ليست كربلاء كغيرها، هذا ما تشعر به إذا دخلتها وبدأت تعيشها: تستنطق معالمها وتحاكي فضاءها… قد تعيش رضا الطاعة وفرحة التوفيق إلى الزيارة، وأنس اللقاء ولذة الجوار، لكنها لذة تكدرها مرارة، وأُنس يشوبه ضيق وهمٌّ، وفرحة يحيط بها حزن وترح، ورضا يعتريه توثب ويكتنفه اضطراب.. وأنت تجهل العلة، وتنكرها في شيء من أسباب عيشك وتوالي أحداث نهارك!
لا سكون هنا ولا استقرار، ثمة ما يهيج ويقلق، ويورثك حزازة وكمداً… وقل إن شئت كرباً.
هنا تدرك وُجداناً وتعلم يقيناً بأن “الأمر” لم يتم ولم ينقضِ، والإضبارة لم تغلق ولم تنتهِ، والملف لم يطوَ بعدُ… ما زال مفتوحاً يفيض، ومعلَّقاً ينتظر ويرتقب، ومنشوراً يُـقرأ ويتلى ليلاً ونهاراً، ويردَّد ويذكر على مدى الأيام ومدار العام، لا يوفر حتى الأعراس والأعياد والأفراح ناهيك بمناسبات وفواتح الترحم على الأموات! فإذا فرغ قرّاء ونادبون قام آخرون، وعقدوا المجالس وتلوا السيرة وسردوا القصة وعدّدوا الجناية والظلامة وعرضوا لائحة الاتهام وأحصوا أسماء الجناة، وأنشدوا ورثوا، وانتزعوا الدمعة والزفرة والصرخة، فأي عيش بعد هذا يطيب، وأي صفو ترجو وتروم؟ وقد صارت الحياة مناحة وانقلبت الدنيا صيحة، سرت إلى باقي العوالم، جان وملائك، وسكان سماوات وملكوت، وعرش بعد فرش، أم هي سبقت عندهم وجاءتنا من هناك؟ لست أدري!
هنا وِتر في نفسه، فرد في قضيته، أوْحدي لا ثاني له، لا نظير ولا مثيل.. وهنا ذحل وثأر لم يُأخذ، وتِرة معلَّقة، وهي من الرفعة والسمو والذروة ما جعلها “وِتر الله وثأره”، لا “دم” قريش ولا وتر بني هاشم… جريمة ومصرع، وراية حمراء مرفوعة، وأجواء تهيمن على الشجر والحجر، والهواء والماء، فإذا هبت ريح انتشرت الراية وخفقت، فأرسل نشرها في الفضاء سحراً وعمَّم طاقة وثقلاً، ينفي المسرات ويطرد الأفراح، فلا يلتذ أحدٌ بشيء، لا دهن ولا طيب، لا شواء ولا طعام!
ليس هذا مرقداً ومزاراً! ليست هذه البقعة المقدسة والعتبة العالية مثل نظيراتها في بغداد وسامراء وخراسان، ولا حتى في المدينة المنورة والغري الأغر! على الرغم من هامة عرشية فلقت في محرابها، وجنازة ملكوتية شكت أكفانها بالسهام، وأكباد تقطعت من مرارة السم، وجثمان مكبل بالقيود وهو في نعشه على أكتاف حمالين يريدون له الهوان…
هنا شيء آخر.. ما كأن الأمر تمَّ وانقضى، والحسين قتل واستشهد! وإن نادى المنادي: هذا ضريحه ومشهده؟!
