في رحلة العودة من طهران إلى دمشق، بلغ أحد العلماء من الركاب، أن الضال المضل يستقل الطائرة معهم، فقصده وجلس إلى جواره ليحاوره، ولم يكن فضل الله قد أذاع حينها جُل آرائه ولا كشف انحرافاته، ولا اتخذت الحوزة والمرجعية موقفها منه بعد… وفي معرض شكواه من تخلُّف الواقع الشيعي وآلامه من ترديه قال: “انظر مثلاً إلى تعظيم فاطمة المعصومة في قم! ماذا قدمت هذه المرأة للإسلام وأين خدمت الدين حتى تستحق أن يُشيَّد لها هذا الحرم، وتُشدَّ إليها الرحال؟ هل يقتضي النسب، كونها ابنة إمام، كل هذا التبجيل والتعظيم؟… ها أنا سيد، وحيٌّ، لست ميتاً في قبر، فأنا أولى أن أُقصد وأُزار إذاً”! وقد تكررت هذه المقولة منه في غير مناسبة، ونقلها عنه أكثر من ثقة، لم يكن يخفيها ولا ينكرها.

قد يتفاجأ بعض المؤمنين ويصعب عليه تصوُّر أن في الحركات الإسلامية والشخصيات الشيعية، مَن يحسد آل محمد على ما آتاهم الله من فضله! وأن بعض السر في مواقفهم المتشنجة تجاه العقائد الولائية، وما يأخذهم لإنكار الفضائل ومحاربة الشعائر… هو الحسد! ويستغرب إذا علم أنهم يرون الأمر منافسة واستباقاً، يجاذبون آل محمد حبل الفضل، ويكايلونهم بصاع الفخر! ويستنكرون: لماذا يعظِّم المؤمنون أهل البيت؟ يحضرون مجالسهم ويزورون مراقدهم، ولا يزوره هو أحدٌ؟! لماذا تهواهم القلوب ولا تهوي إليه هو؟ لماذا يعشقهم الناس ويهيمون في حبهم ويستميتون في ولائهم، ولا حظَّ له هو في هذا الحب ولا نصيب؟ لماذا يرخصون في سبيلهم الغالي والنفيس، ويضحُّون حتى بالأرواح، بينما هو لا يستميل أحداً إلا بالهبات والعطايا، ولا يصنع “مريداً” إلا ببذل الأموال ودفع الرشا، ولا يجتذب ويكتسب عضواً إلى حزبه إلا بالإغواء والإغراء، بحصة في السلطة أو بشيءٍ من الجاه والشهرة؟

فإذا تجاوزنا الأسباب الغيبية للحب والولاء ونحَّيناها جانباً، من طهارة المولد والنجابة، والفطرة التي غرسها الله في الأرواح وجبَل عليها الأنفس (مما لا يؤمن به هؤلاء!)، فإن الجواب الماثل أمامهم والسرَّ المنكشف لهم: إنها خصائصهم: عِلمهم، عصمتهم، كمالاتهم، عطاؤهم، معاجزهم… وهذه متى ما انتفت وزالت، انحدروا إلى مصاف البشر العاديين من أمثاله هو، فيمكِن حينها عقد المقارنة وتتاح المفاضلة. عندها ينشط إعلامهم وتتحرك تنظيماتهم، فتسرق قلباً ضعيفاً من هنا، وتختلس نفساً جهولة من هناك، تختطف السذج والمرضى، وتستقطب سقط المتاع والسُّوقة، وتحشد الذين كره الله انبعاثهم فثبَّطهم عن منهج الولاء وأبعدهم عن منهل النقاء، شربوا من آجن، واكترعوا من أُجاج آسن، ليسود عليهم ضالٌّ مُضل، ويحكمهم منحرف متفرعن! وهي مكيدة ما زال الضُلَّال يمارسونها لتبرير حربهم، وهم يخلعون عليها لبوس الدفاع عن الأئمة!: “أيُّ فضل في هبات إلهية وخصال خلقية غير مكتسبة؟”! بهذه المغالطة والمصادرة يسلبون آل محمد المراتب التي رتبهم الله فيها، ويجمعون الناس تحت راياتهم هم، ويدخلونهم في ولاياتهم.

