في رؤيا تحمل شهادة صدقها، رأى أحد العلماء في المنام سيد الشهداء عليه السلام وبين يديه سجلٌّ فيه أسماء الخطباء الذين يرْثونه، وقد أمر أن يُشطب منه اسم شخص ويدوَّن اسم آخر، وهو أحد المراجع العظام… فلما أفاق أخذ يتحرى عن الشخص الذي محي اسمه من الديوان وهو يعرفه قارئاً حسينياً؟ فقيل إنه عزف عن “القراءة” واشترى سيارة أجرة صار يسترزق ويتكسب بها، ولكن بقي إدراج اسم المرجع في هذه القائمة ـ وهو ليس من الخطباء ـ أمراً أورثه حيرة لم يخرج منها إلا حين قصده وحكى له رؤياه… تعجب المرجع واستعبر، وأبلغه بأنه طالما عاش أمنية أن يكون في عداد قرَّاء العزاء، لكنه لا يحسن الخطابة ولا يتمتع بصوت يعينه على أداء أطوار الرثاء، فعمد مؤخراً إلى جمع عياله كل ليلة الجمعة، وصار يقرأ لهم شيئاً من الرثاء، فيبكيهم!

من المتفق عليه أن المجالس الحسينية تأسست في الأصل ونشأت كمنابر لإنشاد الرثاء، والندبة والنياحة والبكاء… وحتى الذين يشككون في مشروعية أنماط العزاء الحسيني السائدة اليوم، ويرفعون عنوان الشعائر المنصوصة (والغريب أن أغلبهم من دعاة نبذ الأحاديث والتحرر عن النصوص! ومن أبعد الناس عن التعبُّد التوقيفي!)، يتسالمون أن المجالس إنما أقيمت لهذا الخطير، ولا يسعهم إنكار ندب الأئمة وتشريعهم النوح والبكاء، ففي حديث سفيان بن مصعب العبدي قال: دخلت على أبي عبدالله عليه السلام فقال: قولوا لأم فروة (من بنات الإمام) تجيء فتسمع ما صُنع بجدِّها، فجاءت فقعدت خلف الستر، ثم قال: أنشدنا. قال: قلتُ: “فرُّ، جودي بدمعك المسكوب..” (أي يا فروة، فحذف النداء والهاء للترخيم)، فصاحت وصِحن النساء. وفي حديث آخر قال أبوعبدالله عليه السلام للعبدي: قل شعراً تنوح به النساء. وفي هذا المؤدى جملة من النصوص الشريفة، منها حديث أبي هارون المكفوف الشهير.

وكان الشعراء بشعرهم وأدبهم، والمنشدون الراثون بأصواتهم وأطوارهم، هم قوام المجلس الحسيني وعماده، وهم مَن ينهض به ويحقق صورته… وعلى إثر التزام الشيعة دعوة أئمتهم عليهم السلام، وقيامهم بتنفيذ وَصيتهم والعمل بأمرهم، تبلوَرت في المجتمعات الشيعية ـ على مَر الزمان ـ وتكوَّنت شريحة وظهرت فئة تخصصت في هذا العمل، ولك أن تعبِّر بـ “صِنف” اتخذ من الإنشاد والإبكاء في عزاء الحسين شغلاً ومهنة، صاروا يعرفون بـ “قُـرَّاء العزاء” أو “الخطباء الحسينيين”..

ثم تطورت المجالس الحسينية على مرِّ الزمان، فلحق بالشعر والرثاء، تلاوة السيرة وسرد تفاصيل المقتل وما جرى على أهل البيت في كربلاء، وأضيف ذكر الفضائل والمناقب، وبعض الموعظة، وأُدخل شيء من بيان الأحكام الشرعية، وعرض العقائد الصحيحة، ثم قضايا الردود ومسائل الاحتجاج على المخالفين، بما ينفي الشبهات ويركِّز العقيدة في قلوب المؤمنين ويثبت أحقية المذهب، وتوسَّع آخرون فأدخلوا في المنبر الحسيني بيان المفاهيم الإسلامية والقيم الدينية لغرسها في الحضور، وكذا تناول القضايا المعاصرة والحوادث المعاشة، ومعالجة الشؤون الاجتماعية والسياسية… واستمر الأمر وانتظمت صورته، حتى اتخذ المجلس الحسيني شكلاً ثابتاً ونمطاً محدداً استقر عليه، ذلك مع تفاوت في توزيع الوقت والحجم ونطاقات التركيز، وحصة كل جانب من هذه الجوانب وأولويته على غيره.

