وكتاب ورواديد وشعراء، أصحاب مآتم ومواكب وهيئات، وكافة العاملين في هذا الحقل الإلهي والراعين هذا الغرس الملكوتي.. ليكن محورنا سيد الشهداء فقط، حسبنا الحسين، لا شعار ولا اسم ولا صورة ولا رسم إلا له وللكوكبة السماوية الملتحقة بركبه، إياكم والشيطان الذي يأتيكم من باب التسويل بأن: “صورة هذا العالم خدمة للشعائر”! و”إنما نمجد هذا الحزب لأنه يسعى في أهداف ثورة الحسين”، و”الالتفاف حول شخصي يقي الناس من الانجذاب لأرباب الضلال وأئمة الباطل”!.. دعونا ننسى أنفسنا، وننسى بذلك كل روافد الأنا أو مخرجاتها من حزب واسم ورمز وعنوان ولافتة تصرف الناظر والقارئ والحاضر والزائر والباكي واللاطم والجازع ـ ولو للحظة ـ عن مخدومه الأصلي وإمامه الحقيقي ومعشوقه الذي لا يقبل الشرك والقسمة، وإن قبلها بكرمه وفضله، فالغبن والغُرم علينا، والخسارة تطالنا نحن لا غيرنا.
هذا ما يتهدد حسينياتنا وشعائرنا، أما حزب الدعوة وفضل الله ومركز الإسلام القصير، فخطابهم كفيل بسقوطهم، ونجابة المؤمنين رادع عن قبولهم، والأيام أثبتت هذه الحقيقة وبرهنتها بالوجدان.
التعليقات