من هنا حاربوا الشعائر الحسينية بضراوة وقسوة، ووَاجهوها بكل ما آتاهم الشيطان من كيد وقوة، ففي عشرة عاشوراء من كل عام تقصم ظهورهم، وعلى الأربعين يجنُّ جنونهم…

وقد بدأت الجولة الحالية في المعركة بالترك والمقاطعة، والاستهزاء والسخرية… منذ سقوط صدام وتحرير العراق، ومع التقاط الأمة أنفاسها وعودة الحياة إليها، انتعشت الشعائر الحسينية على اختلاف أشكالها وأنماطها، وكانت تتوج كل عام وتُضمَّخ بمسك الختام: “الأربعين”. وكان الشعار الذي رفعوه في مواجهة الحسين حينها: “لا خير في زيارة تحت وصاية أمريكية”!

لم يحقق التجاهل هدفاً ولم تُجدِ المقاطعة نفعاً، فقد تركهم الناس (بما فيهم قاعدتهم) وخلَّفوهم منزوين في دوائرهم الحزبية، منعزلين منفصلين عن مجموع الأمة، ويمموا شطر محبوبهم، التحقوا بصفوف الرحمة وانضموا إلى جموع الزائرين… فلم يَجِد القوم بُدّاً من الانعطاف والالتحاق، فاستدركوا ما فات، وعمدوا إلى تشكيل القوافل والحملات، ودخلوا مضطرين في هذا النشاط! ولكنهم لجأوا بشكل مواز وانتقلوا إلى مرحلة جديدة في الصراع، هي التصدي والمواجهة…

أخذوا ينشرون خطابهم الرث الخلِق، ويبثون رسالتهم المهلهلة البالية: ما هذه النطاقات المحدَثة من الابتداع؟ لماذا السير على الأقدام مئات الكيلومترات؟ ما هذا الهدر والإسراف في الضيافة والإطعام؟ أليست إعانة الفقراء أولى من هذه الموائد؟ هل من العقل والحكمة دفع المليارات في سبيل نشاط يشكل حركة في دائرة مغلقة (كما ثوْر الساقية، والتعبير لأحد كبرائهم)؟ ما هو مردود هذا الاستنفار في الطاقات والموارد؟ ها قد قطع الناس المسافات وتناولوا الطعام وزاروا كربلاء! قرأوا المراثي فبكوا ولطموا، ثم عادوا إلى مدنهم وقُراهم، ماذا حصل ونتج، وماذا تغيَّر؟ ألم يكن من الأجدى صرف الجهود والإمكانيات وتوظيفها في تشييد بنية تحتية لبلدهم المنكوب، بدل الانشغال بهذه الخرافات والاستغراق في شعائر لا تعني إلا الإلهاء، ولا حاصل منها إلا العَناء؟! لماذا لا ينتقل هذا الزحف إلى الجبهات ليحارب ويجاهد، بدل أن يأكل وينام في المضافات، ويبكي ويلطم في الشوارع والطرقات؟!… وكانت آخر رفسات إحدى الدواب التي تجر عربتهم، كأنها تنازع وهي تلفظ أنفاسها قبل أن تنفق: فتوى منع الزيارة وتحريمها على النساء!

والغريب أن خطاب وإعلام الإصلاحيين كان يتناسى حالة تمثل قمة الشجاعة وذروة الجهاد، ونزعة ترسم أروع صوَر المغامرة والفداء، تستحث الزوار وتجلل مسيرتهم… تناساها القوم وهي كُنه الثورية (التي يزعمونها لأنفسهم)، وتجاهلوها وهي جوهر التحدي (الذي يدَّعونه، وجلهم من الخانعين!)، وهي تتفجَّر من الشيوخ والنساء والأطفال، قبل الشباب والرجال… فلا إشارة إلى الخطر المحدق من الإرهاب التكفيري وتفجيراته العمياء التي تستهدف الزوار وتفتك بهم، ولا ذكر لما يظهر من بأس وعزم في هذه المواجهة البطولية الصامتة، وهذا العناد والإصرار المقدس.. والمؤمنون في طريقهم، يمضي بهم طُهرهم إلى محبوبهم، غير مكترثين بالموت ولا عابئين بحتفهم، ولا ينتظرون شهادات تقدير أو أنواط شجاعة من أحد.

