بعد الشيخ علي المشكيني، كان جوادي آملي هو ثاني علماء السلطة والنظام في الجمهورية الإسلامية الذين اعترضوا على مرجعية السيد القائد، وقد اتهمه الثوريون (ثوريو ما بعد الثورة!) في حينها ورموه بأنه أرادها لنفسه، ليكون هو المرجع الديني، والسيد القائد هو المرجع السياسي، وما سوى ذلك مما طرحه وبرَّر به موقفه، هو دعاوى فارغة لزوم التغطية على الهدف، وذرائع تسوِّغ المعارضة وتبيح الاحتجاج، فلا التواضع العلمي للرجل هو ما أوقفه، ولا الأسس والأحكام الشرعية التي يتجاوزها هذا التصدي، ولا هتك التقاليد الحوزوية وتسجيل سابقة في إقحام عنصر من خارج الحوزة ونطاق المرجعية فيها هو ما أقلقه… هكذا رموه، فأُقصي الآملي وزوي، وبعد عقد ونيف من الإقصاء والحصار، والبعد عن الساحة والحذف من الميدان، جاءه “الفرج” من طاقة فُتحت له فجأة، و”يد” مُدَّت إليه على حين غِرَّة، فنطق كفراً بعد أن سكت دهراً!
ولو تتبع المرء الحالة لوَجد عجباً عُجاباً من هذه “اليد” والكف التي في نهايتها، من دورها وفعلها في الساحة الشيعية!… لا أحد يدري من أين تأتي وأنَّى تظهر؟ كيف تتحرك وتعمل أو تتجاهل وتهمل؟ متى تُبسَط فتحرِّك وتعين وتآزر، ولماذا تُقبض أو تُمسِك وتتوقف؟ لمَ رفعَت هذا وصفَّقت له هنا، ثم صفعت ذاك وخنقته هناك؟.. ترسم الخطط وتدبر الأمر وتحيك وتتآمر، تحفر الأحابيل وتنصب الشراك، تحمل صرر الدراهم والدنانير، وصكوك الضِياع والإقطاعات، وأحكام الولايات وكُتب التعيينات، كما تلوِّح بالأصفاد والقيود والأغلال، ثم المدى والخناجر ورصاصات الاغتيال، وقوارير تديف السم الزعاف، لمن يراد له أن يموت حتف أنفه أو عرضاً من مجرَّد رعاف!
وما زالت تمتد وتمد.. تهيج مواقع النزاع الفكري وتذكي الصراع العقائدي الذي يفتعله الحداثويون الشيعة، ثم تغطيهم وتدعمهم وتساندهم، فإذا سقط أحدهم وأخفق، امتدَّت “اليد” لتسعف الضحية وتنتشله من الغرق.
ما زالت تفعل ذلك منذ الفتنة الأولى التي أشعلها محمد حسين فضل الله، وهو براغماتي وصولي من الطراز الأول، لاعب سياسي ضليع وتاجر في الدين وضيع، ما عرف المبدئية في حياته، ولا مارس الصدام والتحدي والثورية يوماً، بل كل حركته تكتيك ومناورة ولعب على الحبال، تقدُّم وانسحاب، كرٌّ وفر، معاملات وصفقات، ما يقتضي أن يتراجع أمام حائط الصدِّ المتين الذي شجَّ الارتطام به رأسه وصدعه، والانحناء للعاصفة التي ذهبت به واقتلعته، ولا سيما أن المواجهة كانت تدريجية، أتيح له وقفها في مراحلها الأولى قبل وصولها إلى الحكم عليه بالضلال والخروج من المذهب، لكن من غريب الحال وعجيبه أنه مضى في مشروعه معانداً مكابراً، غير مبال بخسائر فادحة نالت من وجوده، ودمار طال بنيانه من أساسه، بلغ تقويضه وانهياره!… كانت هناك “يدٌ” تمسك بعضده، وشفاهٌ تهمس في أذنه، تغشي بصره عن أضراره، وتزيِّن أو تقلب له وَاقعه، وتصوِّر له مستقبله كما يرجو ويتمنى! حتى هلك ومحق! ومما سجله المراقبون أن هذا الخناس نفسه، جاء الشيخ نوري همداني، وهو من المذبذبين الذين اصطفوا مرة ضد فضل الله وأخرى معه، وما زال يتقلَّب في موقفه، جاءه يهمس في أذنه ويستفزه، يذكي العصبية والحمية في نفسه: “أ تطيق معارضة المراجع؟ ما أظنك ستتحمل هجوم الحوزة عليك”؟
فلما هلك الضال المضل، أعلنت “اليد” النفير العام، وجمعت القاصي والداني، حرَّضت وحشدَت، أملَت على المغلوبين المخدوعين وأكرهتهم، وساقت الأشرار الفاسقين نحو المشاركة في تأبينه ودفعتهم، فاحتفوا جميعاً بجنازته وأحفُّوا بنعشه… حتى أحيته وبعثته بعد موته، وأعلنت أن مثل هذا لن يقبر، بل سيبقى، من المنظرين إلى يوم يبعثون!
