من أقبح عمليات المصادرة التي يعمد إليها الحداثيون الإسلاميون، وصوَر”رمتني بدائها وانسلّت”التي يمارسونها، قيامهم برمي التيار الديني التقليدي، والناهضين بشعائر العزاء الحسيني، بتهمة خدمة الإنجليز، وقذفهم بتحقيق غايات الاستكبار العالمي! والحال إن الشبهة تدور حول القوم قبل غيرهم والتهمة تعلق بهم دون سواهم، وما زال الخبير الحصيف يشير إلى أنهم ربائب الإنجليز بل صنائعهم، وإن خفيت هذه الحقيقة في الحقب الماضية في طيات ضرورة العمل السري، ودارتها التعقيدات التي تلتفُّ بقضيتهم وتكتنف أنشطتهم، ما خدم النأي بأنفسهم عن دائرة الاتهام، فوجهوا الأنظار إلى مكان آخر، وانسلُّوا بمكرهم ودهائهم وغلبوا بإعلامهم وتنظيمهم… فإن الحال اليوم لم تعد كذلك، بشهادة الواقع الذي نرى ونشهد، من تمسك أمريكا وبريطانيا والقوى الغربية بهم كخيار وأولوية، وتبنِّي الغرب ودعمه لهم، سواء في مصر (الإخوان المسلمين) أو العراق (حزب الدعوة) أو غيرها من البلاد المبتلاة بويلاتهم!
وكثيراً ما يكرر الخُرق الحمق، السفهاء السخفاء، أكذوبة مختلقة وفرية ملفّقة، تروي قصة السفير البريطاني في العراق الذي شوهد يتبرع بالأكفان سراً، لتوزع على المطبرين! وفي آخر الصور والسيناريوهات المتداولة لهذه الدعوى الهزليَّة، يقول رقيع أنوَك، تقطر السفاهة من تقاطيع وجهه، ويسيل لعاب الهوج من فمه:“ركن سيارته الرولزرويس في زقاق يداريها، وناول قائد موكب التطبير الأكفان”!… ومع إن زخرف القول هذا يحمل معه أدلة بطلانه، ويشهد على افترائه وإفكه بنفسه، إلا أنني كثيراً ما سمعته من مثقفين وقرأته في مقالات متعلمين يدَّعون الوعي والتنوير وينادون بالإصلاح والتطوير، حتى درج على الألسن ودخل في احتجاجات القوم واستدلالاتهم! وناهيك بأنهم لا يقدمون على روايتهم دليلاً ولا يذكرون لقصتهم مصدراً ولا يعينون أشخاصاً ولا يحددون مكاناً، مما يسمح بالتحقيق ويتيح التثبت، أو يشرع باب ذلك، فإما أن يخلص الباحث المحقق إلى نتيجة أو لا يفعل! … فإن تهافت الدعوى بيِّن لا يخفى، وأقلُّه أن يتساءل المرء: ترى، أليس للسفير البريطاني عملاء وأجراء يقومون له بهذا الدور ويأدُّون عنه هذه المهمة السرية؟ فإذا انحصر المنفذ في شخصه الكريم لدواعي التكتم والإخفاء، ألم يكن له أن يترك سيارته الرولزرويس ويستقل واحدة أخرى غير مميزة لا تكشفه؟! فيا لله وللأذهان الفطنة والعقول اللقِنة، يا للأفئدة اليقظة والذكاء الملتهب! (ومثل هذه وعلى غرارها، ما زلنا نسمع قصة يرويها دعاة الوحدة الإسلامية، تحكي أن السفير البريطاني ـ أيضاً! ـ دفع لأحد الخطباء مبلغاً كبيراً زعم أنه وفاء نذر ليقرأ مجالس عزاء الزهراء عليها السلام، يريدون أن عرض ظلامة الزهراء إثارة طائفية وتأجيج مذهبي يخدم الانجليز!)
أما الوجه الآخر والصورة الثانية، وهي عكس هذه الدعوى، أي سعي حكومات الجور والاستكبار العالمي الذي مكَّنهم من بلاد المسلمين، ومعهم المدارس الدينية المعادية للتشيع، والتيار العلماني واللاديني، سواء الإلحادي أو الإباحي، في منع الشعائر الحسينية وحظرها، أو التضييق عليها والحد من انتشارها، مما عاشه ويعيشه كل شيعي ويشهده بالعيان ويلمسه بالوجدان’ فمسكوت عنه، مغفول عن شواهده وأدلته!