وفي العام الماضي أضاع الحداثيون الإصلاحيون كل رشدهم وفقدوا كل صوابهم، ودخلوا طوراً جديداً في حربهم، فكأنه حكم الغلمان وسطوة الصبيان، هذا يرفع صورة لزعيمه فيمزقها ذاك، وذاك يعلَّق لافتة تسجل قولاً لقائده، فينزلها هذا! والتهب الموسم عبثاً والمشهد المقدس هرجاً ومرجاً، وارتفعت الأصوات عند سيد الشهداء، مشاحنات وتعديات ومشاجرات، فوضى وصدامات، أذكت النعرات القومية والوطنية، وأفسدت الود وذهبت بالروحانية، ولا حكيم يرشد ولا عاقل يردع… ولم تقف المؤامرة عند هذا الجدال والفسوق والعصيان، بل مالوا على عامة الزوار، تدافعاً لتخريب الصفوف المتراصة لصلاة أو لدخول حرم، وفوضىً في الطوابير المنتظمة بانتظار خدمة أو فرصة لعبادة ونُسك، ولولا لطف الله لوقعت فواجع لا تقل عن كارثة منى، ثم إفساداً لنزعة الأُخوَّة الإيمانية الحاكمة، وتشويهاً للتواد والتراحم والتكافل الذي تحقق في هذه المسيرة الملكوتية، مما ترجوه البشرية وتتطلع إليه في خيالها وآمالها، ويحكيه الفلاسفة في تنظيراتهم حول المدينة الفاضلة، والدولة والمجتمع المثالي في جمهورية أفلاطون، فسجَّل الشيعة بجدارة ونطق أداؤهم الولائي بامتياز: هنا أمة استوعبت المثُل، فخرجت منها الحكمة وتفجَّرت خُلُقاً وسلوكاً، وتمكَّن العدل في أنفس أفرادها حتى غلبتها المودة والرحمة، وتفوَّق فيها الجود والسخاء، وحكم الإيثار ونكران الذات، فراحت تحكي صور الدولة الموعودة والكمال المنتظر في ربوعها!… فجاء أتباع الحداثيين والإصلاحيين، وشوَّهوا ولوَّثوا كل هذا الفخر والنقاء، وسحقوا ودمروا هذا الإنجاز!

كانت رسالة القوم واضحة وأهدافهم معلنة صريحة، يلتقطها كل كيِّس فطن، ويقرؤها كل واع حصيف: تخريب الشعيرة! العمل على صرف أكبر عدد ممكن من الزوار وثنيهم عن العودة من قابل، ما يزري بهيبة الحدث، ويزيل وَقعه الصاعق، ويزيح أو يقلل حضوره على خارطة الحراك الشيعي، ويسقط نتائجه ومعطياته التي سحقت مقولات الإصلاحيين، بل محقت وُجودهم، وتنذر أن تودعهم دفاتر النسيان، وتركنهم على رفوف سيعلوها بعد حين غبار التاريخ ولعنة المؤمنين!..

ولكن مكر الله وبأسه أرجع كيد المعتدين إلى نحورهم، ورد خباثتهم عليهم، وعكس الأمور وقلب السحر على الساحر!.. تنفرت الجماهير وقبَّحت سلوكهم، وأدانت أفعالهم، وبرئت منهم، والأخطر أن عامة المؤمنين تنبهوا إليهم وصاروا يحذرونهم (بعد أن كان الوعي بحقيقتهم والبصيرة بحالهم صفة النخبة والخاصة). ومما خفي على القوم أن هذه المواجهات تجعل الشيعة يزدادون اندفاعاً نحو الحسين، وبشعائره تمسكاً وحولها التفافاً! لا رداً على المشاغبين المشوِّهين، ولا جواباً وإرغاماً لهم، فالمؤمنون في شغل عن شيطنات هؤلاء، جل ما ينالهم انزعاج وأذى، يتجاوزونه كما يتخطون وَضَراً وقمامة ألقيت في طريقهم… إنهم يستجيبون لنداء سبق أن أجابوه قبل نشأتهم في هذه الدنيا، حين كانوا في عالم الذر، ويمضون في هذه المسيرة بلغ ما بلغ.

من هنا، جاء القوم هذا العام بلغة وخطاب جديد، على طريقة “الانحناء للعاصفة، وركوب الموجة”، وكأنهم اكتشفوا كم تسرَّعوا في العام الماضي وتعجَّلوا، وأساؤوا وخرَّبوا، أو أنهم تابوا واهتدوا ورشدوا؟ لست أدري! والأيام ستكشف الحقيقة وتظهرها، وإن ربك لبالمرصاد. وعلى أية حال، فالخير في ما وقع، ساءت النيات منهم أم حسنت، بيَّتوا أمراً ودبَّروا كيداً وأضمروا شراً، أم لم يفعلوا… فالمحصلة موسم مبارك، عظَّم الشعيرة، وعمَّق الولاء لأهل البيت، وزرع الأخوة من جديد بين المؤمنين على اختلاف أوطانهم وبلدانهم، وانتماءاتهم ومشاربهم. في هذا العام رأب صدع وانسدت ثلمة في جدار اللحمة الشيعية، التحقت الحركة الإصلاحية المنعزلة منذ أمد بمسيرة الأمة، ودخل أتباعها ومحازبوها في “الأربعين”، زوَّاراً وخدَّاماً ومعزين.