وما زالت “اليد” تلهب الفتنة، وتذكي وتسعِر أوارها…
من هنا أتى حب الله ليقحم الحوزة العلمية بتمرد وكِبر وغطرسة تأنف الخضوع لها حتى في زيها! وأطل السمج الرقيع قصير من نتَن الفساد وأسَن الاستئكال وخسَّة الغدر والخيانة والجاسوسية، ثم ظهر كمال الحيدري من أعماق الجهل المركَّب وحضيض الالتقاط وموبوء النفس، و”اليد” تأسس للأول “مرفأ الكلمة” وتسخِّر له ما يحتاج من إمكانيات، وتمكِّن الثاني من الإفتاء والافتراء، فلا فرق في قاموسهم، ولا غضاضة من هذا العبث والإسفاف، أما الثالث فساقته بطيلسانه وصولجانه، وقدَّمته بطبول تقرع وأبواق تنفخ، فلم يقو الأهوج على الصمود شهراً وبعض شهر، وهوى بالإهمال والإعراض، وسقط دون مواجهة تذكر! ولم يسقط فحسب، بل أسقط معه قناة الكوثر، وذهب المؤمنون في مقاطعتها، وتبنوا بوعي وبصيرة إلهية ـ دون فتوى وحكم ـ حرمة متابعتها، فتحركت “اليد” وسخَّرت له قناة الميادين (ميزانيتها 40 مليون دولار من أموال صاحب الزمان وضعت بتصرف العلماني اليساري التونسي غسان بن جدو، الذي وظف مرتزقاً جزائرياً ليعلم الشيعة دينهم! والجميع يختلس ويثري، ويعبث ويهدر، ثم يحارب المذهب الحق بأموال المذهب!)… كل ذلك حتى تنقذ بذرة الشر، وتعيد غرسها في سجيل أنفس المرضى والمعقدين.
وبين هذا وذاك، كانت إملاءات “اليد” تحرك ناصر مكارم ليبث سمومه ويقذف قيأه، فلم يبلغ تأثيره ولم تنطل أكاذيبه حتى على عمال معامل السكر التي ابتاعها بدينه! وتطلق ذئاب الصحافة من أوجارها، تهتك معتقدات الشيعة وتستبيح مقدساتها دون أية مراعاة لمشاعر المؤمنين وحقوقهم، محتجة بأنها مقدسات موهومة، فلا حرمة في الواقع لها، تماماً كما يفعل النواصب عند النيل من إمام زماننا، يحتجون أن المهدي لم يولد، وأن سبابهم لن يتوجَّه في الواقع إليه.
والغريب الملفت أن محور نشاط هذه “اليد”، ومدار حركتها والجامع بين سائر الناعقين في ركابها، والمنحرفين المنخرطين في جماعتها، هو التعرض لقضية الزهراء عليها السلام بنحو وآخر! حجد فضائلها والتشكيك في أنواع ظلاماتها وأقسام المصائب التي صبَّت عليها، والطعن في التراث المنقول عنها وعن أبنائها، ثم إنهاء قضيتها وتبرئة قتلتها… هناك خيط من مغزل خبال، وحبل من مسد يربط هذه الأحجار، ويجمع الدباب التي دحرجها من قبل أسلافهم في عقبة هرشى، وينظمها في طوق يغُل أعناقهم ومقامع تهشم وجوههم بعد أن تسود عن قريب.
حتى إن “اليد” التي أثارت كل هذا وفعلت كل ذاك، رعت الضلال وأعانت الضُلَّال، لم تتمالك عبق الولاء يفوح، وأنوار الحق تسطع من بيان الوحيد الخراساني، يدعو إلى إحياء الفاطمية والوفاء للزهراء وقضيتها، فسوَّلت لبعض الأخيار أن يحتفلوا بذكرى شهدائهم في يوم استشهاد الزهراء، بما يضعف موكب العزاء الذي يتقدمه المرجع الأعلى وصاحب الكرسي الأرفع في الحوزة العلمية!
