إثر التصريح الأخير للشيخ الرفسنجاني حول عزم مجلس الخبراء انتخاب وَلي للعهد في إيران، تلاحقت ردات فعل مختلفة، وبرزت مواقف وتحليلات متفاوتة.. وبين مستبشر ومتخوِّف، وحزين وسعيد، تأكَّد لبعضهم التحليل الذي أُثير من قبل، حول التزام إيران تعديل نظامها وإسقاط ولاية الفقيه من دستورها، كشرط أصر عليه الغرب لفك الحصار عنها وعودتها إلى المنظومة العالمية، وأن الأمر سيتم وفق خطة مرحلية، تبدأ بشورى فقهاء تُفقد الموقع صبغته الحالية، وتحوِّله إلى شكل أكبر من مضمون، وتشريف أكثر من ممارسة سلطات وإعمال صلاحيات، ثم يصار إلى التعديل الدستوري والإلغاء. وعلى أية حال، سواء صح ذلك ووَقع الإصلاح والتطوير، أم لم يصح، وقدِّر أن تبقى ولاية الفقيه تحكم الجمهورية الإسلامية… فهي مناسبة لعرض وُجهة نظر يحملها قطاع كبير، إن لم يكن الأكبر بين النخب الشيعية (علمائية وغير علمائية)، وبيان رأي ما زال حمَلته يتحفظون على طرحه والمجاهرة به، ويمتنعون من كشفه ورفع الصوت به، حذر مفاسد قد تفوق المنافع، وخيفة “سيوف إخوان بها هاماتنا أبداً نقيفة”.
في الأيام الأخيرة من حياة الإمام الخميني قدس سره، وَقعت قضية عزل الشيخ المنتظري والتراجع عن تعيينه وَلياً للعهد من بعده.. وهو انتخاب لم يرضه الخميني من أول الأمر (كما صرَّح)، لكنه لم يرد التدخل في حينها بما ينال من العمل المؤسساتي للدولة، فسكت حتى كانت قضية مهدي الهاشمي، فتم عزل الشيخ من قبل مجلس الخبراء الذي انتخبه وعيَّنه. ومما أثير في تلك الظروف، بمناسبة تداول مسألة انتخاب وتعيين الفقيه الولي، ضرورة أن يضم مجلس الخبراء أعضاء غير إيرانيين يمثلون الشيعة في العالم، حتى يتحقق صدق انتخاب الأمة لقائدها، ولا يبقى القرار للشعب الإيراني وَحده… ومما قيل حينها أن يتم ذلك ويجري عبر الأحزاب والمنظمات الموالية للجمهورية الإسلامية في مختلف البلاد الشيعية، ما دام الانتخاب الشعبي متعذراً. وعلى الرغم من عدم تحقق هذا الطلب والرجاء، إلا أن وَلي الفقيه الإيراني بقي هو الأكثر نفوذاً بين الإسلاميين والحركيين في سائر بلاد الشيعة، مثل لبنان وباكستان والخليج، وإن انحسر اليوم في العراق وتلاشى، حتى تحول إلى دور مخابراتي، فمن أين لباقي الشعوب مثل السيد السيستاني؟! وكيف لها أن تلتف حول قيادة مستحقة تنتشلها من هذا الارتهان، والمخابرات ترفع الصبيان والغلمان، وتدعم المماليك والخصيان، من المرتزقة المستأكلين، والدهاة المتربصين، والعبيد المنقادين صماً بكماً عمياً؟
ومن هنا، من دور إيران ونفوذها على إخوتي وأهلي وبلدي وسائر الشيعة في العالم، حقَّ أتوجه إلى أعضاء مجلس الخبراء الموقر برجاء، وأتقدم إليهم بالتماس، عسى أن يراعوه فيكفوا عنا أذىً كثيراً، ويلتزموه فيدفعوا بلاءً عظيماً، ما زلنا نعاني منه منذ ستة وعشرين عاماً…
نرجو أن يقع الانتخاب على قيادة لا تتدخل في ديننا وعقائدنا، ولا تحارب شعائرنا التي نستمدها من تراث مقدس أمضاه أساطين الطائفة، وأقرَّه فحول العلماء، فأخذناه عنهم، بحجج شرعية تامة، وسنحمله بدورنا للأجيال القادمة بوعي ومسؤولية… نريد قيادة تفقه جيداً وتعرف أن ليس في مذهبنا خرافات وأساطير، والهامش الضئيل من الخطأ الذي لا يُنكر (والراجع إلى عدم العصمة)، تتم معالجته في الحوزات وبين العلماء وفي إطار الاجتهاد، ويعرض بعد ذلك على الأمة بلغة علمية لا تهريجية، وبخطاب فقهي شرعي، لا تحريضي فتنوي.