حمل الدكتور الطهراني مكنسته وراح يجمع القمامة وينظف مخلَّفات الزوار، ولم يقل له متنطعٌ: لم لا جعلتها بندقية تجاهد التكفير والإرهاب؟ وزحف المهندس الأصفهاني مع الجموع الموالية العاشقة، ولم يعيِّره تافه، ويطالبه بالتوجه إلى جبهات القتال! وأخذ زميله في غسل أقدام الماشين، وتنظيف أحذيتهم بلا استنكاف، بل برغبة وفخر، ولم يرمه بليد بتشجيع البدع وترويج الخرافات؟ واشترى الإيرانيون مقرَّات المواكب ومواقع الحسينيات الموسمية على درب الزيارة، وبسطوا فيها الموائد وأقاموا المضافات، ولم يقذفهم بخيل بالإسراف، ولا وقف في وجههم أخرق وذكَّرهم بعوَز الفقراء، وأولوية تزويج العزاب!… في هذا العام التحق الجميع بالركب الإلهي وانضموا إلى سيل المؤمنين الزاحفين إلى زيارة الأربعين، وحج قبلة العاشقين، انقلب الحداثيون وصاروا حسينيين شعائريين “رجعيين” مثلنا! (ولعلهم يطبرون معنا في السنة القادمة إن شاء الله، وينهون هذه الفتنة أيضاً!)، وقد أُنزلت كل الرايات، ولم ترفع إلا راية الحسين والعباس، واختفت الصور وأزيلت الدعايات، وأقروا جميعاً وأذعنوا وخضعوا، تابوا وأنابوا، فطوبى لهم وحسن مآب.

إنها عظمة آل محمد…

طالما وظَّفوا الطاقات، وضخوا من الأموال، وسخروا الإمكانيات، وزيفوا وعبثوا ليطمسوا هذه العظمة باسم الحداثة، وينتزعوها من أهلها باسم التجديد ونبذ الموروث، ثم ها هم ينطوون تحت الراية ويلتحقون بالركب، طائعين أو مكرهين، فلا حيلة لهم ولا سبيل أمامهم غير هذا، وإلا لمضى القطار واجتازهم، ولا محطات أخرى أمامهم، فالقيادة الفعلية والواقعية اليوم هي بيد الحسين صلوات الله عليه، من أراد الفلاح التحق بالركب، ومن تخلف لم يدرك الفتح… معادلة صعبة ومعضلة عسيرة. هكذا خضع الجميع بما فيهم ولاية الفقيه، والأحزاب الدينية الثورية وغير الثورية والمنظمات السياسية كلها، وكذا المرجعيات المزيفة، والحوانيت المتكسِّبة، والرايات والدعوات الشخصية… كلها طأطأت برأسها وخضعت وانطوت، وبخعت وذلت…