وما زال الخطباء يختلفون في ذلك ويتفاوتون، فيولي بعضهم الفروع والأمور التكميلية التي لحقت بالمجلس عنايته ويصرف لها جهده واهتمامه، ويمنحها الوقت والحصَّة الأوفر، على حساب الأصل وهو الإبكاء والرثاء… وصار هؤلاء هم الأعم الأغلب، لكن لم يبلغ الأمر يوماً ـ في أي من الخطباء ـ حد الانسلاخ عن هويته وهوية المجلس الحسيني، فيتخلى عن الإنشاد والرثاء تماماً، ويقلب المجلس الحسيني درساً ومحاضرة! حتى الشيخ الوائلي، وهو رائد التطوير والحداثة في القراءة الحسينية، ولعله أول من بدأ في تغيير صورة المجلس الحسيني في الساحة العربية، بقى خطيباً حسينياً، وناعياً وراثياً ينشد الأشعار ويبكي الناس، وإن انخفض نصيب الرثاء عنده إلى دقائق لا تتجاوز الثلاث أحياناً، من مجلس يمتد ساعة ويزيد!

وعلى الرغم من هذه الجفوة والانقلاب على الأصل والأساس، إلا أن الرثاء والإبكاء والعزاء حافظ على موقعه في النفوس، وبقيت له مكانته في قلوب المؤمنين، فلم يفلح أحد في عملية التبديل والانسلاخ، ولا استطاع خطيب أن يقلب المجلس الحسيني ويسقطه.

ولكن في الفترة الأخيرة أخذت تغزو الساحة الشيعية حالة مُحدثة، وتفشَّى داء وظهرت بدعة… فقد صار يرقى المنبر الحسيني في عشرة عاشوراء، أشخاص ليسوا من قرَّاء التعزية ولا من الخطباء! معممين وغير معممين، جلُّهم أدعياء لا حظ لهم من الفضل ولا نصيب، لا يحملون إلا جهلاً وخواء، يلقِّنون حضار المجالس الحسينية أفكارهم ونظرياتهم، ويلقون عليهم دروسهم التي لم يجدوا لها طلاباً ومستمعين، فمالوا إلى هذا الحشد المغلوب على أمره… هكذا سرقوا موقع غيرهم، واختلسوا منبر العزاء الحسيني، وراح كل يبني لنفسه ما تتطلع إليه من مجد، ويشيِّـد لحزبه ما يتمنى من بُنية وصرح، ويروِّج لرموزه ويجتذب لهم ما يحلمون به من أتباع ومريدين!

بدأ هذا الأمر الخطير في لبنان منذ أمد… يدعون شخصية سياسية أو اجتماعية ليرقى المنبر في المجلس الحسيني، أو يعتلي منصة الخطابة، فيجتر ما سبق للحضور أن سمعوه من الإذاعة حتى ملَّوا، وشاهدوه في التلفزيون فسئموا، وقرأوه في الصحافة فبصقوا على كذبه ودجله. واللبناني أصلاً وطبعاً ـ فرضه وَاقعه الحزبي ـ مشبع بالسياسة، متخَم بالتنظيرات الحزبية، كما هو مبتلى بتهتك بيئته وانحلال مجتمعه، المتنوع في أديانه وثقافاته، ما يجعله متعطشاً للدين الخالص، مفتقداً لنفحة روحانية تنتشله من وَاقعه الموبوء، وساعة نجوى وبكاء، تغسل قلبه من درن ران عليه بما كسب، فكاد ـ لولا حب الحسين ـ أن يكون عن ربه من المحجوبين.

مؤمنون مستضعفون تركوا بيوتهم، وتجشموا العناء للحضور في مجلس سيد الشهداء، وهو في هذه السنين الأخيرة سعي محفوف بخطر المفخخات الشيطانية، وتهديد الأبالسة الانتحاريين.. فيجازف المحب الموالي ويكابد، التماساً لتلك النفحة، وبحثاً عن ساعة خلوة، يناجي بها ربه عبر باب ما زال يتلقى الفيض والرحمة والبركة منه، عسى أن تفيض عينه بدمعة تغسل ذنوب عامه وتجلي صدأ نفسه وكدرها، وتقلبه نقياً طاهراً… فإذا بعريف “الحفل” يستنزفه بترديد الشعارات، ويناوله المحاضِر فيستهلكه ويضنيه لساعة متواصلة من الهراء، ثم يسلمه إلى الراثي أو الخطيب الحسيني منهكاً، قد غلبه الضجر والسأم، واستسلم للتهويم والنعاس، وإن بقيت فيه بعض طاقة، تلقَّى فيها رسالة خطيرة مؤداها أن ما سمعه في البداية وفرغ منه للتو هو الأصل، وهذا الذي سيأتيه الآن هو الملحق والفرع الذي يمكنه أن يستغني عنه!