سادتي الكرام! نرجو أن تنتخبوا فقيهاً في أعلى درجات العدالة والتهذيب، خالياً من العقد والأمراض النفسية، بعيداً من الكبر والغرور والخيلاء، ثم لا يحتال على هذه الآفات ويلتف عليها بتسويلات توسس له بأنها عزة نفس وأنفة وغرور مقدس! لا نريد صدراً ضيقاً حرجاً، لا يطيق المعارض ولا يتحمل المخالف، ولا جباراً ينادي: ما أُريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد.. قيادة تنهي حالة التملق والنفاق التي تحكم ساحتنا، وتقطع الطريق على المتزلفين، وتحثو التراب في وُجوه المدَّاحين، وتعرف خطر لاثمي أعتاب البلاط، ومزيِّني فساد الطغاة، ثم تفسح للمخلصين، وتطلق الطاقات البناءة فيهم، وتضع عنهم ما يكبلهم والأغلال.
وبعد، هناك حقيقة علمية وإيمانية ترتكز على نظرية الفيض، وفكرة القناة التي يأتي من خلالها الخير وينزل المدد الإلهي… فإن الرحمة الرحيمية والعناية الخاصة والنصرة المدخرة لأهل الحق، إنما تأتي حصراً عن طريق إمام الزمان، وبيُمن الحجة بن الحسن صلوات الله عليه ورهن إشارته ورضاه، يرسلها فتنصبُّ وتنحدر عن طريق نوابه في رعيته ووكلائه في أوليائه وشيعته، الفقهاء العدول جامعي الشرائط.
إن ما يجري علينا اليوم، بعيداً عن الحرب الإعلامية ومتطلباتها التي تملأ أسماع الناس زخرفاً وأقوالاً خاوية، وأعينهم زيفاً وصوَراً وَهمية، بعيدة عن الحقائق والوقائع، وتورثهم غروراً، سواء في سوريا ولبنان، أو اليمن والبحرين، وأفغانستان وباكستان وآذربيجان، أو الكويت والقطيف، أو غيرها من مواقع الصدام الساخنة، وآخرها نيجيريا.. من مآس وفجائع، ودفع أثمان بلا مثمن، وتكبُّد وَيلات بلا عائد، هو من تبعات إعراضنا عن قناة الفيض! حتى إيران التي نراها منتصرة بصمود نظامها واقتصادها وتطوير سلاحها وصواريخها، وامتداد نفوذها السياسي، وغدوها رقماً هو الأول في خارطة الشرق الأوسط الجديد… هذا كله لا يعدو ـ في حقيقته ـ ما كان عليه الشاه، سواء في الدوْر الإقليمي أو في المنظومة النووية التي تقف عند حد الأغراض السلمية!