ما زال الأمر مُرجأً مؤجلاً… الحسين حيٌّ، ما زالت عروقه تنبض وجوارحه تتحرك، وإن كانت جروحه لا تنزف حذر أن تتلقى الأرض الدماء فتقوم قيامتها، حتى رفع ما أريق وعرج ما انسكب ليسكن الخلد، وقد اقشعرت له أظلة العرش مع أظلة الخلائق، وبكته السماء والجنان وسكانها، وكيف لسكان الجنان الذين أذهب الله عنهم الحزَن أن يبكون؟ هذا أيضاً مرجئ فهمه! ومع كل خفقة تسمع وَجيباً تخاله سيُهمد إن تكرر ثانية الوجود، وينهي إن عاود الحياة، من لوعة المصاب وغصَّة الاكتئاب، فيحتجب عن سمعك وتُصمُّ عنه أُذنك، لتمضي وتعيش إلى حين أجلك! ولكن ما زالت أنفاس الذبيح تتصاعد، وأنت تشعر بها مع كل شهقة، كأنها تخلي الفضاء من الهواء وتكتم أنفاس الخلق هنا، وتملأ صدورهم ضيقاً! فإذا زفر بالصعداء، تنفسوا معه وعادت إليهم أرواحهم الحبيسة في اللوعة والمليئة بالحسرة…
إنه حيٌّ لا عند ربه كما الشهداء، وهو سيدهم، بل هنا، على هذه العرَصات وفي هذه الأنحاء، كأنه لم ينتقل إلى برزخ ولم يهاجر إلى آخرة، ولم يعرج كما المسيح إلى سماء، بل بقى بين ظهرانينا، يتحمل آلامنا، ويتولى هدايتنا، ويبث في قلوب شيعته ومحبيه الحياة، ويضخ في أرواحهم إكسير الحق والمعرفة، ويعلمهم ويشرع لهم سبل وأبواب الخلود، فيتلقونه ويتشربونه، فيبكون ويلطمون ويجزعون.. هكذا يلتقون ويتَّصلون به وبجوهر قضيته، ويستلُّون من فاضل طينته ما يربطهم بسنخه وطبيعته، بالشرف والطهر، كل الطهر والشرف…
يغيب الأمر ويتراجع حضور المشهد في انشغالات السفر ولوازم الحِلِّ والترحال، فتنصرف لشأنك شيئاً، ولكنه لا يلبث أن يعود مع كل سكنة وهدأة! وكل تشرّف وزيارة، وأنت تتلو: “أشهد أنك قتلت ولم تمت، بل برجاء حياتك حييت قلوب شيعتك، وأشهد أن هذه التربة تربتك وهذا الحرم حرمك، وهذا المصرع مصرعك”… وأمثال هذه النصوص النورانية التي تسطر ملحمة النزاع بين خلود المخلوق الكامل وامتناع الموت عليه، مع موت مقدر في هذه النشأة وخضوع لخالق يفعل ما يشاء، والخلط الذي قد يأخذك إلى الغلو، ويحرمك من ورود رويِّ هذه العين والنهل من عذْب هذا المشرب. فإذا تلوت زيارة عاشوراء، وقفت على بيان عسكري صاعق، فقرات تكاد تكون منفصلة، يتلوها خطاب ملؤه غضب الله وسخطه، وفجعة العرش وهلع سكان الملكوت الأعلى، ولحن يحكي نتائج معركة، وتقرير يدرج الحدث في موقعه التاريخي الصحيح، ممهوراً بخاتم تكويني وعهد قاهر رباني، يأبى أن يقع في عاشوراء وذكراها تحريف وتزييف، مهما كاد الباطل وناصب جهده!
كل شيء هنا يحدثك ويخبرك بأن الخطب ما زال فظيعاً والحدث صاعقاً والهول قائماً…
حق لجند إبليس وجبهة الطاغوت خوفهم وحذرهم! حق في قاموس البغي والطغيان أن يحزوا رأس الحسين ويفصلوه عن بدنه! ويقطعوه أوصالاً، ويجيلوا عليه خيلهم حتى تطحن جناجن صدره، فلا تبقي منه شيئاً، ولعلهم عمدوا إلى حرق المخيم لتطاله النيران، فيحال رماداً تذروه الرياح، فلا يعود في شخصه ويرجع في جسمه! كانوا يعرفون أنه لا يموت، وأن الروح إليه ستعود، وستبقى ماثلة شاهدة، تصبغ المحيط بلونها القاني الأليم والأسود الحزين، فكانت الحيلة التالية أن يمنعوا الناس من القدوم هنا، حتى لا يعيشوا هذا الفضاء، وتسري إليهم هذه الأجواء، وتلتقي أرواحهم وتصافح أرواح الأنبياء.
هنا في كربلاء تشعر أن أمراً معلقاً ما زال ينتظر الانقضاء، ينوء بثقله على كل صدر، ويجثم على كل نفس، مزيج حزن وكآبة، وغضب يهيج للثأر والانتقام مع خلَفه المهدي المنتظر، ونار تستعر، تأخذك إلى ما خلقت لأجله وانحدرت نجيباً لتطاله وتناله، وعفّت أمك وشرف أبوك ليخلفانك، فتكون: ممن يزور كربلاء، ويقيم العزاء على سيد الشهداء…
التعليقات