إن المشكلة والمعضلة هي في العقليات والأزمة في النفسيات’ عقليات جهولة تدعي التحرر وتزعم الإصلاح، ونفسيات مهزومة ضعيفة، تراها تنادي بالحرية وتسم الآخر بالقعود والجمود والرجعية، فإذا خلى أحدهم إلى الحكام والأسياد، وامتثل أمام أهل القوة والثراء، خضع وضرع، وذلَّ وخنع. ولك أن تنظر في مشهد يصور حواراً عرضياً بين التسخيري وحارث الضاري يظهر فيه الثاني يقرِّع الأول ويتهمه ويهينه، والثاني يلوي عنقه ويلوذ بالصمت، لتقف على الذلة والهوان الذي يحكم هؤلاء، وكم يتصاغرون أمام الأعداء، وقد عنت وجوههم وخُزِمت أنوفهم، فإذا تولوا بني جلدتهم وقابلوا أهل مذهبهم تجبروا وتكبروا، وطاروا وتغطرسوا!
في عام 1987صدر باللغة الفرنسية كتاب”حياة أميرة عثمانية فى المنفى”الذي صار من أكثر الكتب مبيعاً في العالم، وقد تمت ترجمته إلى أكثر من 30 لغة. وهو للكاتبة كينيزي مراد ابنة الأميرة التركية سلمى خيرى رؤوف، ابنة السلطانة خديجة حفيدة السلطان مراد الخامس، الذى تولى الملك لفترة قصيرة وتمت الإطاحة به على يد السلطان عبدالحميد الثاني سنة 1876م، والدها الراجا أمير، حاكم دولة بادالبور في الهند…
وقد سردت الكاتبة رواية مطولة تناولت فيها سيرة والدتها الأميرة سلمى، متتبعة الكثير من الأحداث السياسية الكبرى بين أعوام 1918حتى عام 1942تاريخ وفاة الأميرة العثمانية. وقد اعتمدت أسلوب التقصي والبحث والاستماع لشهادات أشخاص عرفوا والدتها أو جدتها السلطانة خديجة، أو والدها الراجا أمير الذى عاش ما بين 1910ـ1991، وكل من كانت له صلة بحياة والدتها، وقد استغرق الكتاب عامين من التوثيق وجمع المعلومات، وأربع سنوات في التدوين والتأليف.
وفي الكتاب مشاهد وصور كثيرة تحكي حقيقة العلمانيين والإصلاحيين في روحياتهم، وآلية تعاملهم مع أسيادهم ثم مع قومهم، وصور أخرى تحكي حقيقة موقف الإنجليز من الشعائر الحسينية، ولا سيما التطبير، وثالثة عن حقيقة نظرة الآخرين وقراءتهم لنا، ومن ثم موقع هذه النظرة والقراءة في بناء عقيدتنا وسلوكنا، بين الإهمال وعدم الاعتناء، وبين المراقبة التي تورث أثراً وتخلِّف فعلاً! ومما جاء في قصة الأميرة العثمانية التي تزوجت أميراً هندياً شيعياً، مقطع تسرد فيه طقوس عاشوراء والشعائر الحسينية التي تمارس في بلاد الشيعة في الهند’ وهي في الشرفة الخاصة في الإمامبارا (الحسينية) الرئيسة في لكنو مركز الشيعة في ذلك العصر:
“لقد ناضلت سلمى بكل قواها، وكانت في البداية تتطلع باحتقار: ذلك هو الهذيان الشيعي الهستيري اللامعقول، ومن حسن الحظ أنه لا مثيل له عندنا نحن أهل السنة! كانت تقاوم الرجفة المتسللة خفية إلى جسمها لتضغطه، وتستنفذ موارد عقلها النقاد، ولكن عبثاً، فهي لم تعد تطيق دفع الدموع التي تسيل من عينيها وتعميها. ولكن لماذا؟ وماذا يهمنا من أمر الحسين؟ فهي لم تفكر بتقديسه بشكل خاص، ولو أن المسيح أو بوذا هما اللذان كان الجمهور يحتفل بهما بهذه الحماسة، إذن لبكت على الأرجح مثلهم”.