لست أحمِّل طرفاً شيعياً مسؤولية الأزمات والحروب والمعارك، بل أراها في أغلب المواقع مفروضة، أُكرهنا عليها، وما على المضطر إلا ركوبها.. كما لست سوداوياً في نظرتي، ولا متشائماً أبث القنوط وأنشر الإحباط، بل أنا متفائل مستبشر، لكن لا من منطلق المغالبات الجوفاء والبطولات التي تبارز طواحين الهواء، بل اعتماداً واتكاءً على رؤية غيبية، ومن منطلق عقائدي، يقول إن لنا وَلياً يرعانا، وإماماً غير ناسٍ لذِكرنا، يقودنا من مغيَّبه، وهو محيط بأنبائنا، لا يعزب عنه شيء من أخبارنا، ولولا ذلك لنزل بنا اللأواء (الشدة وضيق المعيشة)، واصطلمنا (استأصلنا) الأعداء… ولكن المطلوب والأداء الصحيح يقرره خطاب الناحية المقدسة: “فاتقوا الله جل جلاله، وظاهرونا على انتياشكم (أنقاذكم) من فتنة قد أنافت (طالت وارتفعت) عليكم، يهلك فيها من حم (قرب) أجله، ويحمى عنها من أدرك أمله… اعتصموا بالتقية من شب نار الجاهلية، يحششها (يوقدها ويهيجها) عصب أموية، يهول بها فرقة مهدية، أنا زعيم بنجاة من لم يرم فيها المواطن، وسلك في الطعن منها السبل المرضية، إذا حل جمادي الأول من سنتكم هذه، فاعتبروا بما يحدث فيه، واستيقظوا من رقدتكم لما يكون في الذي يليه، ستظهر لكم من السماء آية جلية، ومن الأرض مثلها بالسوية، ويحدث في أرض المشرق ما يحزن ويقلق، ويغلب من بعد على العراق طوائف عن الاسلام مراق، تضيق بسوء فعالهم على أهله الأرزاق. ثم تنفرج الغمة من بعد ببوار طاغوت من الأشرار، ثم يستر بهلاكه المتقون الأخيار.. فليعمل كل امرء منكم بما يقربه من محبتنا، ويتجنب ما يدنيه من كراهتنا وسخطنا. فإن أمرنا بغتة فجأة حين لا تنفعه توبة ولا ينجيه من عقابنا ندم على حوبة، والله يلهمكم الرشد، ويلطف لكم في التوفيق برحمته”.
بالله مَن له أن يقرأ العلامات ويحسِن تطبيق الأمارات (يستنبط ذلك من آلاف هذه النظائر والإرشادات)؟ فيخلص إلى نتائج تبين لنا ماذا يريد منا إمامنا: أين نمضي ومتى نتوقف وكيف نصنع في الفتن والملاحم والأزمات؟.. غير فقيه ضليع أفنى عمره في استقصاء ودراسة الروايات، فوقف على معانيها ومداليلها وتأويلها، وأتقن الجمع والتوفيق بين متعارضاتها؟ هو أعلم العلماء وأقربهم إلى المولى عجل الله فرجه؟!
أوَّل ما علينا فعله هو اللجوء إلى “النواب”، فهم الأقرب إلى المولى، والبحث من بينهم على الأعلم الأتقى… فنكون قد استقبلنا مهبط الرحمة، ولم ننزوِ ونأوِ إلى جبل نتوهم أنه يعصمنا، نحسب فيه الخلاص، بعيداً عن سفينة النجاة، وربانها ينادينا ليستنقذنا من الجهالة وحيرة الضلالة! إن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وَحي يوحى، ودستور لا يتخلَّف عنه فرد أو جماعة إلا خسرت صفقتهم وردت أيديهم في أفواههم وعضَّت أصابعهم ندماً وحسرة: “ما وَلَّت أمة قط أمرها رجلاً وفيهم أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوا”. ليس لمجلس الخبراء الموقَّر أن يجتهد مقابل النص، فيتوهم الخير في تقديم المفضول على الفاضل، ثم يشكر الله على التوفيق لهذه الطامة! نحن شيعة إمامية، لسنا معتزلة ولا أشاعرة، ضوابطنا الفقهية والعقائدية وَاضحة جلية، لا تحتمل التأويل ولا تطيق التبديل، ودين الله لا يصاب بالعقول، ولا يفتقر إلى آراء البشر الواهية!