وفي حين أخذت الساحة اللبنانية تكافح هذه الظاهرة وتتمرد عليها، حتى في الدوائر والنطاقات الحزبية، فبعض خطباء حركة أمل يرفضون رقي المنبر إذا سبقهم محاضر، وبعض مجالس حزب الله لا تدعو محاضرين أصلاً، وتقيم العزاء على أصوله التقليدية التي تحقق المأتمية… إلا أن الدوائر الحزبية في بعض بلاد الخليج ولا سيما الكويت بدأت تستورد الحالة، بأسوء صورها وأردئ أشكالها (وكان قد سبقهم قبل أعوام بعض الحزبيين في سيهات، فانتكس المشروع وسقط سريعاً)!

إنهم يتجاهلون، حقيقة جليّة ومسلَّمة لا يختلف عليها اثنان، تنادي أن لكل حقل ديني رجاله ولكل نشاط تبليغي أهله، من المتخصصين فيه والمتفرغين له: هناك مراجع يفتون ويقودون الأمة، وأساتذة حوزة يدرِّسون ويربُّون الطلبة، وعلماء يتصدون لإمامة الجماعة، وقضاة شرع يفصلون في الخصومات ويقسِّمون التركات، وكتَّاب يسدون النقص في المكتبة الشيعية ويصدرون التأليفات، وشعراء وأدباء يثرون الساحة بنتاجاتهم… وهكذا هناك خطباء ينهضون بمجالس العزاء. ومن نافلة القول أن توزيع حقول العمل يخدم المهن ويصقل الصنعات وينمي العطاءات، وهو طبيعي للعمل والنشاط التبليغي، حالة أفرزتها الحاجة، ووَاقعٌ فرَضه أصل التخصص وضرورة التنوُّع، فإذا انصرف كلٌّ إلى حقله، ونهض العامل بدَوره، تكاملت الحالة الإسلامية وازدهرت وتألقت، وإذا تُرك ذلك وأُهمل، وأغمضه العاملون وأزروا به، تخلَّفت الحالة وتردَّت… مَن تراه سيعتني بالمسجد وجماعة المصلين إذا انصرف إمامهم إلى ملاحقة ظهوره الإعلامي ونشاطه السياسي؟ كم سيبقى له من وَقت يخصِّصه لجماعته، يتابع أحوالهم الشرعية والاجتماعية؟ متى سيحفظ الخطيب الحسيني الأشعار ويتدرب على الأطوار ويُعد المواضيع لمجالسه، إذا انصرف إلى مؤتمرات وندوات سياسية، أو إذا انشغل بتنظيم وإدارة حلقات حزبية؟

قد يتمكن أحد من جمع أكثر من تخصص ومهنة، والاشتغال بغير دور وصنعة، لا أنفي التميُّز ولا أنكر الإبداع، وهناك اليوم مَن تلتقي فيه موهبتان فيتقلَّد مهنتين، أو ثلاث متقاربة التخصص، فيجمع إلى نظم الشعر الخطابة، ويلحق التأليف والكتابة. وهكذا قد يرغب عالم كبير، ويطمح أستاذ في الحوزة أن يستفيد العوام أيضاً من علمه، فتحدِّثه نفسه برُقي منبر سيد الشهداء، ويتوق إلى ممارسة القراءة الحسينية… فأي ضير في هذا وأي مانع دونه؟ لا بأس ولا غضاضة، إنما الشرط أن لا يحيد عن ضوابط الفن وأصول الصنعة، فإذا انخرط في ركاب محترفيها ولبس زيهم وارتدى ثوبهم وكان منهم، جاز له ذلك وحق. ولكن أن يقلب مجلس العزاء الحسيني درساً، ويستبدل الرثاء بالمحاضرة، ويلغي الإنشاد والإبكاء، فإذا سئل أو اعتُرض عليه، أجاب بأنه لا يحسن النعي ولا يجيد القراءة كما “الملالي”! فهذا عذر أقبح من ذنب، وكان عليه إذاً أن يلزم حدوده ويبقى في مهنته وينصرف إلى شأنه ويترك الحقل لأهله!