“’… امتلأت الشرفة بحشَم الراني عزيزة. ومنذ الساعات الأولى للصباح أقبلن عليها بسرعة، حتى لا يفوتهن شيء من الاحتفال… وكانت سلمى تود أن تعفى من ذلك، ولكن مقام الشرف، المحاذي للراني عزيزة، يعود إليها، كواجب، وعندما تظهر الراني بحلَّتها السوداء، فإنها لا تستطيع إلا القبول بدعوتها الخرساء.
ومن بعيد كان يأتي صوت المزامير الجنائزية، وها هي الفيلة تتقدم مجللة بالسواد، ومعها سحابة من غبار، وعلى ظهورها يهزُّ حملة الأعلام، ألوان الدول الأميرية، وكذلك يهزون الأعلام التي غنمت في حقول المعارك، لتنقل بورع من جيل إلى جيل. ثم تأتي مجموعة الجمال، بخطواتها البطيئة، وعليها الفرسان، وهم يحملون الأعلام المقدسة المطرَّزة بآيات من القرآن، وفوقها يد برونزية كبيرة مفتوحة. أفتراها يد العباس، أخي الحسين غير الشقيق، الذي ذهب ليأتي بالماء للمحاصرين الذين أجهدهم العطش، فإذا به تقطع يداه الاثنتان؟ أم تراها الأصابع الخمسة لليد نفسها، رمز الخماسي الشيعي: محمد، وفاطمة ابنته، وصهره علي، وولداه الحسن والحسين؟ ترى من يستطيع الجواب؟ وماذا يهم ذلك كله بالنسبة إلى الجمهور الذي يزدحم؟
ويلاحظ الإنسان بين ما يراه، شيئاً له علاقة باللون، فأفراد الجوقة يلبس كل منهم جاكيتة حمراء، أما العمامة فهي من الموسلين الأسود، ونراهم يمرون ويبسطون شكواهم المأتمية، وهي شكوى رتيبة، ملحَّة، ليفسحوا المجال للزولزيناخ (تقصد: ذو الجناح) حصان الحسين، الرائع، الوحيد، والمصبغ سرجه بالدم، وتراه يمشي والرأس هابط، وهو منهك وبائس. وينفعل الجمهور لهذا المشهد، فيندفع ليلمسه، باعتباره آخر رفيق للإمام. ثم يزدحم الجمهور مرة أخرى ليلمس”التازيات”العليا، وهي نماذج لقبر الحسين بكربلاء، مصنوعة من الشمع الملون، أو من الورق المذهب والفضي، وليمسَّ المهد المحمَّر الذي كان فيه ذلك الطفل المقتول، والأعلام المصبوغة بدماء الشهداء، فهو بحاجة إلى أن ينفعل بما عانوه أثناء النزاع، ويتصوَّر تضحيتهم. وعلى حين أن بعض الحفظة (القرَّاء) يقلدون ويغنون موت الأبطال، فإن الجمهور يئن ويتألم ضارباً صدره بالأيدي أو بالسياط.
ولكن ها هم الآن النادمون، وفيهم الرجال الناضجون والمراهقون والأطفال، عراة الجذع، يمسكون بأيديهم سياطاً من السلاسل تنتهي بخمسة أمواس أُرهف حدُّها حديثاً. ووقف هؤلاء أمام الشرفة، ويهتف الجمهور: إمام حسين! ويجيب: يا حسين! وباندفاع واحد، تقع السلاسل على الظهور العارية، فتقص اللحم قصاً، وينبجس الدم. يا حسين! ثم يضربون أنفسهم أكثر فأكثر بالسياط على نسق الهتاف، فتصبح الجروح أعمق، ويسيل الدم، وينزل الدم على السيقان، ويشكل بقعاً سوداء على الأرض. يا حسين! ينهار رجل ويقع، أصفر كالموت، ثم رجل آخر، كطفل تقريباً، وسرعان ما يحملونهما على حمالات مرتجلة، وتتضاعف الضربات، ويجلد النادبون أنفسهم بعصبية، لاهثين، أُعموا وأُصِموا عن كل ما هو غير عذابهم، ومحاولتهم اليائسة، في إعدام الجسد، والوصول إلى”الحال”الذي ينشئون فيه وِحدة مع الواحد.