وما زالت “اليد” في هذا وذاك، حتى وَسوَسَت أخيراً فاستزلت علَماً كالشيخ جوادي آملي، ودفعته ليفتري على الزهراء عليها السلام وينبري لينسج على لسانها ما يحلو له، ويقوِّلها ما يحب ويهوى! فيهرف بما يـعدُّ تناول الخطبة الفدكية إثارة للطائفية، ويهذي بما يحسبها خطأ أو نافلة لا ينبغي الانشغال بها مقابل شكر الله وحمده على ما منَّ به علينا من حكومة “علي” وهزيمة السقيفة في هذا العصر! (وللرجل تصريح سابق عام ٢٠١٢، يدين فيه النظام البنكي في الجمهورية الإسلامية ويعلن أن البنوك هناك ربوية، وهي في حالة حرب مع الله، وأن أرباح هذه البنوك ومعاملاتها حرام. ولكن في تصريحه الأخير يعلن أنها حكومة علي والغدير لا السقيفة! وتراه يساوي بين العاملين في هذا النظام وأصحاب سيد الشهداء!) والخطاب في مادته وأدلته أقل شأناً وأوهى قدراً من أن يُردَّ عليه أو يُلاحَق، ومن التهافت والسقوط ما يكفينا مؤونة الجواب، لكن ما ينبغي النظر فيه والرد عليه هو المنطلق والوجهة التي أخذت الشيخ في هذا المنحى، وأسقطته في هذا الغَوْر السحيق.
إن هذا الخطاب يأبى على المظلوم ويصادر حق المحق بالصدح بحجته وبيان ظلامته، وإن كان مع التزام الآداب والأحكام الشرعية، والتقيُّد بالوسائل العلمية والجدال بالتي هي أحسن، ويقطع الطريق على انتشال أيتام آل محمد من الغرق في أمواج الوحدة الزائفة، والإبقاء عليهم طعمة نيران الاتجار السياسي، وتسخيرهم لإنماء ملك هذا، وإنقاذ حكم ذاك!.. بحجة كلمة حق ومصحف يُرفع على قناة يتلو: الحذر من إثارة الطائفية وتأجيج الفتنة المذهبية!
ماذا لو طبق أحدهم موارد النزاع الطائفي على القتال في سوريا، وطالب بقطع دابره وإنهائه بالانسحاب من القتال هناك؟ ثم نسب ذلك إلى الزهراء عليها السلام وقوَّلها تحليله ورؤيته السقيمة هذه؟! ماذا لو عزا أحدهم الفتك التكفيري والتفجيرات الإرهابية إلى أداء الشيعة السياسيين والتيارات التي تتبع إيران، وأرجعه إلى رد الفعل على توليهم مقاليد الحكم والسلطة هنا، ونصرتهم نظاماً جائراً هناك؟ وطالب بالتخلي عن كل ذلك في سبيل وئد الفتنة ووقفها؟ ثم نسب رأيه وقراءته للأحداث، وحمَّل اجتهاده أحد المعصومين؟
إن الفتنة الحقيقية هي في الإضلال الذي يُلبس على العوام ويخدعهم، فيصرفهم عن مادة فلاحهم في أخراهم، ويبعدهم عن سبيل نجاتهم في معادهم، أي التمسك بحبل الله، ولاية آل محمد، العبادات والأعمال التي تزكي أرواحهم، وعلى رأسها العقائد، فهذه هي التي تبني صوَرهم البرزخية وتشكل أبدانهم الأخروية المعادية، فلا يمسخون كأعدائهم قردة وخنازير، ويحشرون عمياً وقد كانوا في هذه الدنيا مبصرين؟!
الفتنة في عصرنا بدأت في ضال مضل يبكي وهو يقرأ دعاء كميل، أغوى السذَّج وأغرى البسطاء، ونجَمَ قرنها أمس بمفسِّر للقرآن، يصلي على النبي إذا ذكره غالباً بالبتراء! يقوِّل الزهراء ما لم تقله وينسب إليها بملئ فمه ما يعجز هو ومن معه عن إثباته، لا بما يحمل من برهان، ولا بما يزعم من عرفان… اللهم إلا أن يخرج من مذهبنا ويدين بغير ديننا، ويقول بمقولة الصوفية، بأن الولاية العظمى مقام مشاع لكل سالك، ومنزلة تتاح لكل وَارد، وأنه ارتاض وسلك حتى بلغ ووَرد، فصار ينطق عن الهوى وحياً يوحى!
وسيبقى الصراع سجالاً، وستتلقى الساحة “حيدرياً” بإصدار جديد ونسخة مطوَّرة، و”آمُلياً” بشكل مختلف، وشيطاناً وليداً في كل حين، وبين هذا وذلك سترى كيف ينجم قرن: “راضي” و”رضا” في الأحساء، و”عودة” و”طالب” و”خشن” في لبنان، وطغام من هذا القبيل هنا وأوضار ونفايات هناك… شياطين تلهي الساحة وتشغلها، حتى تُفتضح “اليد” المحركة، ويعرف القاصي والداني كيف يعمل “أبومرَّة” وكيف يغزل ويحيك ويدبر ويصنع كل هذه الفتن.
اترك رداً على محايد إلغاء الرد