 تزاحم تيجان الملوك ببابه

ويكثر عند الاستلام ازدحامها

إذا ما رأته من بعيد ترجَّلت

وإن هي لم تفعل ترجَّل هامُها

ولا يخلو الحال من مشاهد خجولة وممارسات محدودة لا تستحق الوقوف عندها، سلوك شاذ وصوت نشاز يأتي من نفس ضعيفة استولى عليها الشعور بالدونية، وهِمَّة مريضة سكنَتها عقدة إرضاء الآخر، وروحية مسمومة غلبها الغيظ والحنق من منظر الملايين الزاحفة المزدحمة كجيش عرمرم لا يلوي على شيء، يتموج كمحيط متلاطم، ويتدفق كسيل جارف يكتسح ما يلاقيه، ويطال حتى من تجنَّبه وأوى إلى جبل يعصمه، فلا عاصم اليوم من طوفان كربلاء، سيطاله الموج ويغرقه البحر، ثم يلقيه ويلفظه زبداً يذهب جفاء… ممارسات وكلمات اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار: لافتة سخيفة تسخر من نفسها وهي تقارن بين الزيارة وبين الحجاب، وتُفاضل بينها وبين الصلاة. ومشهد انسحاب أرباب شعار “تحرير القدس يمر من كربلاء”، وتكليف طفل متسوّل توزيع لوحات استحى منها صاحبها، تسجل خيبته وتشهد على فشله، فغاب عنها، حتى بعد أن اضطر لتصحيح ندائه وتهذيبه بعض الشيء إلى “وغداً إلى دمشق معاً، ومنها إلى القدس”، دون جدوى! فلا أحد شعر به أو التفت إليه… وموكب لحزب الدعوة يركب شاحنة وسط الراجلين “المشاية” تحمل فرقة تعزف موسيقى جنائزية وألحاناً حزينة! ثم صوَر المرجع المزيف المستأكل بالشعائر، فرأس ماله الصوَر والمقابلات، ودونها يضيع الرجل ويتلاشى، فماذا يصنع؟… لكنها مجتمعة عجزت عن تشويه المشهد، فقد تفوق طهره على لوث الشواذ، وهيمن قدسه على انحطاط النشاز، وغلبت عظمته إسفاف التوافه..

هكذا تجسد النص والتعبير العرشي: “طأطأ كل شريف لشرفكم، وبخع كل متكبر لطاعتكم، وخضع كل جبار لفضلكم، وذلَّ كل شيء لكم”..

في الأربعين تتمثل هذه الحقيقة وترتسم للعيان، يلهج بها الزائر العاشق حباً وكرامة، فتشعر أن كل شيء يحكيها ويرددها: ينطق بها الحجر والمدر، ويسبِّح الراكب والراجل، ويشهد الليل والنهار، حتى يذعن المعاند ويقرُّ الجاحد!

في هذه الشعيرة العظمى يظهر سلطان الحسين القاهر، وترتسم في السماء آيات القيامة التي يستسلم لها الجميع طوعاً أو كرهاً: “وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلماً”، و “لمن الملك اليوم”؟! فيردد عشرات الملايين: لله الواحد القهار.. لذا لجأنا إلى وليه وبابه، وأنخنا رحلنا بفنائه، ونزلنا بعقوته، مجددين العهد والميثاق، ومبايعين على النصرة والولاء.

انتصر الأربعين وغلب قهر الله، وجرت قدرته، وظهر أمره… والأعين بعد شاخصة إلى الظهور التام والتجلي الأعظم، وانبعاث من الغيبة يقلب البسيطة كلها طُوراً وسيناء، وزوال كل الصروح كما اندك الجبل، وخرَّ موسى صعقاً… يا فرج الله. 

Posted in

3 ردود على “لا عاصم من طوفان الأربعين”