وما جرى في بداية الثورة في إيران، بل ما يجري اليوم في العراق شاهد حي ماثل على هذه الحقيقة، كيف استطاعت ثلة عدمت العدة والتدريب والتنظيم والإدارة والمال والإعلام، وتصنف في أقل درجات القدرة والكفاءة، أن توقف زحف داعش التي يعجز اليوم العالم مجتمعاً عن مواجهتها ووقف تمددها؟! وقد فر الجند وانهزم الجمع، واختفت السيطرات في بغداد وأخليت نقاط المراقبة والتفتيش، فغدت العاصمة خالية من أية قوة عسكرية، بل أي مظهر للسلطة والحكومة! وكان يكفي أن تتقدم مركباتهم وآلياتهم ليحتلوا المدينة دون مقاومة، ويسقط النظام دون عناء يذكر.. لكن شيبة في النجف الأشرف، فقيهاً لا يملك إلا يراعاً ودواة، لاق مداده وخط في قرطاس فتوى الجهاد، فانصبت العناية الإلهية من خلال فتواه، واتصلت الرعاية المهدوية عبر موقفه، فمُلأ القوم رعباً ولاذوا بالفرار وولوا الأدبار!
يحضرني أن المرحوم آية الله العظمى السيد الكلبيكاني عرض على القوم بعد فراغه من أداء الصلاة على جنازة السيد الخميني رحمه الله أن يتولى هو الأمر، ثم يعين لهم مَن يشاؤون، يوكل له إدارة الدولة والقوات المسلحة وكافة السلطات، حتى لا يفقد النظام الإسلامي مشروعيته، في حالة شبيه بما فعله المحقق الكركي مع الشاه طهماسب لما سلَّمه الملك. ما كان السيد قدس سره يطمع في مال ولا ينقصه جاه، إنما أراد أن تبقى قناة الفيض متَّصلة، وباب الرحمة الإلهية مفتوحاً، والرعاية المهدوية مستمرة.. لكنهم أبوا ورفضوا، وجرى ما جرى.
وها نحن اليوم أمام مناسبة جديدة لتصحيح الفلتة وتقويم الزلة، فرصة تنقذ الشيعة وتنجي الأمة…
إن الشيعة الذين يعانون ويكابدون ويدفعون الثمن، سـواء أ كانوا من الحزبيين والمنتمين إلى التيارات السياسية والجهادية التي تخوض الحروب والمعارك في مختلف البلاد والجبهات أو لم يكونوا… يغتمُّون لكل سجين ومعتقل، ويتألمون ويكابدون مع كل مطارَد وشريد مضطهد، ويتحسرون مع كل هزيمة وخسارة، وتخفق قلوبهم مع كل خبر عن شهيد يسقط، وتذرف أعينهم مع أمه وأبيه وعياله، وتلزم أيديهم ـ مع ذوي المجاهدين ـ قلوبهم مع كل إشاعة، ويرفعونها مبتهلين بالدعاء والتضرع إلى الله بالنصر والظفر لإخوانهم ولعودتهم سالمين غانمين.. يفعلون ذلك سواء كانت الحروب التي يخوضها الإخوة حقيقية ومحقة، أو باطلة وَهمية، تسخِّرهم وتجعلهم وَرقة على مائدة قمار الدول الكبرى والأنظمة الحاكمة!
من هنا علينا أن نجاهر بحقيقة:
وَاهمٌ مَن يحسب أن النجاة هي في الصلح مع أمريكا أو في التحالف مع روسيا، تائه ضائع مَن يراهن على عطف مخالف ورحمة نظام جائر، مغتر طائش مَن يركن إلى قوة وبأس يستمده من نفسه… نحن أهل الحق وحمَلته، والحق ثقيل لا يستمرأ، لذا نحن غرباء منفردون، لا أحد يحبنا ولا صديق يعطف علينا ويرفق بنا، ليس لنا إلا وَلينا، وليس أمامنا إلا التزام نهجه والتماس الوسيلة إليه وأخذ السبيل والتعلق بعروته، وهي في غيبته: مراجع التقليد الحقيقيين، الفقهاء العدول، نوابه ووكلائه العامُّون.
على الله في كل الأمور توكلي، وبالخمسة أصحاب الكساء توسلي..
التعليقات