لست أدري ماذا اعترى ساحة التبليغ والإرشاد الديني؟! هل هو من علو الهمة وغلَبة الطموح، وتفجُّر الطاقات وتحسس المسؤوليات؟ أم هي أزمة في القناعة، وفقر في الرضا، أو سقوط في الطمع والحسد؟ حرص على التشوُّف إلى المفقود، وعجز عن الاكتفاء والاستغناء بالموجود؟.. يتوثَّب العامل إلى غير شغله ويقحم غير ميدانه، وأحياناً إلى أكثر من دور وموقع، بل كل الأدوار والمواقع! كاتب يريد أن يكون شاعراً، وأديب يريد أن يكون فيلسوفاً، وخطيب يريد أن يكون فقيهاً، وحاكم يريد أن يكون مرجعاً، وإمام جماعة يريد أن يصبح رمزاً وزعيماً، و”رادود” يريد أن يكون وَاعظاً… لا أحد يقنع بدوره ومهمته، ولا أحد يطيق أن يبقى في حدوده ونطاقه! وأخيراً، ظاهرة جديدة على مجتمعنا: كل معمم يريد أن يكون خطيباً حسينياً. أفلس من المريدين، وفشل في اجتذاب المعجبين، فهو خالي الوفاض صفر اليدين، فرأى أن يقتنص الفرصة من تجمع الناس واحتشادهم على أبواب الحسين!.. يحسب نفسه جهبذاً تترقب الجموع محاضرته النادرة، ليسد في عالم الفكر والمعرفة خُلة وثلمة، فيتبعه منشدٌ يؤدي جانب العزاء، وراث ينهض بالإبكاء، أو لا يتبعه، فيكفي الناس ما لقَّنهم العبقري من عظيم آرائه ونادر إبداعاته، التي اقتضت أن يزاح الخطيب الحسيني عن موقعه، ويستعاض عنه بهذا المتطفل الوارش!

لعمري لو انصرف كلٌ إلى حقله، وانكب على دوره، فسيرى أن الميادين الأخرى التي يحرص عليها ويتلهف للنهوض بها، مُلئت بمَن هو خير منه، وسُدَّت بمَن يكفيه المؤونة والعناء، هذا والفرض في الحرص على التعدد هو الإخلاص، والمنطلق في هذا المسعى الشعور بالمسؤولية، وإلا فإن المتآمرين على الحسين، وأرباب الدنيا، والمستأكلين بالدين، سيحوطون الأمر ما درَّت معايشهم، ولا عزاء.

الخطابة الحسينية فن وصناعة، وتخصص ومهنة، لها رجالها وأربابها، وإن تفاوتوا في سطوحهم ودرجاتهم العلمية، ورتبهم في الفضيلة، وقدراتهم في البيان والعرض وأداء الدور وإنجاز المهمة، وحتى في ميولهم العقائدية ومشاربهم الفكرية، إلا أنهم خطباء حسينيون، فيهم سياسيون، ومنهم “تنويريون” و”حداثيون”، كما منهم الخطيب الحسيني الولائي الأصيل..

من أراد أن ينشر أفكاره وينقلها إلى حُضار مجالس العزاء ورواد الحسينيات، عليه أن يكون خطيباً قارئاً، يرثي الحسين ويعدِّد مصائبه ويبكي الناس عليها، ثم ليقل لهم ما شاء مما يمليه دينه وتسعه ذمته.. ولكن أن يتسوَّر الجدار ويتوغل من النافذة، ويندس ليرقى منبر سيد الشهداء وهو ليس من هذا القطاع، ينشر سماجته وبروده، ويبث سخافته وجموده، فهذا تهديد مباشر لواحدة من أهم معالم التشيُّع، وخطر يتوجه لأعظم وَسيلة وهبة أودعها الله واختص بها الأمة المرحومة والفرقة الناجية، وهي خيانة سيتلقى عليها الخائن صفعة تسقطه، ونكالاً يجلد به الأرض ولو بعد حين…

Posted in

استجابة واحدة لـ “سُرَّاق المنبر الحسيني”

  1. حسين آل عباس

    السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
    احسنت شيخ عباس. انا من المتابعين لكتاباتكم الولائيه ضد المتحرفين. اسأل الله ان يوفقنا واياكم للذود عن حياض المذهب وعن مسلماته ضد المرجفين.

    في الفتره الاخيره زاد متابعي الضال الغزي المحارب لمراجع الطائفه والمنكر للتقليد وللحق الشرعي (الخمس) ليتضخم متابعيه ومحبيه بيننا للاسف. ارجو تحذير المؤمنين وايتام آل محمد (ص) منه. وبارك الله فيكم.

    إعجاب

اترك رداً على حسين آل عباس إلغاء الرد