  1. نصير الدين الطوسي

    مدفعية وصواريخ المواكب الحسينية تدك العمق الإيراني والبسيج يحاول الرد

    المتابع للإعلام العربي والإيراني بعد سقوط صنم ساحة الفردوس في بغداد انه كان في قمة السلبية تجاه الوضع الجديد في العراق وفي غاية التخبط في التعاطي مع متغيراته المتسارعة فبعد خروج اول مسيرة للأربعين الحسيني وبأعداد مليونية وفي وقت سابق لتشكيل لأي صورة من صور الدولة وبتنظيم غاية في الدقة والاتقان طالعنا الاعلام العربي ومعه الإيراني بهذه العناوين العجيبة الغريبة: –
    1- الشيعة يتظاهرون في كربلاء ضد الاحتلال الأمريكي (قناة الجزيرة القطرية)
    2- الشيعة يخرجون فرحين بخلاصهم من نظام صدام ولكن كيف بهم إذا وقفوا بعد أيام امام نقاط التفتيش الامريكية (قناة المنار التابعة لحزب الله اللبناني)
    3- الشيعة يجلدون أنفسهم بالسلاسل في كربلاء (قناة العربية الممولة سعوديا)
    4- الشيعة قلقون على مستقبلهم ويتظاهرون في كربلاء ضد الشخصيات السياسية القريبة من الغرب وتظهر بعض المتظاهرين وهم يحملون يافطة تندد بالدكتور احمد الجلبي ( قناة العربية )
    5- الشيعة يخرجون في مسيرة العزاء الحسيني بالرغم من وجود قوات الاحتلال الأمريكي (قناة العالم الإيرانية)
    والقائمة تطول وهذه العناوين اخذتها من مجموعو أقراص مدمجة جمع فيها مركز الأبحاث العقائدية التابع لمكتب السيد السيستاني (دام ظله) مشاهد تغطية القنوات الفضائية لأول زيارة أربعين والملفت فيها شدة التطابق بين القنوات العربية من جهة والإيرانية من جهة أخرى في أسلوب التعاطي مع الوضع الجديد في العراق وكأنهم جلسوا على طاولة عمل واحدة واعدوا العدة لمواجهة خطر محدق بهم جميعا رغم خلافاتهم السياسية واختلافاتهم المذهبية استدعى الاتفاق على اجندة واحدة موحدة ولكن ما هو هذا الخطر؟
    الملاحظ والمتابع للسياسات الإعلامية لأنظمة الحكم في المنطقة والتي جاءت الى سدة الحكم بعد الحرب العالمية الثانية وبعد ما يسمى بحركات التحرر من الاستعمار انه تحاول ان تخاطب الجمهور بمنطق يصور الحكام بصورة النعمة المهداة اليهم من الله بعد خلاصهم من الاستعمار وهذا المنطق غير منحصر بالدول التي نالت الاستقلال بعد حركات ثورية على الأنظمة الملكية بل تعدى الى الأنظمة الملكية القائمة والتي نالت هبة الاستقلال بعد ابرام اتفاقيات الحماية مع بريطانيا العظمى والاعلام الايراني لإيران ما بعد الثورة ليس ببعيد عن هذا المنطق فبعد سقوط نظام حكم صدام على يد القوات الأمريكية والبريطانية ومن تحالف معهما وجد الإيرانيون انفسهم في حرج شديد وخطر مداهم يزلزل ما بنوه خلال اكثر من ثلاثة عقود من الزمن امريكا هي الشيطان الاكبر فكيف ينعم شيعة العراق تحت ظلها بهذه الحرية امريكا هي في مقدمة دول الاستكبار العالمي فكيف تخرج مسيرة الأربعين بهذه الصورة الخلابة في الوقت الذي تربض على ارض العراق قوات اجنبية ( استعمارية ) قوامها 250الف جندي مدعومين بأكثر الاسلحة تطورا في العالم وشيعة العراق الذين كانوا ينتظرون على احر من الجمر ان تأتيهم رياح التغيير من الشرق الإيراني لتخليصهم من اعتى نظام دكتاتوري عرفه العالم ولم تتزلزل ثقة العراقيون بالإيرانيين حتى بعد ان خذلوهم في عام 1991 كيف سوف يتم التعامل معهم وهم ينعمون بهذه الحرية وكيف سوف يتم إبقاء شعار ( امريكا الشيطان الأكبر) مهيمنا على عقول الإيرانيين و تمر الازمات السياسية والاقتصادية التي تعصف بإيران بعد الاتفاقية الأمنية النظيفة التي وقعت بين العراقيين والامريكان والتي لم يكن يحلم بربعها لا اليابانيون ولا الالمان بعد الحرب العالمية الثانية فلا قواعد امريكية على الأرض العراقية ولا شروط في مقابل سحب القوات ولا هيمنة للشركات النفطية الامريكية على العقود النفطية العراقية لقد عانى الإيرانيون من هذا الواقع الجديد بل توقعوه حتى قبل دخول القوات الأجنبية للعراق لذا كان خطابهم الإعلامي الجديد جاهزا قبل 2003 وما انطلاق بث قناة العالم الموجهة قبل سقوط نظام صدام الا خير دليل على ذلك وزيارة الأربعين المليونية اعدادها في تزايد مستمر اخبرني احد الزوار الإيرانيون وهو من العجم قبل خمس سنين تقريبا ان الجانب الإيراني لا يسهل دخول الزوار الإيرانيين الى العراق بخلاف الجانب العراقي وحاول الإيرانيون زج عناصر ما يسمى بالبسيج في الزيارة الاربعينية ودفعهم الى رفع شعارات معادية لأمريكا وبريطانيا ومروجة للقيادات السياسية والدينية الإيرانية ولكن ضغط المواكب الحسينية وابواب بيوت العراقيين المشرعة لكل زائر مهما كان لونه وجنسه كان يضغط بقوة على الجانب الإيراني الزوار الإيرانيون الذين يرزحون تحت طائلة العقوبات الدولية وما خلفته من دمار اقتصادي ذهلوا من كرم وضيافة الشعب العراقي الى درجة ان الزائر الإيراني الداخل عن طريق منفذ الشلامجة اذا اختار المسير منه الى كربلاء لا يصرف تومانا واحدا خلال هذه الرحلة فالطعام والشراب والسكن الفاره بمقاييس الفندقة خمسة نجوم