ترى هل سيتوقفون عن فعلهم هذا يوماً؟ إن سلمى تلتف على نفسها، وأعصابها متوترة، لا تستطيع أن تزيح بصرها عما تشاهد، وفي فمها طعم الدم، وإحساس بالتقزز، ترى هل هي مقبلة على الإغماء؟ وإلى جانبها الراني عزيزة، لا يتحرك فيها شيء، وتغمس شفتيها في كأس من الشاي، على حين أن تبعها يشرح المشهد، ويعلِّق عليه، ويمص كمية من السكاكر، ومعاجين الفواكه. وتنهض سلمى تريد أن تخرج. وبيد قوية وحتى من دون أن تدير رأسها، ترغمها الراني على الجلوس: لم ينته المشهد بعد، يجب أن تري كل شيء، حتى الأخير. قالت ذلك كما لو أنها تصدر أمراً، والعينان نصف مغلقتين، وابتسامة غريبة ترتسم على شفتيها.
أما في الخارج، فإن الجماهير سكتت، وابتعد أولئك الذي كانوا يعذبون أنفسهم، ريثما يستعيدون أنفاسهم، ويمسحون جروحهم، قبل أن يعودوا إلى احتفالهم المشؤوم، تحت شرفة أخرى، حيث توجد نساء أخريات ليشاهدنهم بفضول، وهن يقضمن قطع الحلوى.
إمام حسين! وهذه المرة لم نعد تجاه هتافات مجد ولا حرب، بل نحن أمام همس وارتجاف طويل، مشوب بالاحترام والخوف، وظهرت مجموعة صغيرة من الرجال، وسيوفها مشهرة، فيسكت الجمهور، بينما كانوا هم يستغرقون في التأمل.
وبحركة دقيقة تضرب السيوف الجماجم، فتجرح فروة الرأس، ويسيل الدم على العيون والأنف، فيعمي ويخنق، وبصمت ترتفع الأذرع وتضرب من جديد، فتزداد كمية الدم السائل. فلا يكاد الإنسان يتبين من الوجوه شيئاً غير العينين، اللتين كأنما خرجتا من مكانهما أو جحظتا. أما الجماهير المذهولة فإنها تحبس أنفاسها. وفي الضربة الثالثة للسيف، انهار الرجل ككتلة لا حياة فيها، والوجه على الأرض، والجمجمة مفلوقة.
ويدوِّي صفير حاد، فإذا بجماعة من الجنود تشق الصفوف بضربات سياطها، واندفعت فجرَّدت السلاح من أولئك المخبلين، ووضعت القيود في أيديهم، ودفعتهم إلى عرباتها العسكرية، وتحركت هذه قبل أن يفسح المجال للجمهور المندهش، للقيام بأي رد فعل. وتعلَّق الراني: كان من الواجب أن يتوقع هؤلاء ما حدث، فقد منعت الحكومة هذه المشاهد، فهناك موتى أكثر مما يجب في كل عام، ولكن ماذا نستطيع أن نمنع على أولئك الذين يريدون أن يموتوا. إن هذه الفلسفة لا معنى لها أبداً بالنسبة إلى سلمى، التي كبا لونها، واستبدت بها رغبة التقيؤ، فمضت إلى المبصقة المرصعة”.
ثم تنتقل الرواية لتنقل مشهداً آخر يتبع هذا السابق:
“أية فكرة غريبة أن يختار هذا المساء لكي يدعونا! أو لا يعرف السير هاري بأن هذا اليوم يوم حزن كبير؟! وسخر أمير من هذه الدعوة قائلاً: ربما كان هذا نوعاً من المزاح الإنكليزي! ففي مساء هذا اليوم، اختار أن يلبس لباسه الأوروبي، ذلك أن الدعوة ليست استقبالاً رسمياً، بل هي عشاء بين أصدقاء، وهو يشعر بالراحة أكثر مع هذا اللباس. وبالمقابل فإن سلمى تضع ساريها، وهو من نوع الحرير الثقيل الأزرق من بيناريس، أما الغارارا، مهما تكن فخمة، فتكون في غير محلها لأنها تقليدية أكثر مما يجب، ولعلها خرجت من دائرة الاستعمال، وفي المدن الكبرى أصبح المسلمون المتطورون يهملونها، لصالح اللباس الهندي، كاشفين بذلك عن أفق واسع يقدِّره أمير، من حيث هو رجل حديث وعلماني.