    وبعد سقوط الموصل على يد تنظيم عصابات داعش بسبب حماقات صديق الإيرانيين الحميم القائد الضرورة دخل الإيرانيون بكل ثقلهم لتعويض ما خسروه على ايدي أصحاب المواكب الحسينية فهم اليوم الداعم الأساسي لفصائل الحشد الشعبي والمستشارين الإيرانيين لهم اليد الطولى في التخطيط للمعارك بل وحتي قيادتها اذ ان الفصائل المسلحة لأحزاب المعارضة العراقية السابقة الفصائل التي شكلت بعد عام 2003 بدعوى مقاومة الاحتلال التي كان لها دور سلبي جدا على سير بناء العملية السياسية على أساس ديمقراطي يحفظ حقوق مكونات الشعب الراقي هذا المسعى المهم الذي كانت تقوده المرجعية الدينية العليا كل هذه الفصائل كانت مدعومة من ايران فتنفس الإيرانيون الصعداء وعمدوا الى تعبئة الراي العام بان زيارة الأربعين في العام الماضي انما هي لأجل نصرة الشعب العراقي في معركته ضد عصابات داعش وكانت تظاهرات البسيج تجوب الشوارع الإيرانية والقيت فيها الخطب الرنانة وعمد الجانب الإيراني الى ادخال ملايين الزوار الى العراق بدون سمة الدخول الفيزا واخذت مجاميع البسيج تجوب شوارع العراق متظاهرة ومتجاهرة بما تريد فعله واخذ بعضهم يتمزيق صور بعض الشخصيات الدينية الغير منسجمة مع نظام الحكم في ايران ووضع مكانها صور المرشد الأعلى الامر الذي اثار امتعاض العراقيين الذين لا يقبلون بصيرورة بلادهم مسرحا للأجندات السياسية والصراعات الفئوية فبعد ان وصل النضج بأصحاب المواكب وصاروا يمتنعون عن تعليق صور الشخصيات الدينية والسياسية في مواكبهم وحسينياتهم صاروا يعانون من صرعات تأتيهم من وراء الحدود وكم عملوا جاهدين على فك الاشتباكات والمشاجرات التي تحصل بين التيارين المتصارعين ولكن كل هذا لم يعكر صفو اربعينية العراقيين واستمرت تداعيات وانعكاسات المسيرة المليونية حتى وصلت الى بلاد الغرب وصارت المسيرات التي تجوب شوارع أمريكا واوربا عرفا سائدا يمارسونها بكل حرية بعدما عرف العالم حقيقة الإسلام المحمدي بنسخته الحقيقية الناصعة البياض نسخة علي غليه السلام وأولاده الاطهار البررة الذين دأبوا على تربية شيعتهم على حسن المعاشرة والاندماج في المجتمعات التي يعيشون فيها في الوقت الذي كشر فيه أصحاب النسخة الرسمية المشوهة للإسلام اسلام آكلي الاكباد عن انيابهم واخذت احزمتهم الناسفة وسياراتهم المفخخة تحصد أرواح الأبرياء في كل انحاء العالم لقد قدم شيعة العراق النموذج الاسمى للتعايش السلمي غير عابئين بكل المحولات التي تريد توجيه وتفسير ما يجري من عمليات إرهابية في بلاد الغرب على أساس نظرية المؤامرة وانه من صنع الضحايا انفسهم لغرض تشويه الإسلام اسلام اكلي الاكباد بل اصروا على تقديم نموذجهم الارقى للإسلام المحمدي الأصيل اما ارتدادات مسيرة الأربعين في الشارع الإيراني فكانت مذهلة ولقد رايتها بام عيني واضحة جلية خلا سفري الى ايران الصيف الماضي فما عرف احد من الإيرانيين اني عراقي حتى انبرى معبرا عن آيات الاعجاب والشعور بالجميل الذي لمسوه من شيعة العراق خلا سفرهم الى زيارة الأربعين بل بعض سائقي سيارات الأجرة رفضوا وبشدة تقاضي اجرة مني اذا علموا اني عراقي ولقد اخبرتني عائلتي ان هناك تطور ملحوظ في مستوى العفة والحجاب عند بعض الايرانيات بعد تشرفهن بزيارة الأربعين بعد اختلاطهن بالعراقيات ومشاهد حجابهن الذي يمثل اعلى مراتب العفة حتى ان بعض الايرانيات صرن يرتدين غطاء الوجه المعروف العراق ب( البوشية) كل هذا وغيره غير موازين القوى ففي الوقت الذي كان بعض المسؤولين الإيرانيين يتشدق بدعمهم للعراق في حربهم ضد عصابات داعش واخذ يحلم بعودة إمبراطورية فارس بحدودها قبل الفتح الإسلامي واندكاك الشعب العراقي في الثقافة الإيرانية الامر الذي دعا المرجعية الدينية الى الرد عليه بقوة معبرة عن شديد تمسك الشعب العراقي بهويته الثقافية التي لن يتنازل عنها مهما كانت الظروف راجع خطبة جمعة كربلاء بتاريخ 21 جمادي الاول 1436 هـ
    https://www.alkafeel.net/inspiredfriday/index.php?id=203&ser=2&lang=ar
    ولقد حذرت المرجعية الدينية العليا هذا العام من استغلا مسيرة الربعين للترويج للاتجاهات الدينية والسياسية وتأجيج الصراعات بينها في إشارة واضحة الة ما تقدم بيانه مما حدث في العام الماضي راجع خطبة الجمعة 14 صفر 1437 هـ الموافق 27/11/2015 مhttps://www.alkafeel.net/inspiredfriday/index.php?id=240&ser=2&lang=ar