وبدأت السهرة بداية حسنة’ ولكن لماذا بدأ الحضور يتحدثون في السياسة؟ إن السير هاري الذي وجدته منذ قليل رجلاً ذكياً، بل ورائعاً، يبدو الآن كثير التفاخم، مفرط الثقة بكفاءته، ولا نراه يتحدث الآن حول شهر محرم، ويتجرَّأ أمام هؤلاء الأمراء المسلمين، بنعت الإسلام كله بالتعصب، لا الشيعة وحدهم. أما الراجا جهراباد الذي يتباهى بأنه يعرف بصورة أرقى من أي إيقوسي (اسكتلندي)، المصدر الصحيح لأي نوع من أنواع الويسكي، فإنه لم يكذبه، ولكن ما خطب راجا ديلواني ونواب شاربور؟ إن هذين الجنتلمانين اللذين تمثَّلا كل العرَّات البريطانية، ما زالا مع ذلك يلبسان زوجتيهما البرداة التقليدية تماماً، وقد لزما الصمت، ممتعضين، أمام ملاحظة الحاكم السير هاري ويغ.
: وأنت يا أمير، أنت الذي أعتبرك أنا فكراً عقلانياً، ما رأيك في الموضوع؟
: إن شعبنا ما زال جاهلاً أيها السير، ولهذا فإنه يغالي في التعلق بدينه، إذ لا مرجع له غيره ليستند إليه… وسكت!
ويتجابه الرجلان بالنظرات، فيتردد الحاكم، ثم ينحاز إلى الضحك!
: يا عزيزي لو أن الذين يطالبون بالاستقلال كانوا يشبهونك، فلن نتردد في الرحيل، مطمئنين إلى أن بلدينا يبقيان صديقين، يشتركان في المصالح نفسها، وفي المثل الأعلى نفسه، أما مع المتطرفين الذين يقودون الآن ما يسمى بالحركة الوطنية، فإن علينا واجب حماية شعبك من نفسه. ولكن شاباً يجلس في آخر الطاولة كانت سلمى قد لاحظته، لأنه الوحيد الذي يلبس الشيرواني، بدأ يتدخل في الحديث:
أيها السير، لقد أُعجبنا بوجوه الحيطة التي اتخذتها لمنع المجابهات الإسلامية ـ الهندية، ولكن هل فكرت بأن عيد الفصح سيأتينا خلال يومين، فهل حددت مسيراته بأسلاك شائكة؟ وقد تكلم الرجل بأكبر الأدب والتهذيب، وبأشد صور البراءة، ولكن الحاكم احمرَّ وجهه وأجاب بجفاف: ليس لهذا أي دخل في الموضوع.
وتعض سلمى شفتيها، وتنظر إلى الشاب الذي يجلس في آخر الطاولة، وتبتسم له، وتنطلق إلى النقاش بصوت عذب: يا صاحب السعادة، أصحيح أن النادمين في أسبانيا ينزلون إلى الشوارع ويضربون أنفسهم حتى يسيل الدم احتفالاً بذكرى موت المسيح؟ كما يحيون هنا ذكرى موت الحسين؟ وبدأ السير هاري يتأتئ استنكاراً”.
شخصياً لا أفرق كثيراً بين الحثالات المعاصرة التي تحارب الشعائر الحسينية، وبين هذه الطبقة المترفة الغارقة في العمالة، فالقواسم المشتركة تغلب والمنطلقات واحدة، غاية ما هناك أن الحركة في ذلك العصر كانت تتطلب هذا التعالي والانقطاع، من واقع الطبقية والأجواء الحاكمة على المكان في تلك الحقبة، وهي اليوم تتطلب عناصر من عامة الشعب، بما فيهم المعممين، يدخولون في الساحة ويعايشونها، ويركوبون الموجة الجماهيرية، لعلمهم أنهم لن يبلغوا غايتهم إن لم يفعلوا ذلك، وسيبقون نخبة لا تؤثر في أحد ولا تنتج ولا تغير.
لا أدري هل الأجدر هنا الاستشهاد بسورة “الكافرون”، أم بقوله تعالى:”ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، قل إن هدى الله هو الهدى”.
التعليقات