    وهذا العام حاول الإيرانيون تدارك خسائرهم في العام الماضي فصدر بيان من مكتب المرشد الأعلى بمنع تعليق صورته اثناء زيارة الأربعين واصدر بيان اعتذار عن حادثة اقتحام منفذ زرباطية الحدودي ودخول اكثر من نصف مليون زائر بدون سمة دخول بعد تحطيمهم بوابة المنفذ واعقبه وزير الخارجية الإيراني يتوجه رسالة شكر الى الحكومة والشعب العراقي على كرم الضيافة للزوار الإيرانيين كل هذا يأتي في مقام الرد وترتيب الأوراق والخنادق بعد الضربات القاصمة التي تلقاها الإيرانيون أصحاب مشروع تذويب الشخصية العراقية في البوتقة الثقافية الإيرانية ولكن النتائج كانت عكسية عليهم
    فالإيرانيون هم من انصهروا في الثقافة العراقية لشدة اعجابهم بها ولقد حكى لي أحد الاصدقاء هذه الحكاية (يقول الصديق احمد القرشي: خلال نقاش لي مع أحد الزوار الايرانيين وهو استاذ جامعي. قال أنتم قمتم بعمل لم يستطع النظام خلال 35 سنة من فعله للشعب الايراني. تعجبت سألته ما هو. قال ازلتم الرواسب القومية والتعالي عند الايرانيون فخلال عقود كان الايرانيون يعتقدون انهم يعطون لشيعه العالم والعرب خصوصا اشياء كثيرة بدون مقابل ..فدعم شيعه العراق وشيعه لبنان وسوريا ارهق ميزانيه الدولة والشعب..
    لكن ما فعلتموه بالزيارة الأربعينية جعلنا نخجل ..ونقول ما قدمه لنا شيعه العراق حكومة وشعبا بأيام يعادل ويفوق ما قدمناه بعقود..
    وقال هل تعلم لأول مرة ارى واسمع الشعب الايراني يمدح ويمجد بشعب اخر غيره.
    وينشد لشيعه العراق أنتم الكرماء أنتم الشرفاء. https://www.youtube.com/watch?v=TvNJZOV77iM
    لقد جعلتمونا نحس اننا مهما اعطينا وضحينا لكم لانرد لكم يوم واحد من ضيافتكم وكرمكم الخيالي) وبهذه الحكاية اختم والحمد لله رب العالمين

    إعجاب

  2. اسماعيل الخزرجي

    عظم الله اجورنا وأجوركم بهذا المصاب الجلل ، وجزاك الله خيراً الجزاء وحشرنا الله وإياكم مع محمد وآله الأطهار ، احسنت المقال .

    إعجاب

    1. سامر الصائغ

      قلة من يعي حقيقة الامور حقيقة لقد اعجبتي نظرتك وقرأت مقالاتك وحتى كتبك واحب التواصل معك موفق استاذ عباس

      النجف الاشرف

      إعجاب

اترك رداً على نصير الدين الطوسي إلغاء الرد